[frame="14 98"]



الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ،
{إِنَّ عِــدَّةَ الشُّهُــورِ عِنْــدَ اللَّهِ}
للشيخ / محمد فرج الأصفر

الحمد لله رب العالمين
أحمده سبحانه حمداً يليق بجلاله وعظمته وقدرته وعظيم سلطانه ،
الحمد لله الذي جعل لنا أياما ومواسم نغتنم منها كثير الحسنات ،
وفضل بعد الأيام على بعضها لتكون تجارة لنا ،
نتاجر فيها بالطاعات لتحط عنا السيئات وترفع بها الدرجات بفضل رب الارض والسموات ،
وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله
الذي له الفضل بعد الله في تبليغ دعوة الله وتعليم هذه الأمة كيف تحرص على الطاعات وتغتنم النفحات ، وعلى آل بيته وأصحابة والتابعين بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعـــــــد
عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ
قال تعالى : {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} التوبة 36
قال أهل التفسير:
الشهورجَمْع شَهْر وأَقَلّ الْجَمْع ثَلَاثَة أَشْهُر وعند الله يُرِيد اللَّوْح الْمَحْفُوظ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَشْيَاء يُوصَف بِأَنَّهُ عِنْد اللَّه ,
وَلَا يُقَال إِنَّهُ مَكْتُوب فِي كِتَاب اللَّه , كَقَوْلِهِ : "إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة" لُقْمَان : 34 .
إِنَّمَا قَالَ : "يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض" لِيُبَيِّن أَنَّ قَضَاءَهُ وَقَدَره كَانَ قَبْل ذَلِكَ , وَأَنَّهُ سُبْحَانه وَضَعَ هَذِهِ الشُّهُور وَسَمَّاهَا بِأَسْمَائِهَا عَلَى مَا رَتَّبَهَا عَلَيْهِ يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فِي كُتُبه الْمُنَزَّلَة .
وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : "إِنَّ عِدَّة الشُّهُور عِنْد اللَّه اِثْنَا عَشَر شَهْرًا" . وَحُكْمهَا بَاقٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُزِلْهَا عَنْ تَرْتِيبهَا تَغْيِير الْمُشْرِكِينَ لِأَسْمَائِهَا , وَتَقْدِيم الْمُقَدَّم فِي الِاسْم مِنْهَا . وَالْمَقْصُود مِنْ ذَلِكَ اِتِّبَاع أَمْر اللَّه فِيهَا وَرَفْض مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ تَأْخِير أَسْمَاء الشُّهُور وَتَقْدِيمهَا , وَتَعْلِيق الْأَحْكَام عَلَى الْأَسْمَاء الَّتِي رَتَّبُوهَا عَلَيْهِ , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي خُطْبَته فِي حَجَّة الْوَدَاع :
(أَيّهَا النَّاس إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض . ..) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .
وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ جَعْل الْمُحَرَّم صَفَرًا وَصَفَر مُحَرَّمًا لَيْسَ يَتَغَيَّر بِهِ مَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى
وهَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى :
أَنَّ الْوَاجِب تَعْلِيق الْأَحْكَام مِنْ الْعِبَادَات وَغَيْرهَا إِنَّمَا يَكُون بِالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ الَّتِي تَعْرِفهَا الْعَرَب , دُون الشُّهُور الَّتِي تَعْتَبِرهَا الْعَجَم وَالرُّوم وَالْقِبْط وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى اِثْنَيْ عَشَر شَهْرًا , لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَة الْأَعْدَاد , مِنْهَا مَا يَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ وَمِنْهَا مَا يَنْقُص , وَشُهُور الْعَرَب لَا تَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا يَنْقُص , وَاَلَّذِي يَنْقُص لَيْسَ يَتَعَيَّن لَهُ شَهْر , وَإِنَّمَا تَفَاوُتهَا فِي النُّقْصَان وَالتَّمَام عَلَى حَسَب اِخْتِلَاف سَيْر الْقَمَر فِي الْبُرُوج .
الأشهر الحرم :
الْأَشْهُر الْحُرُم الْمَذْكُورَة فِي هَذِهِ الْآيَة (ذُو الْقِعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب)الَّذِي بَيْن جُمَادَى الْآخِرَة وَشَعْبَان , وَهُوَ رَجَب مُضَر , وَقِيلَ لَهُ رَجَب مُضَر لِأَنَّ رَبِيعَة بْن نِزَار كَانُوا يُحَرِّمُونَ شَهْر رَمَضَان وَيُسَمُّونَهُ رَجَبًا . وَكَانَتْ مُضَر تُحَرِّم رَجَبًا نَفْسه ,
فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : (الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان) وَرَفَعَ مَا وَقَعَ فِي اِسْمه مِنْ الِاخْتِلَال بِالْبَيَانِ .
وَكَانَتْ الْعَرَب أَيْضًا تُسَمِّيه مُنْصِل الْأَسِنَّة , رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيّ - وَاسْمه عِمْرَان بْن مِلْحَان وَقِيلَ عِمْرَان بْن تَيْم - قَالَ :
(كُنَّا نَعْبُد الْحَجَر , فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ خَيْر مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَر , فَإِذَا لَمْ نَجِد حَجَرًا جَمَعْنَا حَثْوَة مِنْ تُرَاب ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاءِ فَحَلَبْنَا عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْر رَجَب قُلْنَا مُنْصِل الْأَسِنَّة , فَلَمْ نَدَع رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَة وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَة إِلَّا نَزَعْنَاهَا فَأَلْقَيْنَاهُ).
تخصيص الأشهر الحرم
خَصَّ اللَّه تَعَالَى الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر الْحُرُم بِالذِّكْرِ , وَنَهَى عَنْ الظُّلْم فِيهَا تَشْرِيفًا لَهَا وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي كُلّ الزَّمَان .
كَمَا قَالَ : "فَلَا رَفَث وَلَا فُسُوق وَلَا جِدَال فِي الْحَجّ" الْبَقَرَة : 197 عَلَى هَذَا أَكْثَر أَهْل التَّأْوِيل ، أَيْ لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر أَنْفُسكُمْ .
وَرَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : "فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ" فِي الِاثْنَيْ عَشَر .
وَرَوَى قَيْس بْن مُسْلِم عَنْ الْحَسَن عَنْ مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة قَالَ : فِيهِنَّ كُلّهنَّ .
فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل : لِمَ قَالَ فِيهِنَّ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا ؟
وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب يَقُولُونَ لِمَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى الْعَشَرَة : هُنَّ وَهَؤُلَاءِ فَإِذَا جَاوَزُوا الْعَشَرَة قَالُوا : هِيَ وَهَذِهِ , إِرَادَة أَنْ تُعْرَف تَسْمِيَة الْقَلِيل مِنْ الْكَثِير . وَرُوِيَ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَتَعَجَّب مِنْ فِعْل الْعَرَب هَذَا .
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَا دُون الْعَشَرَة مِنْ اللَّيَالِي : خَلَوْنَ . وَفِيمَا فَوْقهَا خَلَتْ .
لَا يُقَال : كَيْفَ جَعَلَ بَعْض الْأَزْمِنَة أَعْظَم حُرْمَة مِنْ بَعْض ,
فَإِنَّا نَقُول : لِلْبَارِئ تَعَالَى أَنْ يَفْعَل مَا يَشَاء , وَيَخُصّ بِالْفَضِيلَةِ مَا يَشَاء , لَيْسَ لِعَمَلِهِ عِلَّة وَلَا عَلَيْهِ حَجْر , بَلْ يَفْعَل مَا يُرِيد بِحِكْمَتِهِ , وَقَدْ تَظْهَر فِيهِ الْحِكْمَة وَقَدْ تَخْفَى .
خصائص شهر الله المحرم :
في الكتاب :
شهر الله المحرم من الأشهر الحرم الأربعه التي ذكرها الله في كتابه كما بينا في تفسير آية التوبة .
في السنة :
عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ؟ قال: "في جوف الليل".
قيل: ثم أي الصيام أفضل بعد رمضان ؟ قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم"
) رواه أحمد ومسلم وأبو داود
وعن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر) متفق عليه
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصومه، فلما قدم المدينة صامه، وأمر الناس بصيامه. فلما فُرض رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه) متفق عليه
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم النبي -صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال : ما هذا ؟ قالوا : يوم صالح ، نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أحق بموسى منكم"، فصامه، وأمر بصيامه). متفق عليه
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا : يا رسول الله، إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى… فقال : إذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. رواه مسلم وأبو داود.
وفي لفظ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع: (يعني مع يوم عاشوراء) رواه أحمد ومسلم
مراتب صيام عاشوراء :
ذكر أهل العلم ثلاث مراتب لصيام يوم عاشوراء
المرتبة الأولى : صوم ثلاثة أيام: التاسع، والعاشر، والحادي عشر.
المرتبة الثانية : صوم التاسع، والعاشرة.
المرتبة الثالثة : صوم العاشر وحده.
وهذا الشهر يستحب كثرة الصيام فيه، و التقرب إلى الله تبارك وتعالى بفعل الطاعات وترك المحرمات كسائر العمر والزمان ولكن في تلك الأيام أكد وأولى ليتعرض العبد لنفحات الله في أيام التكريم من ربا كريم خصص لنا بعد الأوقات تفضيلا منه وتعظيما لها حتى نعظمها ونكتسب فيها الخيرات قال تعالى : {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}
ومن دلائل تعظيم شعائر الله تعظيم الله؛ فليبحث المؤمن في منعطفات قلبه أين الله ؟
ولقياس ذلك :
انظر -أيها الأخ الحبيب إلى مدى طاعتك لله :
كيف هي عبادتك؟ كيف تكون في صلاتك ؟
هل تحب الصلاة ؟ هل تنتظر الصلاة ؟
هل تشتاق إلى الصلاة ؟ هل تحب الوقوف أمام الله ؟
وهو الذي ناداك من سابع سماء: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} .
كيف تكون عظمة الله مع عظمة من عظمت؟ يقول الله جل جلاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}
قس محبتك لله بطاعتك لأوامر الله تجد مدى إيمانك وارتباطك بالله ؛ فإن وجدت خيراً فاحمد الله، وإن وجدت غير ذلك؛ فاجعل طاعتك لله منهجاً لحياتك، وقس ما يصادفك في الحياة بميزان الطاعة تكن مؤمناً بإذن الله.
فرصة للعودة إلى الله
يا قوم ..
أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسن والأسماع والأبصار، أفما لنا فيهم أسوة ؟ فنشكوا إلى الله أحوالنا ،
فرحماك ربنا أعمالنا، فلا إله إلا الله كم ضيعنا من أعمارنا، فكلما حسنت من الأقوال ساءت الأعمال، فأنت حسبنا وملاذنا .
يا نفس فاز الصالحون بالتقـــى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عمـــي
يا حسنهم والليل قد جنهـــــم ... ونورهم يفوق نور الأنجـــــــــــــم
ترنموا بالذكر في ليلهــــــــــم ... فعيشهم قد طاب بالترنــــــــــــم
قلوبهم للذكر قد تفرغــــــــــت ... دموعهم كالؤلؤ منتظـــــــــــــــم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القســــــــــم
ويحك يانفس ألا تيقـــــــــــــظ ... ينفع قبل أن تزل قدمــــــــــــــي
مضى الزمان في توان وهــوى ... فاستدركي ما قد بقي واغتنمي

وأخيرا نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال
ويوفقنا إلى فعل الطاعات في سائر الأيام وعلى جميع الأحول
ويجعلنا وإياكم من المقبلين
ويدخلنا في رحمته
إلى يوم الدين

[/frame]