قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد أنك قد أوضحت كل الإيضاح و أبنت كل الإبانة , و أنك لم تدع سبيلا للكشف عما في نفسك إلا سلكتها , حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء و جعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفلق الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون , و ما أشد دهشتك بعد قيل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك و لم يدركوا قولك .
رأيت ذلك مرات و لمسته من عدة مواقف , و اعتقد أن السر فيه لا يعدوا أحد أمرين :
إما أن الذي يقيس به كل منا و ما يسمع عنه مختلف , فيختلف تبعا لذلك الفهم و الإدراك , و إما أن يكون القول في ذاته ملتبسا غامضا و إن اعتقد قائله أنه واضح مكشوف .
المقياس
و أنا أريد في هذه الكلمة أن أكشف للناس عن دعوة الإخوان المسلمين و غايتها و مقاصدها و أساليبها و وسائلها في صراحة و وضوح و في بيان و جلاء , و أحب أولا أن أحدد المقياس الذي نقيس به هذا التوضيح , و سأجتهد في أن يكون القول سهلا ميسورا لا يتعذر فهمه على قارئ يحب أن يستفيد , و أظن أن أحدا من الأمة الإسلامية جميعا لا يخالفني في أن يكون هذا المقياس هو كتاب الله نستقي من فيضه و نستمد من بحره و نرجع إلى حكمه .
يا قومنا ..
إن القرآن الكريم كتاب جامع جمع الله فيه أصول العقائد و أسس المصالح الاجتماعية , و كليات الشرائع الدنيوية , فيه أوامر وفيه نواه , فهل عمل المسلمون بما في القرآن فاعتقدوا و أيقنوا بما ذكر الله من المعتقدات , و فهموا ما أوضح لهم من الغايات ؟ و هل طبقوا شرائعه الاجتماعية و الحيوية على تصرفاتهم في شؤون حياتهم ؟ إن انتهينا من بحثنا أنهم كذلك فقد وصلنا معا إلى الغاية , و إن تكشف البحث عن بعدهم عن طريق القرآن و إهمالهم لتعاليمه و أوامره فاعلم أن مهمتنا أن نعود بأنفسنا و بمن تبعنا إلى هذا السبيل
غاية الحياة في القرآن
إن القرآن حدد غايات الحياة و مقاصد الناس فيها فبين أن قوما غايتهم من الحياة الكل و المتعة
فقال تبارك و تعالى :
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد:12) .
و بين أن قوما مهمتهم في الحياة الزينة و العرض الزائل فقال تبارك و تعالى :
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14)
وبين أن قوما آخرين شأنهم في الحياة إيقاد الفتن و إحياء الشرور , أولئك الذين قال الله فيهم:
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ , وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله ُلاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة:204-205)
تلك مقاصد من مقاصد الناس في الحياة نزه الله المؤمنين عنها و برأهم منها و كلفهم مهمة أرقى , و ألقى على عاتقهم واجبا أسمى ذلك الواجب هو: هداية الناس إلى الحق , و إرشاد الناس جميعا إلى الخير , و إنارة العالم كله بشمس الإسلام فذلك قوله تبارك و تعالى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ , وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ و َتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78).
و معنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة , و يعطيهم حق الهيمنة و السيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة و إذا فذلك من شأننا لا من شأن الغرب و لمدنية الإسلام لا لمدنية المادة .
وصاية المسلم تضحية لا استفادة
ثم بين الله تبارك و تعالى أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه و ماله فليس له فيها شيء و إنما هي وقف على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس و ذلك قوله تعالى :
(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) (التوبة:111).
و ومن ذلك نرى المسلم يجعل دنياه وقفا على دعونه ليكسب آخرته جزاء تضحيته
و من هنا كان الفاتح المسلم أستاذا يتصف بكل ما يجب أن يتحلى به الأستاذ من نور و هداية و رحمة و رأفة , وكان الفتح الإسلامي فتح تمدين و تحضير و إرشاد و تعليم , و أين هذا ما يقوم به الاستعمار الغربي الآن ؟
أين المسلمون من هذه الغاية؟
فبربك عزيزي : هل فهم المسلمون من كتاب ربهم هذا المعنى فسمت نفوسهم و رقت أرواحهم , و تحرروا من رق المادة و تطهروا من لذة الشهوات و الأهواء , و ترفعوا عن سفاسف الأمور و دنايا المقاصد , و وجهوا وجوههم للذي فطر السموات و الأرض حنفاء يعلون كلمة الله و يجاهدون في سبيله , و ينشرون دينه و يذودون عن حياض شريعته , أم هؤلاء أسرى الشهوات و عبيد الأهواء و المطامع , كل همهم لقمة لينة و مركب فاره و حلة جميلة و نومة مريحة و امرأة وضيئة و مظهر كاذب و لقب أجوف
رضوا بالأماني و ابتلوا بحظوظهم و خاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا
و صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تعس عبد الدينار , تعس عبد الدرهم , تعس عبد القطيفة)
الغاية أصل الأعمال
و بما أن الغاية هي التي تدفع إلى الطريق , و لما كانت الغاية في أمتنا غامضة مضطربة كان لابد من أن نوضح و نحدد , و أظننا وصلنا إلى كثير من التوضيح و اتفقنا على أن مهمتنا سيادة الدنيا و إرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة و تعاليمه التي بغيرها أن يسعد الإنسان .
مصادر غايتنا
تلك هي الرسالة التي يريد الإخوان المسلمون أن يبلغوها للناس و أن تفهمها الأمة الإسلامية حق الفهم , و تهب لإنفاذها في عزم و في مضاء , لم يبتعها الإخوان ابتداعا , و لم يختلقوها من أنفسهم , و إنما هي الرسالة التي تتجلى في كل آية من آيات القرآن الكريم , و تبدوا في غاية الوضوح في كل حديث من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه و سلم و تظهر في كل عمل من أعمال الصدر الأول الذين هم المثل الأعلى لفهم الإسلام و إنفاذ تعاليم الإسلام , فإن شاء المسلمون في أن يقبلوا هذه الرسالة كان ذلك دليل الإيمان و الإسلام الصحيح , و إن رأوا فيها حرجا أو غضاضة فبيننا و بينهم كتاب الله تبارك و تعالى , حكم عدل و قول فصل يحكم بيننا و بين إخواننا و يظهر الحق لنا أو علينا
(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين) (الأعراف:89).
استطراد
يتساءل كثير من إخواننا الذين أحببناهم من كل قلوبنا و وقفنا لخيرهم و العمل لمصلحتهم الدنيوية و الأخروية جهودنا و أموالنا و أرواحنا، و فنينا في هذه الغاية، غاية إسعاد أمتنا و إخواننا ، عن أموالنا و أنفسنا.
و كم أتمنى أن يطلع هؤلاء الإخوان المتسائلون على شباب الإخوان المسلمين و قد سهرت عيونهم و الناس نيام، و شغلت نفوسهم و الخليون هجع، و أكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملا مجتهدا و مفكرا مجدا، و لا يزال كذلك طول شهره، حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده موردا لجماعته، و نفقته نفقة لدعوته، و ماله خادما لغايته، و لسان حاله يقول: لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله. و معاذ الله أن نمن على أمتنا فنحن منها و لها و إنما نتوسل إليها بهذه التضحية أن تفقه دعوتنا و تستجيب لندائنا.
من أين المال ؟
يتساءل هؤلاء الإخوان المحبوبون الذين يرمقون الإخوان المسلمين عن بعد و يرقبونهم عن كثب قائلين: من أين ينفقون؟ و أنى لهم المال اللازم لدعوة نجحت و ازدهرت كدعوتهم و الوقت عصيب و النفوس شحيحة؟
و إني أجيب هؤلاء بأن الدعوات الدينية عمادها الإيمان قبل المال ، و العقيدة قبل الأعراض الزائلة ، و إذا وجد المؤمن الصحيح و جدت معه وسائل النجاح جميعا، و إن في مال الإخوان المسلمين القليل الذي يقتطعونه من نفقاتهم و يقتصدونه من ضرورياتهم و مطالب بيوتهم و أولادهم، و يجودون به طيبة نفوسهم سخية به قلوبهم، يود أحدهم لو كان له أضعاف أضعاف فينفقه في سبيل الله ، فإذا لم يجد بعضهم شيئا تولوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. في هذا المال القليل و الإيمان الكبير و لله الحمد و العزة بلاغ لقوم عابدين و نجاح للعاملين الصادقين , و إن الله الذي بيده كل شيء ليبارك في القرش الواحد من قروش الإخوان , و (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276).
(وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم:39) .
نحن و السياسة
و يقول قوم آخرون إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون و دعوتهم سياسية و لهم من وراء ذلك مآرب أخرى . و لا ندري إلى متى تتقارض أمتنا التهم و تتبادل الظنون و تتنابز بالألقاب، و تترك يقينا يؤيده الواقع في سبيل ظن توحيه الشكوك.
يا قومنا: إننا نناديكم و القرآن في يميننا و السنة في شمالنا، و عمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، و ندعوكم إلى الإسلام و تعاليم الإسلام و أحكام الإسلام ، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، و إن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيا فنحن أعرق الناس و الحمد لله في السياسة، و إن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات و انكشفت الغايات.
يا قومنا: لا تحجبكم الألفاظ عن الحقائق و الأسماء عن الغايات، و لا الأعراض عن الجوهر، و إن للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا و صلاح الآخرة، و تلك هي سياستنا لا نبغي بها بديلا فسوسوا بها أنفسكم، و احملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الأخروية، و لتعلمن نبأه بعد حين.
قوميتنا وعلى أي أساس ترتكز؟
أيها الأخ تعال نصغ معا إلى صوت العزة الإلهية يدوي في أجواء الآفاق , ويملأ الأرض و السبع الطباق , و يوحي في نفس كل مؤمن أسمى معاني العزة و الفخار , حين يسمع هذا النداء الذي تستمع له السموات و الأرض و من فيهن منذ أن بلغه المبين إلى هذا الوجود , إلى حيث لا نهاية إذا كتب له الخلود :
أجل أجل يا أخي : هذا نداء ربك إليك , فلبيك اللهم لبيك , و حمدا و شكرا لك لانحصي ثناء عليك , أنت ولي المؤمنين و نصير العاملين و المدافع عن المظلومين الذين حوربوا في بيوتهم و أخرجوا من ديارهم , عز من لجأ إليك و انتصر من احتمى بحماك
أجل أجل يا أخي : تعال نستمع معا إلى صوت القرآن الكريم , و نطرب بتلاوة الآيات البينات , و نسجل جمال هذه العزة في صحائف ذلك الكتاب المطهر .
إلي إلي يا أخي واسمع قول الله تبارك وتعالى :
1 – (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (البقرة:257)
2 – (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) (آل عمران:150) .
3 – (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(المائدة:55).
4 – (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (لأعراف:196).
5 – (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51).
6 – (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ , الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس:62-63).
7 – (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد:11).
ألست ترى في هذه الآيات البينات أن الله تبارك و تعالى ينسبك إلى نفسه و تمنحك فضل ولايته و يفيض عليك من فيض عزته ؟
و في الحديث الشريف الذي يرويه المختار صلى الله عليه و سلم عن ربه فيما معناه : (يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة : يا بني آدم جعلت نسبا وجعلتم نسبا فقلتم فلان ابن فلان وقلت : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فاليوم أرفع نسبى وأوضع نسبكم)
لهذا أيها الأخ الكريم فضل السلف الصالح أن يرفعوا نسبتهم إلى الله تبارك و تعالى , ويجعلوا أساس صلاتهم ومحور أعمالهم تحقيق هذه النسبة الشريفة فينادي أحدهم صاحبه قائلا:
لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي
في حين يجيب الآخر من سأله عن أبيه أتميمي هو أم قيسي :
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
ليس بعد ذلك عزة
أيها الأخ العزيز : إن الناس إنما يفخرون بأنسابهم لما يأنسون من المجد والشرف في أعمال جدودهم ، ولما يقصدون من نفخ روح العزة و الكرامة في نفوس أبنائهم وراء هذين المقصدين شئ، أفلا ترى نسبتك إلى الله تبارك وتعالى أسمى ما يطمح إليه الطامحون من معاني العزة والمجد : (فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً) (النساء:139) , وأولى ما يرفع نفسك إلى عليين وينفخ فيها روح النهوض مع العاملين ، و أي شرف أكبر و أي رافع إلى فضيلة أعظم من أن ترى نفسك ربانيا ، بالله صلتك وإليه نسبتك ، ولأمر ما قال الله تبارك وتعالى : (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79)
أعظم مصادر القوة
و في النسبة إلى الحق تبارك و تعالى معنى آخر يدركه من التحق بهذه النسبة , ذلك هو الفيض الأعم من الإيمان , و الثقة بالنجاح الذي يغمر قلبك فلا تخشى الناس جميعا و لا ترهب العالم كله إن وقف أمامك يحاول ان ينال عقيدتك أو ينتقص من مبدأك :
(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173) .
و لأمر ما كان الواحد من أولئك القلائل المؤمنين بالله و ثقته و تأييده يقف أمام الجحفل اللجب و الجيش اللهام , فلا يرهب صولته و لا يخشى أذاه لأنه لا يخشى أحدا إلا الله , و أي شيء أعظم من تلك القوة التي تنسكب من قلب الرجل المؤمن حين يجيش صدره بقول الله : (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ) (آل عمران:160) .
قوميتنا عالية النسبة
و هناك معنى آخر من معاني السمو الاجتماعي في انتساب الناس إلى الله تبارك و تعالى , ذلك هو تآخي الشعوب و تآزر الجماعات و القضاء على تلك المطامع التي توحي بها العصبية و يؤرث نيرانها بين الأمم التقاطع و التخاصم , فمن للعالم بان يجتمع بقوة حول راية الله .. ؟
أحلام الأمس و حقائق اليوم
هذا كلام طال عهد المسلمين باستماعه فقد يكون غامضا عليهم غير مفهوم لديهم , و قد يقول قائل : ما لهؤلاء الجماعة يكتبون في هذه المعاني التي لا يمكن أن تتحقق , وما بالهم يسبحون في جو الخيال و الأحلام ؟
على رسلكم أيها الإخوان في الإسلام و الملة فغن ما ترونه اليوم غامضا بعيدا كان عند بدهيا قريبا , و لن يثمر جهادكم حتى يكون كذلك عندكم , و صدقوني إن المسلمين الأولين فهموا من القرآن لأول ما قرأوه و نزل فيهم , ما ندلي به اليوم و نقصه عليكم .
و أصارحكم بان عقيدة الإخوان المسلمين يحيون بها يأملون الخير فيها و يموتون عليها , و يرون فيها كل ما تصبوا إليه نفوسهم من متعة و جمال و إسعاد و حق : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16) .
أيها الإخوان : إذا اتفقتم معنا على هذا الأساس فاعلموا أن انتسابكم إلى الله تبارك و تعالى يفرض عليكم أن تقدروا المهمة التي ألقاها على عاتقكم ,و تنشطوا للعمل لها و التضحية في سبيلها فهل أنتم فاعلون ؟
مهمة المسلم
إن مهمة المسلم الحق لخصها الله تبارك و تعالى في آية واحدة من كتابه , و رددها القرآن الكريم بعد ذلك في عدة آيات , فأما تلك الآية التي اشتملت على مهمة السلمين في الحياة فهي قول الله تبارك وتعالى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ , وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ و َتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78).
هذا كلام لا لبس فيه و لا غموض , و والله إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة , و إنه لواضح كالصبح ظاهر كالنور , يملأ الآذان و يدخل على القلوب بغير استئذان , أفلم يسمعه المسلمون قبل الآن ؟ أم سمعوه و لكن على قلوبهم أقفالا فلا تعي و لا تتدبر ؟
يأمر الله المسلمين أن يركعوا و يسجدوا و أن يقيموا الصلاة التي هي لب العبادة و عمود الإسلام و أظهر مظاهره , و أن يعبدوا الله و لا يشركوا به شيئا , و أن يفعلوا الخير ما استطاعوا , و هو حين يأمرهم بفعل الخير ينهاهم بذلك عن الشر و إن من أول الخير أن تترك الشر , فما أوجز و ما أبلغ ! و رتب لهم على ذلك النجاح و الفلاح و الفوز و تلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب عليه أن يقوم بها بنفسه في خلوة أو جماعة .
حق الإنسانية
ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة و تعميمها بين الناس بالحجة و البرهان , فإن أبوا إلا العسف و الجور و التمرد فبالسيف والسنان :
والناس إذ ظلموا البرهان و اعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
حراسة الحق بالقوة
و ما أحكم القائل : ( القوة اضمن طريق لإحقاق الحق , و ما اجمل أن تسير القوة و الحق جنبا إلى جنب )
فهذا الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية فضلا عن الاحتفاظ بمقدسات الإسلام فريضة الله على المسلمين كما فرض عليهم الصوم و الصلاة و الحج و الزكاة و فعل الخير و ترك الشر , و ألزمهم إياها و ندبهم إليها , و لم يعذر في ذلك أحد فيه قوة و استطاعة , و إنها لآية زاجرة رادعة و موعظة بالغة زاجرة :
(انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) (التوبة:41)
و قد كشف الله سر هذا التكليف و حكمة هذه الفريضة التي افترضها على المسلمين بعد هذا الأمر , فبين لهم أنه اجتباهم و اختارهم و اصطفاهم دون الناس ليكونوا سواس خلقه و أمناءه على شريعته و خلفاءه في أرضه , و ورثة رسوله في دعوته , و مهد لهم الدين و أحكم التشريع و سهل الأحكام و جعلها من الصلاحية لكل زمان و مكان بحيث يتقبلها العالم , و ترى فيها الإنسانية أمنيتها المرجوة و أملها المنتظر : (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ و َتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)
و تلك هي المهمة الاجتماعية التي ندب الله إليها المسلمين جميعا , و أن يكونوا صفا واحدا و كتلة و قوة , و أن يكونوا هم جيش الخلاص الذي ينقذ الإنسانية و يهديها سواء السبيل .
رهبان بالليل فرسان بالنهار
ثم أوضح الحق تبارك و تعالى للناس بعد ذلك الرابطة بين التكاليف من صلاة وصوم بالتكاليف الاجتماعية و أن الأولى وسيلة للثانية , و أن العقيدة الصحيحة أساسهما معا , حتى لا يكون لأناس مندوحة من القعود عن فرائضهم الفردية بحجة انهم يعملون للمجموع , و حتى لا يكون لآخرين مندوحة من القعود عن العمل للمجموع بحجة أنهم مشغولين بعباداتهم مستغرقون في صلتهم لربهم , فما أدق و احكم , و من أحسن من الله حديثا ؟
أيها المسلمون : عبادة ربكم و الجهاد في سبيل التمكين لدينكم و إعزاز شريعتكم هي مهمتكم في الحياة , فإن أديتموها حق الأداء فانتم الفائزون , و إن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعا فإليكم أسوق قول الله تبارك و تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ , فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) (المؤمنون:115-116) .
لهذا المعنى جاء أوصاف أصحاب محمد و هم صفوة الله من خلقه و السلف الصالح من عباده : ( رهبان بالليل فرسان بالنهار ) ترى أحدهم في ليله ماثلا في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول : ( يا دنيا غري غيري ) فإذا انفلق الصباح و دوى النفير يدعو المجاهدين , رايته رئبالا على صهوة جواده , يزار الزارة فتدوي لها جنبات الميدان .
بالله عليك ما هذا التناسق العجيب و التزاوج بين الغريب و المزيج الفريد بين عمل الدنيا و مهامها و شؤون الآخرة و روحانيتها ؟ و لكنه الإسلام الذي جمع من كل شيء أحسنه .
استعمار الأستاذية و الإصلاح
و لهذا المعنى أيها المسلمون نفر المسلمون , بعد أن اختار نبيه – صلى الله عليه و سلم – الرفيق الأعلى في أقطار الأرض , قرآنه في صدورهم و مساكنهم على سروجهم و سيوفهم بأيديهم , حجتهم واضحة على ألسنتهم يدعون الناس إلى إحدى ثلاث : الإسلام أو الجزية أو القتال , فمن أسلم فهو أخوهم له ما لهم و عليه ما عليهم , و من أدى الجزية فهو في ذمتهم و عهدهم يقومون بحقه و يرعون عهده و يوفون له بشرطه , و من أبى جالدوه حتى يظهرهم الله عليه , (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) (التوبة:32) .
ما فعلوا ذلك لسلطان , فزهادتهم في الجاه و الشهرة معروفة عند الخاص و العام , و لقد قضى دينهم على تلك المظاهر الزائفة التي يستمتع بها أقوام على حساب آخرين , فكان خليفتهم كأحدهم , يفرض له من المال و العطاء ما لرجل منهم ليس بأفضلهم و لا أدركهم , و لا يميزه إلا بما أفاض الله عليه من جلال الإيمان و هيبة اليقين , و لم ذلك لمال , فحسب أحدهم كسرة يرد بها جوعته و جرعة يطفئ بها ظمأته , و الصوم لديهم قربة , و الجوع أحب عندهم من الشبع , و حظ أحدهم من الملبس ما يستر به عورته , و كتابهم يناديهم بقول الله تعالى :
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد:12)
و نبيهم يقول لهم : (تعس عبد الدينار , تعس عبد الدرهم , تعس عبد القطيفة)
إذا لم يكن مخرجهم من ديارهم لجاه أو مال أو سلطة أو استعمار أو استبداد , و إنما كان لأداء رسالة خاصة هي رسالة نبيهم التي تركها أمانة بين أيديهم , و أمرهم أن يجاهدوا في سبيلها , حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله .
آن لنا أن نفهم
كان المسلمون يفهمون هذا قديما و يعملون له و يحملهم إيمانهم على التضحية في سبيله , أما في هذه الأيام فقد تفرق المسلمون في فهم مهمتهم و اتخذوا من التأويل و التعطيل سندا للقعود و الكسل , فمن قائل يقول لك : مضى وقت الجهاد و العمل , و آخر يثبط همتك يقول لك بان الوسائل معدومة و الأمم الإسلامية مقيدة , و ثالث رضي من دينه كلمات يلوكها لسانه صباح مساء , و قنع من عبادته بركعات يؤديها و قلبه هواء
لا لا أيها الإخوان , القرآن يناديكم بوضوح و جلاء :
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15) .
و أما في السنة فيقول لكم الرسول : (إذا ضن الناس بالدينار و الدرهم و تبايعوا بالعينة و تبعوا أذناب البقر و تركوا الجهاد في سبيل الله , أدخل الله تعالى عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم) رواه الأمام أحمد في مسنده , و الطبراني في الكبير , و البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر .
و أنتم تقرأون في كتب الفقه ما ألف منها قديما أو حديثا متى يكون الجهاد فرض كفاية و متى يكون فرض عين , و تعلمون حقائق ذلك و معناه حق العلم , فما هذا الخمول الذي ضرب بجدرانه ؟ و ما هذا اليأس الذي قبض على القلوب فلا تعي ولا تفيق ؟ هذا أيها المسلمون عصر التكوين فكونوا أنفسكم و بذلك تتكون أمتكم .
إن هذه الفريضة تحتاج إلى منكم نفوسا مؤمنة و قلوبا سليمة , فاعملوا على تقوية إيمانكم و سلامة صدوركم , و تحتاج منكم تضحية بالمال و الجهود فاستعدوا لذلك فإن ما عندكم ينفد و ما عند الله باق , و إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم جنة عرضها السموات و الأرض .