ببساطة
(والله ما كذب "مكرم عبيد")
أعلم أني مقدم على حديث شأئك... وإنما استبحت لنفسي أن أخوض فيه؛ لأني واثق أني لن أجد مَنْ من يتهمني بالتعصب الديني، فأصدقائي الحقيقيون في مصر أكثرهم من الأقباط، ولي بين نصارى مصر أوفياء يرونني أكرم صاحب وأوفى صديق... وأراهم من أطيب الذخائر في حياتي، ومن مسالكهم النبيلة استمد التأييد لهذا الرأي الصريح فما هو ذلك الحديث الشائك؟
نقرأ ونسمع كثيراً في هذه الأيام عبر المجلات والفضائيات، الكل يتواصى بالوطنية وضرورة التماسك بين عنصري الأمة .... مسلمين ومسيحيين ... وخاصة بعد أحداث أعياد الميلاد الأخير بقنا, وبعد كلام بيشوي السخيف الذي لاينطق به إلا أنصاف المثقفين ولن نرد عليه بحال من الأحوال فقد كفانا الرد عليه العقلاء من مسيحي مصركما كفا المسلمون إخوانهم المسيحيين الرد على من جعل الأمر الديني صدامياً
وبعد:
ولكي لا تكون الوطنية مجرد شعار وإنما واقع ملموس... أقدم إليكم تلك الصفحات المضيئة من تاريخ الوطنية ... حينما كان شعار (يحيا الهلال مع الصليب) واقعًا ملموسًا لا مجرد شعار تنطق به الألسنة وتأباه القلوب.
إن من واجب كل مصري أن يعطف على العروبة والإسلام في مصر... لأنهما سناد مصر الأول في الشرق. وأذكر أني قرأت مقالاً للكاتب الكبير (محمد حسنين هيكل) يصف فيه الوطني الكبير (مكرم عبيد) بأنه كان خطيبًا مميزًا، ومن الذين يفهمون القضايا الإجتماعية في مصر فهمًا نافذًا، وكان رجلاً بعد حفظه للقرآن وتعمقه في ذلك لافتًا ومعنى هذا الكلام: أن اهتمام (مكرم عبيد) بحفظ القرآن هو مظهر من مظاهر الوطنية كما يراها.
وقد يقول قائل: أهذه هي مقاييس الوطنية؟
أقول: نعم هذه مقاييس الوطنية بشهادة مكرم عبيد، الذي وصل إلى حقيقة مصر عن طريق القرآن... ولكن كيف؟
عندما قامت الثورة المصرية ... ثورة 1919 واكتوت الأيدي بنيرانها ... ظهر مكرم عبيد على مسرح الأحداث السياسية، وكان وقتها سكرتيرًا لأحد المستشارين الإنجليز، ثم اندهش رئيسه من أن يشترك مكرم عبيد مع الموظفين المضربين... وكان اندهاشه أنه قبطي؟ ولأنه توهم أن الأقباط لا يشاركون المسلمين في الثورة على الاحتلال.ورأى (مكرم عبيد) أن يصحح موقفه أمام رئيسه، فكتب إليه خطابًا قال فيه: "إذا صح أن الأقلية القبطية ستكون عقبة في طريق الاستقلال فسندعو الأقباط جميعًا إلى الإسلام لتسقط حجة المحتلين" وقد يندهش بعض مسلمي ومسيحي عصر التخلف من جرأة (مكرم عبيد) التي جعلته يعرض ترك دينه في مقابل أن تنال مصر حريتها واستقلالها.
ولكن... لم العجب والدهشة؟!
إن الرجال مواقف... وقد فهم الرجل الحقيقة... حقيقة الوطنية .... فجعلها فعلاً لا قولاً.... فبدأ بالاستغناء عن اسمه الأجنبي (وليم) واكتفى باسمه الوطني (مكرم عبيد).وحتى لا يؤول كلامه على وجه الخطأ... أعلن أن مصر ليس وطنًا نعيش فيه بل وطنًا يعيش فينا.وكان دعائه الشهير في إحدى خطبه: اللهم يا رب المسلمين والنصارى اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارًا ... واجعلنا نحن النصارى لك وللوطن مسلمين.
فما معنى هذا الكلام؟
معناه أن مكرم عبيد كان يرى الإسلام من أكبر عناصر الوطنية المصرية... وأن الثقافة الأزهرية من مظاهر تلك الوطنية وأنه مسلم وطنًا وأزهري ثقافة.
بهذا الفهم العميق لمعنى الوطنية... انتصر الوطن... ودقت أجراس الكنائس بجانب مآذن المساجد ... الله أكبر... في إيقاع متجانس يملأ القلوب رهبة ... ليتحقق شعار... الدين لله والوطن للجميع.
ما أحوجنا في هذه الأيام أن نتذكر أمثال (مكرم عبيد) .... الذي لم تمنعه ديانته أن يكون ثاني اثنين من الرجال –هو ووالد حسن البنا – اللذين شيعا جنازة (حسن البنا) بعد أن منع البوليس السياسي آنذاك الرجال من المشاركة في الجنازة...حتى أنه كان يشارك في إحياء ذكراه... فقد ذكر الأستاذ/ جمعة أمين عبد العزيز في كتابه (أوراق من تاريخ الإخوان)، أن مكرم عبيد قال عن حسن البنا في ذكراه: (وما من شك أن فضيلة الشيخ حسن البنا هو حي لدينا جميعًا في ذكراه، بل كيف لا يحيا ويخلد في حياته رجل استوحى من الدين هدى ربه".
مَنْ الذي يقول ... مكرم عبيد المسيحي الذي عرف معنى الوطنية الحقة بغض النظر عن اختلاف المواقف والدين .... إنها أخلاق الفرسان. ما أحوجنا إلى تلك النفوس التي فهمت معنى الوطنية فطبقتها قولاً وفعلاً... ما أحوجنا إليها ونحن في خضم الأزمة الطائفية التي تكاد تعصف بأمن الوطن واستقراره... إن الأحداث الأخيرة لهي فرصة لامتحان النفوس والعزائم... فكل منا – مسلمين ومسيحيين – يعرف ما يملك من زاد الوطنية .... وكل منا يعرف ما عنده من عناصر الأمانة والإخلاص.
ابدأ بإعداد نفسك لدعوة الواجب... يوم يدعوك الوطن لتغذيه بروحك ابدأ بإعداد نفسك لتشعر بمعنى الأخوة والوطنية... وأن تثق بأن جميع من تصادفهم في غدوك ورواحك ... هم إخوانك وأنصارك... منافعهم هي منافعك ... وإن لم تعرفهم من قبل.
ابدأ بنفسك.... فكن من أقطاب الأخلاق... كما كان أمثال "مكرم عبيد"
الوطن – كما قال الدكتور زكي مبارك – يعتمد بعد الله على نفسك العالية ... فكن عند ظنه الجميل الوطن يرجو أن تفي له في أيام الشدة... كما وفى لك في أيام الرخاء.
إنها رسالة واضحة لمن تسول له نفسه أن يهدم الوطن من خلال قصور فكره أو أحقاد قلبه فرحم الله الأيام الجميلة والوطنيين الشرفاء من المسلمين والمسيحيين
على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء
الوطن هو أنت ... فمن أنت؟
وبعد ... فلله الأمر من قبل ومن بعد