حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى
النتائج 1 إلى 34 من 34

الموضوع: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

  1. #1
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    خرج الرعاة مبكرين كعادتهم في كل صباح و أمامهم تتراكض الأغنام في طريقها إلى مرعاها المعهود الذي يصلها بأسباب الحياة إذ ليس في تلك القرية الجدباء مايسد رمقها ، وما أعجب أن يمر الطريق إلى الحياة عبر الموت .. فمقبرة القرية تقع في ذلك الحيز الضيق الذي ينساب الطريق إلى المرعى من خلاله .. وما أشده عجبا أن يرى الرعاة ذلك الذي اسموه حارس القبر أو عابده كما يحلو لبعضهم القول ، قد عدل على غير عادته عن الوضع الذي ألفه واعتاده الناس فيه منذ ان حل بهذه القفار فكان يُري في كل صباح ومساء اما جالساً او متكئاً ووجهه صوب ذلك القبر المنعزل عن بقية القبور والذي ضم رفات تلك المعتوهة التي عُرفت بأسم عجيبة .. كان يلازم هذا الوضع معظم ساعات يومه وقلما يعدل عنه لكأن الشمس تزّاور عنه في شروقها وتقرضه في غروبها .. ولا أحد يدري الكيفية التي يعيش بها هذا الغريب الأطوار وهو على هذا الحال .. فما ملكوا اكثر من أن اطلقوا عليه (حارس القبر) أو (عابد القبر) كما يحلو للبعض ان يقول .

    أما في ذلك الصباح الباكر فقد كان الأمر جد مختلف إذا رأى الرعاة حارس القبر أو عابده ممدا فوق القبر كأنه في عناق معه ويداه مغروستان في ثراه .. ماذا في الأمر ياترى؟ هل إنتهج هذا الغريب نهجاً آخر في في عبادته لهذا القبر بعد أن ملّ ذلك الذي درج عليه لما يناهز العشرين عاماً او يزيد !! ولتبديد ما اعتراهم من ريب دنوا قليلاً من الموضع ليتبينوا سر ذلك التحول المفاجئ وألسنة بعضهم لاتكاد تكف عن تهكم وسخرية ، والبعض الآخر صامت لايدلي بشئ .. فمن بين أهل القرية من يرمي ذلك الغريب بالصلاح لغرابة أطواره بينما يضحك البعض من هذا الإفتراض تهكماً .. فأنّى لعبد مثله أن يكون صالحاً .. أنه لا أكثر من عبد معتوه أو ساحر .. وقد تحرش بعضهم به من قبل ذلك ليخرجوه من قريتهم ولكنهم لم يفلحوا فهو لم يقاومهم بل كان صامتاً صمت تلك القبور حيال كل المحاولات التي تمت من قبلهم سوى أن كانت بالضرب أو رشق بالحجارة أو غيرهما .. بل ولم يحاول حتى النظر في وجوه مهاجميه ، وإذ ذاك تركته الشرذمة من متطرفي القرية وشأنه بعد أن نصحهم البعض بالكف عن ذلك مخافة أن يكون هذا المخلوق من الصالحينً فتصيبهم لعنته أو ساحراً فيلحقهم كيده.

    وإذ وقفوا عن كثب وجدوا حارس القبر ساكناً بلا حراك .. ممداً فوق كومة القبر وفي كلتا يديه قبضة من ثراه ولم تستطع مرارة الموت أن تنتزع عن وجهه تلك السعادة الظاهرة وذلك الإطمئنان البيِّن فبدأ كمن استغرق في سبات عميق يعج بأحلام المنى.
    ولما لم يكن من بين اولئك الصبية من يملك خبرة عن كيفية التصرف في مثل هذه الأحوال فقد قفل بعضهم راجعاً إلى القرية يستنجد باهل المروءة و لم يطل الأمر حتى أقبل من أهل القرية نفر أزاحوا الميت عن موضعه وحملوه إلى ظل شجرة بعد أن ستروه ريثما يهيأ له قبر .. وانقضت المعاول تشق قبراً بجوار ذلك القبر الذي كان يحرسه غير أنها توقفت خضوعاً لإرادة الطبيعة إذ أن الأرض في ذلك الموضع كانت من القوة والصلابة بحيث لم يتمكن الرجال من مواصلة الحفر فتخلوا عن ذلك إلى موضع آخر في الجهة المقابلة .. ومرة اخري تهاوت المعاول تشق الثرى غير ان محاولتهم الثانية لم تكن باحسن من سابقتها فالأرض في هذا المكان متصلبة أيضاً فتوقف الرجال كل يزيح عن جبينه قطرات من العرق تراكمت حتى في غياب الشمس وكل يحدق في وجه الآخر حتى اشار كبيرهم لاهثاً إلى قبر عجيبة مقترحاً عليهم فتحه وإيلاج الجثة فيه جنباً إلى جنب مع ساكنته تلك المعتوهة التي كأن هذا الميت قد جاء ليمسك بخلافتها .. فلا الوافد ولا النزيل يربطهما بهذه الأصقاع رابط حتى يستحقان كل هذا الجهد أو ان يحظى كل منهما بقبر منفرد .. انهما لا أكثر من عبدين آبقين عابرا سبيل لايُعرف من امرهما شيئاً.
    ولم يدر ذلك النفر وهم يهيلون التراب على القبر بعد أن اودعوه الجثة ان مافعلوه بمحض الصدفة كان غاية وأمالاً جساماً ثمنها عمر امرء ظل يعدو في الحياة منذ ان تفتق شبابه إلى اللحظة التي ولى فيها عن هذه الدنيا .. وهاهي الطبيعة تنصفه اخيراً فتحقق له غايته بعد ان ادركه الموت .. فإذا بالأرض قد استحالت صخراً لتفرض على من بدد سعادته وفرق شمله واستباح حريته ان يمهد له بيديه ودون ان يعلم لقاء ابديا لافراق بعده .. فهكذا الإنسان .. ظلوم جهول.

    لقد وضعت تلك اللحظات خاتمة مأساة ينفطر لها كل قلب اؤتي من الرحمة مثقالا .. مأساة ترعرعت في غياب الضمير البشري فاستفحلت وعظم شأنها .. ولكن ماهي الا أيام قلائل فيندرس ذلك القبر ويصبح نسياً منسياً دون أن يعرف أحد عن أمر ساكنيه شيئاً .. وأنّى لأي من هؤلاء الرعاة بالحقيقة وبينهما بون شاسع .. قفار واحراش وجبال .. سهول وأودية .. فهي قاصية عن تلك الاصقاع .. تكمن في واد بعيد لايربطه وهذه القفار رابط ويختلف عنها في كل شئ .. تنام هنالك في احضان المروج وتشهد عليها تلك التلال الصخرية المحيطة بتلك القرية الافريقية وتخلدها ملحمة الصباح الباكي التي تردد في كل عيد حصاد.
    كانت سحب الخريف الماطرة قد ارتحلت منذ ايام قلائل ولم يتخلف عن ركبها سوى غيوم متفرقة لايؤبه بها ، أو بقايا وحل في قيعان الأودية العميقة والبرك المتناثرة حول تلك القرية التي تكاد التلال الصخرية أن توصد منافذها من جميع الجهات عدا من جهتها الشرقية التي ادى انبساطها الى ان تتخذ حقولاً يزرع فيها الذرة والفول السوداني وغيرهما من المحاصيل التي يعتمد عليها في الغذاء .. الشمس ساطعة في كبد السماء والرياح قد غيرت مسارها لتفسح الطريق لفصل جديد ، وسنابل الذرة في الحقول قد نضجت وآن أوان حصادها ، وماهي الا ايام حتى يتم جمعها ، ثم يأتي بعد ذلك الاحتفال العظيم .. عيد الحصاد حيث ترقص القرية شيبا وشبابا ، وتعم الفرحة كل شبر فيها .. وتتواصل ايام اللهو والمرح وفقاً لكمية الغلة المحصودة فان كل المحصول وفيرا طالت وان قل قلت. وعلى ذلك فقد كان الفتية والفتيات هم اكثر اهل القرية حرصاً على ان يكون الحصاد وفيراً فلا غرابة ان خرجوا جميعاً وايديهم تهز بقوة كرات نحاسية مقفلة وضعت في داخلها حصيات صغيرة تحدث صليلاً يفزع العصافير فيبعدها عن الحقول لتسلم من كيدها تلك السنابل التي يتحكم مقدار حبيباتها في موسم الإفراح. كانت الفرحة في مثل تلك الأيام ترتسم على كل وجه في القرية فترتفع الحناجر بالغناء والأناشيد إستقبالاً لذلك العيد الذي تتوق وتهفو اليه افئدة الشباب فتشتعل حُباً مثلما تشتعل تلك السنابل حَباً.

    وإلى عهد ليس بالبعيد كان اذا دنى موسم الحصاد وخرج الصبية من اكواخهم في تلك التلال وهم يقرعون نواقيسهم ليبعدوا العصافير عن الحقول كانت تخرج إليهم الجدة (توجو) تلك الهرمة التي لايعرف احد عمرها الحقيقي ولكن هيئتها كانت تدل على انها تجاوزت المائة عام ربما بكثير ، اذ لم يبق من اترابها أو حتى من جيلين اعقبا جيلها أثر .. جميعهم رحلوا عن هذه الدنيا منذ زمن بعيد ولم يبق من تلك الأجيال سواها .. مجموعة عظام يحفظها جلد بالٍ لاتحصى عدد طياته .. وكانت تظل في كوخها معظم أيام السنة ولاتكاد تبرحه الا عندما يحين موسم الحصاد كأن رائحة السنابل الناضجة تجتذبها مثلما تجتذب اسراب تلك العصافير .. فتقف مستندة على عصاها عند اطراف الحقول وترغى بترهات لايفهم صبية الحقول منها شيئاً .. فأسنانها قد تساقطت جميعها منذ أمد وانطبق فكاها حتى عاد فمها مثل محفظة جلدية بالية. ولكن قلة من الناس كانوا يعرفون ماذا تقول .. فهي تطلب من الفتية والفتيات أن يحتموا بمغاراتهم في تلك التلال الصخرية وان يدعوا الطير يقتات من هذه الحقول حتى لا يقتات من اجسادهم .. أما اولئك الصبية فما كانوا يأبهون بقولها لانهم لايعون من الامر شيئاً .. ولكنها دأبت على ذلك حتى اصبحت وكأنها فقرة من مراسم العيد .. وكانت مشاركتها تقتصر على ذلك الى ان ادركها الموت فأراحها وألحقها باترابها الذين سبقوها الى الدار الآخرة. ورغم ان هذا العيد هو عيد الفرح والمرح الا ان هنالك فقرة من فقراته وهي الاخيرة يحرص جميع اهل القرية كباراً وصغاراً على حضورها وهي ماتعرف لديهم بملحمة الموسم الباكي فهي فقرة شجية حزينة .. مرثية تبكي فتية من فتيان هذه القرية اخذوا من ديارهم عنوة .. ظلت ترددها الاجيال عبر السنين في كل موسم من مواسم الحصاد ولعلها تردد لخمسين أو ستين عاماً مضت .. فيلتف أهل القرية في حلقة واسعة يقف الرجال في جهة منها والنساء في الجهة الاخرى...


    في ذاك الصباح تلبدت بعض الغيوم
    وامطرت السماء بعد ان ولى الخريف
    وأوجس القوم خيفة وتعجبوا..!
    انى للسماء بهذا وقد عادت الى مهجرها الطيور..!
    وغيرت مجراها الرياح
    ونظرت الأم (ميكاكا) ملياً تتفرس وجه ذاك الصباح
    ثم عادت مقطبة الجبين
    اذ لم تر في الافق نورا
    لم ترحنا نظراتها
    ولكنا تفاءلنا خيرا
    ومضينا لاندري شيئاً
    حتى اقبل صباح كأنه الليل البهيم
    واغار غرباء
    على ظهر خيول
    والفتية في قلب الحقول
    يحرسون السنابل من كيد الطيور
    يلهون في بشر وفي قلوبهم اينعت فرحة العيد
    فها هوا آت نكاد نسمع وقع خطاه
    غدا يرقص جميعنا على دقات الدفوف
    ونجمع الحصاد اكواما كالجبال
    ونأكل وتأكل الاغنام والدواب
    فهي لاشك فرحة بمقدم العيد كحالنا
    سوف نصلي للسماء ونبتهل مليّا
    ان كفتنا خبزاً وضرعاً
    ولكن...
    اغار اولئك النفر وفي ايديهم الرعد
    يزمجر وهو رهين قضيب ذو عنق طويل
    تفوح منه رائحة الحجارة عندما تحتك ببعضها
    وارتاع الصبية في الحقول..
    كأرانب وحشية تطوقها كلاب
    اقتيدوا مكبلين بالقيود
    صبية وصبايا واطفال صغار
    اقتلعوا من اصلهم في وضح النهار
    فكيف لنبتة أن تحيا بلا جذور
    ومن حيث ساروا انبعثت رائحة الافراح الميتة في القلوب
    ما ابشع ان تموت الفرحة في المشاعر
    وخلت تلك الحقول
    الا من بعض خزاريف وبقايا ارغفة ممرغة في التراب
    بعضهم لم يكمل افطار الصباح
    ولم يهنأ ذاك الصبي بخزروفه الجديد
    ولا تلك الفتاة بتميمة العيد
    لم يأخذوا من اغراضهم سوى تلك البهجة التي كانت تزين التلال والمروج
    وانقضت اسراب العصافير على اكواز الذرة
    تشقشق في حبور اذ خلت من فتيتها تلك القرى
    وتسخر من احجار النواقيس المتناثرة في ارجاء الحقول
    فتحط في كبريا ء لتقضي حاجتها عليها

  2. #2
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 2 )

    كان يوم مثل ذلك اليوم منذ اعوام طوال خلت .. السنابل الناضجة تفوح رائحتها في كل الأرجاء والفتية والفتيات في قلب الحقول تحجب عنهم الأفراح حرارة الشمس التي استطاعت التخلص من معتقل السحب الغازية منذ عهد قريب .. يرددون عذب الأغاني على وقع تلك الشخاشخ الطاردة للعصافير وتباشير العيد تحيط بالقرية من كل صوب .. وجميعهم منهمكون في العمل .. يؤدون واجباتهم في بشر وحبور وبجانبهم الصبية الصغار يجمعون ماتساقط من الاوراق والأعشاب وينظفون الحقول .. فهم ايضاً ينتظرون العيد ويحلمون برائحة شواء اكواز الذرة وحبيبات الفول التي سوف تعطر اجواء القرية عما قريب .. والشباب اكثر من في الحقول همة وخفة وعزما .. ترى أيديهم تهز تلك النواقيس بعزم .. كل بقرب من يحب .. يرنو بمقلته اليه ويهمس بما في قلبه .. انه موسم الحب ايضاً كما هو موسم الحصاد .. كل فتى يعمل بقرب فتاته معظم ساعات اليوم .. وجميعهم يتمنى أن تدوم مثل هذه المواسم إلى الأبد .. ولكن هيهات ان يبقى شئ على حاله.

    ومن بين الفتيات كانت (بورا) .. تلك الفاتنة المثيرة .. كل مافيها ينبض جمالاً وسحرا .. هيفاء فرعاء مثل مهر يوشك ان يناطح السماء ... جسدها الغض ينم عن انوثة مبكرة تفتقت قبل اوانها .. عيناها مستديرتان واسعتان يموج في اعماقهما الشهد .. تمتزج فيهما معان كثيرة فينعكس ذلك بين حين واخر على وجه مستدير جميل .. صوتها عذب حلو .. كأغاريد الصباح .. ونهداها بارزان كأنهما يهمان بالرحيل عن صدرها الى نقطة ما في الفضاء .. حين تمشي ترى صويحباتها يثقلن من خطواتهن من غير تعمد حتى تكون هي في مقدمتهن لكأن ذلك مكانها الذي خلقت له وحبتها الطبيعة به .. شأنها شأن الغانيات أو شأن من يرى جماله في نظرات غيره .. عنيدة كفرسة لم يمس ظهرها بعد .. كانت نظراتها الساحرة في ذاك الصباح يشوبها قلق بادئ .. فهي تنظر في ارجاء الحقول من حين لآخر كأنها تنتظر شيئاً والفتيات من حولها يمرحن في خفة وبشر وهن يرددن عذب الأغنيات .. والفتى (تورو) يختلس النظر اليها من بين سيقان الذرة على مسافة منها وسرعان ما يحيد بنظره اذا ما التقت نظراتهما متظاهرا بالانهماك في العمل فأولى له فعل ذلك والا فان حظه لن يكون اقل سوءاً مما كان في الموسم المنصرم ويشهد على الذي كان اثار ذلك الجرح الغائر في وسط ظهره وبورا تلقى بنظراتها الحائرة القلقة بعيداً غير ابهة به او ربما لم تكن تحس حتى بوجوده رغم التقاء النظرات .. فالقلوب هي التي ترى في مثل تلك الاحوال لا العيون .. لقد حاول تورو فيما مضى ان يستميل قلبها غير ان جميع محاولاته منيت بخيبة امل اذ لم ينفتح قلب بورا يوماً لسوى اكر ذلك الفتى الجسور الذي يبدو كليث كاسر اذا ماغضب وكغيث ماطر اذا طرب .. فارع الطول .. قوي الساعدين .. مفتول العضلين .. واسع الصدر .. عندما يمشي تحس كأن الارض تئن تحت قدميه .. شهم .. لايخيب ظن من يطلب عونه وفوق كل هذا وذاك فهو البطل الفذ على حلبة المصارعة .. لم يستطع اي من مصارعي القرية ان يحتل مكانه ابدا .. فلا غرابة في ان تعلقت به قلوب الفتيات فكل واحدة منهن كانت تتمنى في قرارة نفسها ان يكون لها .. لكن القلوب عند بعضها .. فلم ينفتح قلبه الا لتلك الفاتنة .. بورا .. كأنما خلقا لبعضهما .. كانت اذ التقت اعينهما يسري الحب فينبثق انبثاق الضياء فيعم ما حولهما .. كلاهما يحيا ابداً في احاسيس الآخر .. فلا ترى عيناها سواه وكذا عيناه لاترى سواها .. اكر وبورا .. كان عشقهما اسطورياً ان لم ير احدهما الاخر خلال يومه ماج قلق رهيب في دواخله سرعان ما ينعكس على تصرفاته .. وامام هذا العشق القوي المتبادل والذي احسه كل فرد من اترابهما كتم كل من له شعور كهذ نحو اكر أو بورا عواطفه في اعمق اعماقه فحب كهذا الذي يفيض فيضا ليس للدخيل مكان فيه .. ولكن كان من بين اترابهم من لم ييأس فقد حاول تورو التقرب من بورا وعمل جاهداً لاستمالة قلبها فكانت ترد عليه بالتجاهل حيناً أو بالعبوس احياناً لكنه لم يرعوِِِ الى ان وصل ذلك الى علم اكر .. فواجهه بالامر واقترح عليه ان تكون حلبة المصارعة هي الفيصل بينهما فمن يهزم الاخر يفسح المجال لغريمه .. ان اكر متيقن من النتيجة في كل الاحوال ولكن ابت عليه نخوته وعزة نفسه الا ان يختار اكثر الحلول عدلا وكرامة فقبل تورو التحدي وجعل يستعد لذلك اليوم الذي قد يحقق له اجمل امنيات عمره ولكن هيهات ان يتحقق ماهو مستحيل .. كان نصيبه من تلك المنافسة جرحاً غائراً كاد ان يودي بحياته فقد حمله اكر وقذف به بعيداً كما يطرح الشئ غير المرغوب فيه فهوى على حجر ناتئ كاد ان يخترق ظهره إلى امعائه فابتعد مفسحاً لاكر الطريق ليكون المالك الاوحد لقلب بورا ولم يعد يقترب من بعد الا عن طريق النظرات المختلسة من وراء شجيرات الذرة.

    حاولت بورا ان تسيطر على القلق الذي انتابها في ذلك الصباح لكن في كل مرة يلوح لها خيال اكر بقامته السامقة وهمسه العذب .. لماذا لم يأت حتى هذه اللحظة الى الحقول؟ إنه دائماً من المبكرين .. وهو يدرك انها هنا فكيف اذن يسمح بضياع لحظة دون ان يكونا معاً .. لابد ان في الامر غرابة ؟؟ .. كل هذه الاسئلة تتزاحم في عقلها في آن واحد وتبقى الاجابة غائبة .. انها تعمل منذ ان جاءت للحقل .. غير ان عملها كان بحكم ما اعتادت عليه فعقلها بعيد كل البعد عن هذه الحقول وعن هذا العمل .. لم تدر ما انجزت وما لم تنجز .. آه لقد لاحظت ، أو ربما خيل اليها ، ان هنالك بعض علامات الاعياء بادئة على وجهه ظهر امس .. هل المت به الحمى اللعينة ام ماذا ياتري؟! ولم تهدأ خواطرها الا حينما رأت (مويا) شقيقة اكر تخطو نحوها فانفرجت اساريرها قليلاً ولم تنتظر لتصل اليها بل تقدمت بضع خطوات تجاهها لتختصر المسافة برغم ان مايفصل بينهما لم يكن اكثر من خطوات معدودة .. ولكن الذي يدفعها يجعل الشبر يبدو فراسخاً .. قالت لها مويا انها تأخرت عن الحضور للعمل لأن امها تشكو من اعراض الحمى ولا احد معها فقد خرج ابوها وشقيقها قبل طلوع الفجر في طريقهما لزيارة شقيق والدها الذي يقطن التلال الغربية .. فقد رزق بتوأمين ذكرين ، ولما كان ذلك فألا حسنا فقد ذهبا للتهنئة .. وربما يمكثان هنالك ليومين أو ثلاث .. قالت مويا ما قالت ثم اخذت طريقها الى حيث جاءت للعناية بأمها وامور البيت الاخرى .. وكأنها قد تكبدت عناء ذلك المشوار من اجل أن توصل هذه المعلومة الى بورا فهي تعرف تماما تعلقها باخيها وتعلق اخيها بها .. وتدرك ماهي الحالة التي سوف تكون عليها ان ظلت منتظرة في الحقول دون ان تدرك سبب تغيبه .. وبقيت بورا مع صوحيباتها وقد فاجأها ذلك النبأ .. لم تتوقع ذلك .. بالامس كان معها حتى غياب الشمس فلم يذكر لها من ذلك شئ .. همس لها بالكثير فلماذا اخفى هذا الامر عنها .. قال لها منذ ايام قليلة انه مايكاد يفارقها حتى يعود في ذات اللحظة يشتاق اليها كمن غاب السنين .. كان يذكر لها في كل حين انه ما ان يودعها مساء حتى يخال اليه ان الصباح لن يأتي ابدا .. فكيف يطيق فراقها ليومين او ثلاث وانى لها بتحمل ذلك .. لاشك ان اباه قد اكرهه على ذلك .. لابل ان العرف يقضى بمرافقته ابيه في رحلة عبر اودية واحراش وعلى الاقدام .. وظلت تواصل العمل في الحقل ولكن بلا همة وبلا مرح .. تشتت افكارها بعيداً .. وعيناها تعكسان ما ألم بمشاعرها وما يموج في اعماقها .. ستشرق الشمس لمرتين أو ثلاث دون ان تراه .. ولم يكن اثبات تأثيرها يحتاج لبرهان او بينة اذ بدأ ذلك جليا على كل قسمات وجهها .. جميع من حولها من رفيقاتها ادركن ماهي فيه فصرن يتندرن وهي تحاول جاهدة ان تتغلب على ذلك بالتظاهر بخلاف ماهو موضوع تندرهن .. ولكن هيهات ان ينطلي ذلك على من هن في مثل سنها .. واذ ذاك اَثرت البعد عنهن قليلاً حتى تستطيع ان تنعم برحلتها في عالم الخيال .. فالوحدة احيانا خير انيس .. وقليلا قليلا ودون ان تحس بها الاخريات نجحت في الانسحاب من قربهن .. وسبحت في افكارها بعيدا ويدها تتفقد من حين الي اخر حبيبات ذلك العقد الذي يزين جيدها .. فله في نفسها مكانة خاصة .. هدية غالية من ذلك الحبيب الغائب .. انتقى حبيباته من ما تأتي به الاودية من صخور ملونة صغيرة ثم هذبها وشحذها واستغرق زمنا طويلا يحاول ثقبها حتى تمكن فنظم بيده ذلك العقد .. وجلست في مكانها تعاتب في صمت حبيب القلب والعصافير من حولها تزقزق ولسان حالها يكيل لها الشكر اقداحاً .. اذ نسيت ناقوسها تماما فهنئت حصاياه بنوم هادئ وحظيت العصافير بوجبة دسمة .. تخطت كل التلال والاودية ووصلت الي حيث مضى اكر .. فانشغلت في تلك اللحظات عن كل واجب .. هكذا الحب .. عندما يستملك القلوب يجعلها هي الامرة لا العقول .. وظلت غارقة في شرودها ولم تكف الا عندما خيل لها انا تسمع صراخاً منبعثاً من اطراف الحقول فاصغت وسرعان ماتبين لها انها صرخات صويحباتها .. فنهضت تبارح معتزلها ويداها تزيح من امامها نبتات الذرة المائلة من ثقل السنابل لتفسح الطريق قتستطيع الوصول الي حيث توجد رفيقاتها لتستبين امر الصراخ .. قد يكون لظهور حية .. فما اكثر الحيات في مثل هذه الاوقات .. غير ان الصراخ كان اكثر حدة .. ربما ان الامر اعظم من ذلك واخطر .. ولم يطل الامر حتى بانت لها الحقيقة .. وطفقت تشارك غيرها الصراخ .. لم تكن الحية ولاحتى بسبع .. لقد هاجم اناس غريبوا الزي واللسان .. غريبو الهيئة والملامح .. على روؤسهم عمائم كبيرة وعلى جانب وجوههم مايشبه اثار اقدام الطيور على الوحل .. وقف بعضهم على مداخل الحقول وآخرون على الجسر المؤدي الى الاكواخ يحملون الرماح والسيوف .. بينما داهم الحقول فريق مزود بحبال وسياط .. رأت بورا بعضاً من الفتية والفتيات متساقطين على الارض واخرين يحاولون الفرار في ارجاء الحقول بينما وقع نفر منهم في قبضة الغزاة .. فاستدارات مسرعة تحاول طريقا للخلاص .. فهنالك مغارة في الطرف الاخر من الحقول ان استطاعت الوصول اليها فسوف تكون في مأمن .. اذ ليس في وسع هؤلاء الغزاة معرفتها .. عدت باقصى مايمكنها بين شعاب الحقول محاولة التستر ما امكنها بشجيرات الذرة .. ينبغي الا تكون مثل من سقطوا أو اسروا .. فهي اقوى من ذلك يجب الا تستسلم ابدا .. وان لم يكن من ذلك بد فلتكن آخر من يلقي سلاح المقاومة .. نعم .. الثمرة اليانعة الطيبة صعبة المنال فهي إما مستعصمة بالأعالي أو محاطة بالاشواك .. عليها ان تبتعد عن ساحة المعركة ما امكنها ذلك لتلوذ بذلك الكهف الغائر .. ان يكون مليئاُ بالحيات فليكن .. فالحيات ليست باسوأ من هؤلاء فهي لاتكبل المرء بالقيود ولاتأخذه الى المجهول .. قد يموت المرء من لدغتها وقد لايموت .. وفي كلا الحالين فهو باق على ارضه وعلى ثرى اجداده .. واطلقت لساقيها العنان .. لا تلوي على شئ الا ذلك الملجأ .. ولكم تعثرت قدماها حتى تمكنت من الوصول الى وجهتها .. ولدهشتها فقد وجدت نفسها انها ليست اول من وصل اذ الفت هنالك بعض من الفتية والفتيات يكاد زفيرهم يزلزل المغارة .. فهوت من فوقهم تلهث بشدة وهي في حالة اجهاد كاملة .. لقد بذلت جهداً عنيفا في سبيل الوصول إلى هناك .. أدمت الحجارة قدميها كما فعلت فيهما الاشواك فعلتها .. ولكن كل جرح سوف يندمل مابقيت الدماء في العروق .. وكان لايسمع في تلك المغارة سوى الزفرات والعبرات .. ومن سخرية الاقدار ان بورا عندما استفاقت قليلا وجدت ان قدميها تستريحان على صدر تورو .. ولكن اغلب الظن ان تورو في لحظة كتلك لاترى عيناه إلا اولئك الغزاة وفي ايديهم الرماح والسيوف والسياط .. فأزاحتهما في شئ من التأفف .. يالتورو المسكين .. تعافه حتى في لحظة كتلك .. ولكن الى اين؟ والى اي مدى؟ فضيق المكان قد يحتم عليها ان تعيد قدميها الى ذات الموضع فما عساها فاعلة؟! وفجأة ينبري طيف اكر في خيالها .. يقف كالليث .. اين لها به الآن .. لو كان موجودا لكان الامر مختلفا .. فهو لايعرف الاستسلام ولا الهزيمة .. قد زاد ذلك من عزمها وبعث في نفسها بارقة امل .. يجب ان تقاوم من اجلة والا تعرف الاستسلام واذا استطاعت الصمود قليلا فسوف يأتي حتما واذا ماجاء فسوف يكون للأمور شأن آخر .. واذ ذاك همت بالنهوض كأنها تُدفع الى ذلك ولكن الى اين؟! فما كان الا ان اجتذبها احدهم بقوة فارتمت في مطرحها .. وانتهرها بصوت خافت لكنه قوي آمراً اياهابالجلوس .. فارتمت تشاركهم ذلك الصمت القاتل كفئران تحرس مداخل جحورها قطط الدنيا بأسرها .. ومرة اخرى يتراءى اكر .. لاشك انه قادم فهي تكاد تسمع وقع خطاه وتسمع انين الارض تحت اقدامه .. ستنقلب موازين الأمور وسوف يلقن هولاء الغزاة درسا .. ولكن هيهات .. ان يقوى اكر على مجابهة اناس يتسلحون بالنار .. انها لن تكون اكثر من طلقة واحدة لاغيرها تخرج من فوهة ذلك الشئ اللعين ، فيستوي امامها الأرنب الرعديد والاسد الكاسر .. وبينما الجميع تستولي عليهم الرهبة والوجوم اذا بهم يسمعون وقع اقدام قوية مسرعة نحو الكهف .. فازداد الأمر سوءا وتملكهم فزع قاتل وتدافعوا نحو قاع الكهف كقطعان الماعز عندما يداهمها المطر .. بعضهم فوق بعض .. ولكن هل من سبيل؟! فقاع ذلك الكهف غير نافذ ولايؤدي الى مغارة اخرى .. ولكنه الخوف .. لم يدر تورو ان الجالسة على فخذيه هي بورا التي كان يختلس اليها النظر اختلاسا والتي كاد ان يموت في سبيلها يوما .. ولو كان تورو في وعيه لابتهل الى الله كي لا يغير هذا الوضع وان لايخرجه من هذا الكهف ابدا .. ولكن اذهان الجميع كانت غائبة تماماً في تلك اللحظات العصيبة والقلوب يسيطر عليها رعب مميت فتخفق بقوة تهتز لها جدران ذلك الكهف الضيق .. ولم يتنفسوا الصعداء الا حينما تبين لهم ان القادم لاجئ مثلهم .. من رفاق الحقول .. انه يامو .. لم يدل بشئ بل هوى على من تكدسوا لاهثا متأوها ً .. وعاد كل الى سابق وضعه بعد ان طبع هذا الموقف الاخير بصمته على كل الوجوه .. لم يتفوه احد بكلمة ولكن طفقت الأعين تطالع وجه القادم لعلها تستشف حقيقة الوضع خارج الكهف .. وكان ذلك واضحا فظهره يقطر دما اذ الهبته سياط الغزاة .. فالآثار بينة حتى في عدم توفر الرؤية الكاملة .. كان حاله يغني عن السؤال .. فالواقع في خارج الملجأ او بعض منه مطبوع على وجه ذلك المتهالك .. لايبشر الا بماهو اسوأ .. وفجأة انتابت يامو نوبة سعال قوية بددت ذلك السكون .. ولما كان الاقرب الى مدخل الكهف فقد امتدت يد الجالس بجواره لتكمم فمه حتى لايجلب الشر اليهم .. غير ان نوبة السعال ألمت بالجميع.. الكل يسعل بقوة .. واختلط ذلك بعطاس متواصل .. وسالت الدموع حتى اصبح ليس في امكان احد ان يفتح عينيه .. واختلط الحابل بالنابل .. ومرة اخرى اصبحوا كقطعان الماعز يناطح بعضهم بعضاً ويرتطمون بجدران الكهف .. اللعنة .. لابد ان شجيرات الشطة المزروعة على مقربة من هنا قد احترقت .. ولاول مرة يرتفع صوت بالداخل .. انه تورو يسمعون صوته ولايرونه .. يأمرهم بمغادرة الكهف حالا وان يستتروا بالدخان الناتج عن احتراق حقول الشطة وان يتجهوا غربا الى المغارات الواقعة على مقربة من القبور .. فهي اكثر امنا . واندفع الجميع نحو المخرج في حالة من الذعر والفوضى .. كلٌ يحجب وجهه بيديه من اثر الدخان ولم يعلموا انهم خارج المغارة الا بعد ان احسوا بالهواء الطلق يغشي وجوههم .. ولم يدركوا بأنهم اصبحوا في قلب الفخ .. حيث انبرى في الجهة التي ينبغي عليهم ان يهربوا من خلالها اثنان من عتاة المهاجمين يشدان حبلا متينا .. واندفع المساكين بكل قوتهم بناءا على الخطة التي وصفها لهم تورو ، تجاه الحبل المشدود فارتد كل منهم على قفاه فسقط معظمهم بقوة على الارض .. هنا ادركوا بأنهم قد وقعوا في مصيدة وحاول بعضهم النهوض ليواصل الفرار ولكن الى اين؟! .. فالكهف من خلفهم بدخانه الكثيف المسموم والغزاة امامهم بسياطهم وسيوفهم ورماحهم .. وبين هذا وذاك ضاع الطريق الى بر الأمان .. فكان ان وقعوا لقمة سائغة في ايدي الغزاة المكممين بعمائمهم وانهالت بعض ايد توثقهم بحبال متينة.
    ولما انحسر ذلك الدخان وخفت آثاره من على العيون وجد الجميع انفسهم مكبلين قي رتل طويل ومن حولهم يقف الغزاة وقد تملكتهم نشوة المنتصر .. ولم يكن في مقدور اي من المأسورين سوى الاستسلام للأقدار استسلام العصفور الواقع في الشراك .. لايدرون الى اي مصير يساقون .. يبكون في صمت اذ نضبت دموعهم مما لاقوا وبحت اصواتهم حتى لم تعد تسمع .. وفجاة مزقت صرخة قوية هدوء ذلك الوادي .. فبدأ احد الرجال المهاجمين يجرجر فتاة هيفاء .. وهي تقاومه وتحاول بكل قواها التخلص من قبضته ولما التفتت بعض وجوه .. الفوها بورا الفاتنة .. لم تخضع ابدا ولم تستسلم .. عنيدة كمهرة لم يمس ظهرها .. تقاوم حتى اخر لحظة .. لحظة أن وضع آسرها الحبل حول معصميها
    .. ان لم تستطع الخلاص فينبغي ان تكون اَخر من يلقي سلاح المقاومة .. وهكذا كانت .. لقد ادى بهم يامو الى هذا المصير .. فلولا ذلك لكانوا في مأمن في غياهب ذلك الكهف الغائر .. ولكن يامو لما نجح في الفرار من آسريه الذين مضوا في اثره متعقبين ، انطلق مباشرة الى حيث يوجد الكهف .. لم يراوغ بل اتخذ طريقاً مكشوفا ومهد بذلك غنيمة عظيمة للمهاجمين الذين بدأ انهم يجيدون عملهم فلم يكن من العسير عليهم اخراج من في داخله .. فجمعوا من شجيرات الشطة الناضجة ماجمعوا والقوا بها امام مدخل المغارة واضرموا النار فيها .. فلم يطل الامر حتى خرج جميع من لجأ بالكهف يلتمسون طريقهم مابين واقف يرتجف او متهالك على الأرض.
    4
    وهم اذ يرسفون في قيودهم .. تحملق اعينهم ناحية الاكواخ على امل ان تاتيهم النجدة مع علمهم بأن الاكواخ ساعتها خالية الا من الأمهات والعجائز فالآباء بعيدون كل البعد عن الحقول .. يرعون الاغنام في الناحية الغربية حيث تشكل التلال ستاراً .. فليس في استطاعتهم رؤية شئ او سماعه وهم وسط اغنامهم داخل تلك الاحراش .. اضافة الى بعد المسافة بينهم وبين الحقول فلا رابط الا ذلك الجسر الذي رصفته الطبيعة في الجهة الشرقية .. اذ تربض الأكواخ في سفوح التلال التي تحيط بها من كل جانب .. ولايكاد الناظر من الحقول ان يرى شيئا ويزيد من حدة ذلك الاشجار الكثة النامية فوق الصخور المحيطة بالجهة الشرقية.
    فمن يأتي اذن لنجدتهم وفك اسارهم؟! ولكن الغريق في لهفته للحياة وتعلقه بها يتشبث بأتفه الاسباب .. حتى بالظل المنعكس على صفحة الماء .. وهؤلاء المأسورون كان حالهم اسوأ من حال الغريق .. يساقون الى مصير مجهول .. لايعلمون عنه شيئاً .. فعلمهم لايتعدى تلك التلال الا لفراسخ معدودة .. وظلوا واقفين .. ينظرون في وجوه آسريهم المغلفة بالقسوة والغلظة .. يملؤهم الخوف .. انهم بلاشك لايريدون بهم خيرا .. لقد تعلموا ذلك في حياتهم التي يمارسونها .. فهم ينصبون الفخاخ للغزلان والطيور ليقتاتوا من لحمها وللذئاب والسباع لقتلها والتخلص من شرها!

  3. #3
    عضو نشط الصورة الرمزية ايمان زاهر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    مصر
    العمر
    26
    المشاركات
    252
    معدل تقييم المستوى
    8

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    [align=center]
    بسم الله الرحمن الرحيم
    قصة رائعة
    بارك الله فيك
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـ
    موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
    [/align]
    من قمة الابداع ان ترسم البسمة على وجه مليئ بالالم

  4. #4
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ايمان زاهر مشاهدة المشاركة
    [align=center]
    بسم الله الرحمن الرحيم
    قصة رائعة
    بارك الله فيك
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـ
    موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
    [/align]
    لك مني أسمي آيات الشكر والتقدير اختي الكريمة وزيارتك مقدرة كل التقدير
    وبكم ومعكم نواصل... كتر خيرك كتير.

  5. #5
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 3 )

    كانت الشمس قد اجتازت منتصف السماء بقليل في اولى خطاها نحو مهدها في التلال من جهة الغرب ، عندما هب الغزاة يأمرون أسراهم بالوقوف .. لم تكن اوامرهم بالقول .. اذا لم تكن لكلماتهم معنى بين هؤلاء الاسرى .. بل كان الأمر بالسياط التي يلوح بها في الهواء مثلما يهش الرعاة على اغنامهم .. فانتصبوا جميعا .. في صف طويل يربط فيما بينه حبل واحد مربوط طرفه على سرج فرس في المقدمة بينما وقف اثنان خلف الفوج واخران كل منهما على جانب وجميعهم على ظهور مطاياهم .. في ايديهم السياط وفي ركابهم الرماح .. ويتقدمهم جميعا من يبدو انه قائد المجموعة .. فهو اكبرهم سناً ويمتطي فرساً ابيضاً قويا .. وفي ركابه اكثر من سيف كما يحمل بجانبه شيئا اخر ليست لهم به سابق معرفة .. اداة ذات عنق معدني طويل .. وتحرك الركب المأسور .. وعيون افراده تلقى اخر النظرات الى تلك المروج .. رباه هل من عودة اخرى ام انه فراق غير وامق؟! وحتى تلك اللحظة كان يراود بورا امل في النجاة فكانت تصارع قيدها وتقاوم الحبل الذي يجذبها .. فهل يجدي ذلك فتيلاً؟! لكنه العناد والكبرياء .. ينبغي الا تكون كالآخرين والا تكون سهلة المنال .. ولمّا لم يكن من ذلك بد احدثت صرخة داوية ظل صداها يجلجل في ارجاء الوادي طويلا .. (لقد اخذوني يا أكر ...) الان فقط باحت بما في صدرها جهارا امام الرفاق لم تذكر سواه ولم تستنجد بسواه وكان ذلك آخر ما ردده الصدى وما ظل يردده في زمان آخر .
    واذ مضت قافلة الأسرى وخلت الحقول من فتيتها انقضت اسراب العصافير تعبث بالسنابل ماشاء لها ان تعبث .. فقد خلا لها الجو فلا مانع ولا رقيب .. ولاشئ يُسمع سوى شقشقتها .. جزلة طربة تهزأ من هاتيك الشخاشخ الملقاة بين السرابات وقد تبدد بأسها.
    مالت الشمس متثاقلة لتستقر في احضان التلال .. ولم يبق من ركبها سوى خيوط من الضياء الباهت الموشح بالسواد ترسم الحزن على فجاج الوادي وتنعي تلك البهجة التي كانت تسود وجه المزارع والمروج.
    لم ينج من الأسر سوى اثنان من الصبية ممن كانوا في الحقول .. فقد لاذا بمنخفض بين نباتات الذرة .. وظلا صامتين الى ان رحل الغزاة .. وحينذاك تركا مخبأهما وطفقا يسابقان الريح الى ان وصلا الى الاكواخ يذيعان في ربوعها ذلك النبأ العظيم .. وما امرها فجيعة .. لقد كان مجموع من اسروا تسعة عشر مابين فتى وفتاة وصبي .. كانوا فرحة الحاضر وأمل الغد .. وسيقوا جميعا كما تساق القطعان مكبلين بالقيود .. أعياهم الدخان وألحت اجسادهم السياط .. ما ابشع ان ينتزع طفل من صدر امه وان يقتل الامل اليانع في المشاعر والأحداق .. كانوا جميعا ينتظرون مقدم العيد ولكن الفرحة لم تكتمل .. فمضوا ومضت في ركبهم الافراح .. وتسارع من كان في الاكواخ الى حيث الحقول مابين ثاكل ونائح ومفجوع فاذا الحقول خالية تماما حتى من تلك العصافير التي عادت الى اوكارها والصمت مطبق فكيه على ارجاء الوادي .. وعلى ضوء الشعلات الباهته وجدوا اَثار من رحلوا .. بقايا ارغفة ممرغة في التراب وتلك النواقيس ملقاة بين السرابات .. وروث خلفته خيول الغزاة .. ساعتها ازداد العويل والصراخ ممزقا ذلك السكون .. رباه ماهذا؟! لما يأخذون الصبايا والأطفال؟ من هم ولأي غاية فعلوا هذه الفعلة النكراء؟ .. ولم يعد يسمع في تلك الأمسية إلا صراخ ملهوف أو بكاء نائح أو تأوه مفجوع .. وهرع في أثر هؤلاء الآباء ومن كانو مع الاغنام في المراعي حين وجدوا الاكواخ خالية .. قرأوا المأساة متجسدة هناك .. حقول خالية ونساء ثاكلات نائحات .. فثكلوا وناحوا مثلهن ولكن في صمت .. وما امره بكاء ان يبكي المرء في صمت .. غير انهم لم يركنوا الى احزانهم فلا الحزن ولا البكاء وسوف يعيدان من فقدوا .. وينبغي عليهم ان يسعوا في اثر اللصوص لاستعادة ابنائهم وتخليصهم من قبضة سارقيهم مهما كان الثمن .. واجتمع كل من قوي على حمل سلاح وبدأت مسيره الخلاص يقودها اشدهم قوة .. وسلاحهم الرماح والخناجر والسهام .. يتخذون من اعواد الشجر مصابيحا يهتدون بها بعد ان دهنوا رؤوسها بالشحم .. مقتفين سيرا على الاقدام اثر اللصوص الذين بدأ انهم سلكوا طريقا خفيا وعرا .. كان عدد افراد فريق النجدة يفوق العشرين فردا ولحق بهم اخرون في الطريق .. تقدح عيونهم شررا وهم يحثون السير .. يحلمون بتلك اللحظة التي ينقضون فيها على اولئك الدخلاء فيجعلونهم نادمين على اللحظة التي وطئت فيها اقدامهم الدنيئة ثراهم الطيب .. وستخترق سهامهم الحادة اجسادهم مثلما تخترق الابرة اطراف الثوب القديم .. فيعيدون فلذات اكبادهم الى ارضهم سالمين .. فهم الاقوى والاكثر عددا .. اذ قال الصبيان الناجيان ان عدد اللصوص لايتعدى عدد اصابع الكفين .. وهاهم عصبة .. ان لم تكن لهم الغلبة فهم اذن لخاسرون. ولما كانت هذه ارضهم وكانوا بالطبع ادرى بشعابها فقد حادوا عن ذلك الطريق الوعر الى طريق اخر اقل وعورة ويلتقى في النهاية بذات الطريق ويجعلهم في وضع افضل من وضع اعدائهم .. ومضوا في طريقهم صامتين لاشئ يدل عليهم الا تهافت اضواء خافتة منبعثة من مصابيحهم البدائية التي مازال بعضها متقدا .. يسيرون في رتل واحد بعضهم خلف بعض يقودهم (دلدوم) ذلك الذي عرفته حلبات المصارعة لسنوات طويلة .. وان كان قد تخلى عن ذلك الآن بحكم السن الا انه مازال يفخر بأنه الأقوى فكم تصدى للسباع الضارية حتى دحرها وصدها عن الاكواخ .. ليس له من بين من سبيوا ابن او ابنة فهو لم يرزق بأبناء لكنهم جميعاً ابناءه .. فهم ذخر القبيلة وحماتها في الغد .. فمن اتى لاسرهم اليوم سوف يأتي في الغد ليأسره وغيره .. لذا يجب عليهم ان يجعلوا اللصوص عبرة لمن يليهم .. وان يتركوا جثثهم متناثرة بين الاحراش تلهوا باشلائها الذئاب وجوارح الطيور .. فهم من بدأ بالظلم والعدوان.
    كاد ذلك الليل الحالك أن ينتصف ومسيرة الخلاص تحث السير غير آبهة بدواب الارض ولابغيرها من سكنة الأحراش وشعلات مصابيحهم قد لفظت انفاسها تماما اذ احترق زيتها ونضب معينها .. ولكن ذلك لايهم فهم قد اعتادوا الظلام كما اعتادهم .. وتعلموا من خلال حياتهم في الطبيعة ان هنالك حواس خفية تعمل في غياب حاسة الابصار .. فالرؤية لدى من مثلهم لاتقتصر على البصر وحده .. ولم يكفوا عن زحفهم الا حينما استدار قائدهم دلدوم بصورة مفاجئة رافعا يسراه باسطا كفه الى اعلى .. حينها ادرك جنده ان ذلك امر بالتوقف والصمت فانتصبوا في اماكنهم و كأنهم تماثيل نحتت من خشب الأبنوس .. وتقدم عنهم بضع خطوات ثم مد جسده على الأرض راقدا على بطنه وقوسه بجانبه .. وأرخى رأسه حتى لامس ذقنه التراب وشخص ببصره عبر ذلك الستار الحالك من الليل ثم أمال برأسه لاصقاً اذنه باديم الأرض كأنه يتصنت إلى شئ بداخلها وظل على ذلك لبعض الوقت ثم هب واقفا متأبطا قوسه آمراً رجاله ان يسيروا على رؤوس اصابعهم فهم على مقربة من هدفهم.
    كان صادقاً في ماتوقعه فما ساروا طويلا حتى بلغ مسامعهم وقع حوافر الجياد واقدام الأسرى وهي تدوس على الاعشاب واعواد الشجر اليابسة فأصدر امراً بإلتزام الصمت إنصاع له الجميع وصاروا يمشون على امشاجهم حتى اصبحوا على مقربة من الهدف وبانت لهم في الظلال اشباح الاسرى يزحفون في رتلهم وآسريهم على جيادهم .. وبدأ لهم ان الركب يوشك على التوقف اذ بات السيربطيئا والأسرى يجرون اقدامهم جرا .. وماهي الا لحظات حتى توقف الركب بالفعل وانهارت اجساد الاسرى على الارض يحيط بهم الغزاة من كل الجهات بينما ترجل قائد المجموعة ورجاله يوثقون جيادهم وانشغل البعض بأعداد مكان لقضاء الليل في بطن ذلك الوادي .
    أمر دلدوم رجاله ان يكونوا على استعداد وان يختبئ كل واحد خلف شجرة والا يطلق اي منهم سهما الا حينما يشير لهم بالاشارة المتفق عليها فالظلام مازال حالكا ويصعب التمييز فقد تصييب سهامهم بعضا من ابنائهم الأسرى .. لذا فينبغي عليهم ان ينتظروا قليلاً ريثما ينقشع الظلام فيمطروا هؤلاء اللصوص بوابل سهامهم التي لن تخطئ منها احدا .. سوف يأخذونهم على حين غره تماما مثل ما فعلوا فموقعهم في المعركة يتيح لهم ذلك اذ انهم في موقع اعلى نسبياً عن موقع اعدائهم الذين نزلوا ببطن واد تحف به الاشجار كما ان باستطاعتهم رؤية الاعداء من حيث لايرونهم وهذه ميزة ستجعل النصر في ايديهم دون أدنى ريب .. ارتسمت على شفتي دلدوم الغليظتين ابتسامة ماكرة وهو يوازن بين تلك الأمور .. ستشهد السويعات القادمة ملحمة البطولة وسيرتفع رأس القبيلة عاليا بفضله وفضل اعوانه من رجالها عندما يعود ذلك الفوج المأسور من الشبان متحررا سالما الى الاكواخ والحقول .. وسوف تتضاعف الأفراح .. فرحة العيد وفرحة النصر.

  6. #6
    عضو نشط الصورة الرمزية ايمان زاهر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    مصر
    العمر
    26
    المشاركات
    252
    معدل تقييم المستوى
    8

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    [align=center]
    زدتنى تشويقا لمعرفة باقى القصة
    يـــــــــــــلاااااااااا ااااا بقى بارك الله فيك
    [/align]
    من قمة الابداع ان ترسم البسمة على وجه مليئ بالالم

  7. #7
    عضو نشط الصورة الرمزية ايمان زاهر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    مصر
    العمر
    26
    المشاركات
    252
    معدل تقييم المستوى
    8

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    [align=center]
    فين باقى القصىة
    [/align]
    من قمة الابداع ان ترسم البسمة على وجه مليئ بالالم

  8. #8
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 4 )

    بدأ الظلام ينحسر شيئاً فشيئاً وبانت في الافق بعض خيوط من ضياء الفجر ورجال دلدوم على اهبة الاستعداد لاطلاق سهامهم .. كل يشد على قوسه ويرقب بفارغ الصبر اشارة القائد .. وزاد تلهفهم حدة عندما رأوا اولئك اللصوص وقد خلد بعضهم للنوم بينما البعض الاخر يقوم بحراسة الفوج المأسور .. يكاد كل شئ ان يكون واضحا مع انبثاق الضياء الذي لم يكتمل بعد ..
    وجاءت الاشارة المنتظرة .. وارتسمت علامات الجد على وجه دلدوم وهي يوجه رجاله .. فاعتدل كل في موقعه .. وشدت الاوتار حتى لامست ثنايا الاقواس وهي موجهة نحو الرجال الاربعة الذين كانوا في نوبة الحراسة والذين كانوا ساعتها يجلسون في استرخاء على مقربة من الاسرى وسيوفهم في اغمادها على افخاذهم .. ولعل تلك النظرات التي كانت ترقبهم من حيث لايشعرون تسخر من تلك السيوف التي لن تغني عنهم الساعة شيئا فالسيوف للمبارزة والمواجهة اما في مثل هذه الحالة فهي ليست بأكثر من دمية في اليد .. وستظل في اغمادها بقرب جثث اصحابها .. وكان أمر الاطلاق .. فانطلقت اربعة اسهم كما تنطلق الشهب الراجمة للشياطين .. مصدرة مثلما يصدره جناحا الصقر عندما ينقض على فريسته .. وشخصت ابصار المهاجمين لتتحقق من اصابة الاهداف ومافعلته سهامهم .. ولكن يالحسرة دلدوم ويالخيبة رجاله .. فقد حالت حركة الرياح من ناحية وعدم كفاءة الرجال من ناحية اخرى دون تحقيق الهدف المنشود .. فلم يفلح اي من السهام في اصابة مرماه .. وكان احسنها سهم دلدوم اذ اطاح بعمامة احد الرجال بعيدا ولولا أن الرجل قد امال وجهه الى اسفل قليلا في اخر لحظة لاخترق السهم جمجمته .. ولكن يالسوء الحظ ويالتعاسته .. لقد تنبه الأسرى والآسرون الى ماحدث واستبشر الفتية والفتيات خيراً وهم في اصفادهم وصاحت بورا بصوت جهور : (( اكر .. اكر .. لقد كنت على يقين بأنك قادم)) واختلط صوتها بأصوات اخرى ووقفوا جميعا على اقدامهم يهتفون ويتصايحون .. لقد جاء فرسان القبيلة لنجدتهم وتخليصهم من قبضة هؤلاء الاشرار الذين استباحوا حريتهم .. نعم سيعودون الى اكواخهم وحقولهم .. الى اهلهم واحبائهم .. وماهي الا لحظات حتى تصبح هذه الحبال المتينة التي تكبلهم اشلاء ونتفا وسوف يفر هولاء الغزاة ان وجدوا الى الفرار سبيلاً .. ولكن جاء هرجهم ووقوفهم على ذلك النحو في مصلحة آسريهم الذين استيقظ من كان نائماً منهم وزحفوا جميعا على بطونهم مخافة ان تصيبهم سهام المهاجمين الى ان استقروا في وسط المجموعة شاهرين سيوفهم فيما يشبه الدائرة.. واصبح الغزاة في قلب الدائرة جاعلين من اسراهم دروعاً بشرية ومتاريساً تقيهم خطر السهام وقد استعدوا تماما لمواجهة المهاجمين .. ولفت انظار الفتية ذلك الرجل الذي حسبوه قائد الفرقة وهو منشغل بذلك القضيب المعدني ذو العنق الطويل ورجاله يرقبونه بإهتمام شديد وهو يفكه ويلقمه شيئا .. ولم يطل الامر حتى اندفع احد الرجال يباعد بين الاسرى الى ان اصبحت هنالك فرجة تكفي لمرور رجل زحف اليها كبيرهم الي ان استقر في وسطها تماما موجها ذلك الشئ الغريب الى الجهة التي اتت منها السهام ثم نظر طويلا من خلال القضيب وبعض من اصابع يده اليمنى مثبته على مكان اسفله.
    6
    استشاط دلدوم غيظاً وقد رأى السهام تخطئ مرماها وعصفت به رياح الغضب ايما عصف .. فإن أخطأ رجاله في اصابة الهدف فلماذا يخطئ هو وهو القائد والفارس الذي لايشق له غبار .. مضى يعيد ترتيب الامور على عجل .. تبا لهولاء الاغبياء الذين وقفوا متراسا يقي آسريهم واللعنة على هؤلاء الجبناء الذين بدا انهم قد حسبوا لكل شئ حسابه .. لم يعد في الامكان اطلاق السهام والا فسيكون الموت من نصيب ابنائهم المصفدين .. ولم يبق لدلدوم ورجاله الا ان ينتظروا الفرصة المؤاتية للانقضاض بسهامهم ورماحهم .. وخرجوا جميعا من مخابئهم يحملون اسلحتهم .. لم يعد للإختباء فائِدة ولا جدوى وعليهم ان يرقبوا حتى يحكموا عليهم الخناق فليس في مقدورهم الأن فعل شئ اذ باتوا محاصرين خلف حصونهم البشرية كما انه ليس في جعبتهم سهام فيتبادلون معهم الرمي انهم الأن دون ريب يسعوا جاهدين لايجاد مخرج أو وسيلة تمكنهم من الفرار لكن الى اين المفر؟ سوف يقفون لهم بالمرصاد ولن تخطئ السهام منهم احداً هذه المرة. وبينما هم كذلك حدث دوي هائل مثل دوي الرعد مجلجلا في كافة ارجاء الوادي فاذا الاسرى الذين كانوا يقفون دروعا يرتمون على الارض في رعب وفزع .. واذا دلدوم ورجاله على الأرض ايضاً في حالة من الفوضى والرعب شديدين .. وحينما انجلى الغبار المختلط بدخان البارود كان جميع افراد قوة الخلاص قد لاذوا بالفرار ولم يتخلف عنهم الا دلدوم الذي كان اذ ذلك مجندلا فوق العشب وقوسه في يده .. لقد نال منه الغزاة فسار في ركب الشهداء وكتبت دماؤه المراقة على الثرى انبل واسمى ايات التضحية والفداء وذهب من الاوغاد اثنان وعادا يجرانه مثلما تجر جثة كلب ميت .. ولما افاق الاسرى مما اصابهم وجدوا جسد دلدوم فارس القبيلة مطروحا امامهم سابحا في دمائه فصرخوا جميعا في آن واحد واشاحوا بأنظارهم بعيدا .. نعم .. ان لذلك الشئ ذو العنق الطويل بأس شديد .. فهو يزمجر كالرعد وتنطق من فوهته النار فتترك خلفها مثل ماتتركه الحجارة من رائحة عندما تصطك ببعضها البعض .. لايفرق هذا السلاح بين قوي وصعيف .. كل الناس امامه سواء .. وعادت بورا مرة أخرى تنظر الى الجسد المسجى على الثرى والقوس لم يزل في اليد .. فترى فيه اكر .. فهو الاستاذ المعلم واكر تلميذه الفذ .. لقد كان يجمعهما حب واحترام .. وكان دلدوم المثل الاعلى لأكر فهو الذي علمه اصول المصارعة والرمي بالسهام .. وكثيرا ماكان اكر يرافقه ليستمع الى حكاياته البطولية الشيقة وليتعلم منه ما لايعلمه .. وتساءلت بورا وهي بعيون دامعة .. هل كان اكر من بين الذين فروا من رجال القبيلة بعد ان اطاح ذلك السهم الناري بدلدوم؟ ياللعار لو ان ذلك قد حدث فعلا .. هل يفر كما يفر الجبناء تاركاً من قال لها يوما بانه مايكاد يفارقها حتى يشتاق لها في ذات اللحظة !! بهل نسي كل ذلك وتركها لمصيرها المجهول والى الابد؟ وفوق كل هذا أيترك جسد مثله الاعلى مهملا في العراء ليغدوا طعاما للسباع والعقبان؟ والى اين سيكون فراره وهو الفارس المنتظر !! اليس هو بسيد حلبة المصارعة اليوم وهو الذي تأهل على يدي هذا البطل وكان من الذين يفاخر ويعتز بهم كثيرا !! لقد مات دلدوم من اجل القبيلة كما عاش من اجلها وكان على اكر ومن فر معه ان يفعلوا شيئا اقله الا يتركوا جثته وفي ايدي هولاء الاوغاد .. ياللعار كان افضل لهم ان يموتوا جميعا والا يعودوا للأكواخ بمثل ماعادوا .. فارين بأجسادهم كما تفر الأرانب واراذل الحيوان !! ثم اطرقت طويلا وعادت تسائل نفسها .. هل يمكن لاكر ان يفعل مثل هذا؟ انها تعرف اكر حق المعرفة وتحس به في كل مشاعرها كأنهما روح واحدة .. فمثله لايمكن ان يفر .. عرفته في مواقف كثيرة قبل هذا .. عرفته عندما اشتعلت النيران في كوخ شيخ هرم ولم يكن من سبيل لانقاذه فبينما وقف البعض مكتوفي الايدي اقتحم هو النيران المشتعلة وعاد يحمل الشيخ بين يديه كما يحمل الطفل الرضيع .. فاذا كان قد ضحى بحياته من اجل شيخ لم يكن بينه وبين الموت سوى بضع خطوات وهو فتى في ريعان الشباب فكيف تخونه شهامته ورجولته فيفر مذعورا لينجو بنفسه ويدع من يحب بين ميت ملقى على الثرى واسير يرزح في الاغلال يقاد الى مصير غير معلوم؟ عرفته في مواقف شتى ولم تر منه الا مايحمد ويكبر فمثل اكر لايفعل ذلك ابدا .. لو كان اكر من بين من هاجموا لما رضى الا بالفوز او الموت دون ذلك .. ولكان جسده مطروحا الآن جنبا الى جنب مع هذا الجسد المسجى امامها .. ان اكر دون شك لم يعد بعد من رحلته مع ابيه واذا عاد فسوف يلحق بركبها ولن يثنيه عن ذلك شئ .. لكن ليته لايفعل .. فلدى هؤلاء اللصوص مالاتنفع امامه قوة ولاجسارة .. لكنها تدرك صلابته وعناده وصعوبة مراسه .. سيأتي حتما وسوف لن يدخر وسعا في سبيل خلاصها مهما كلفه من ثمن .. ولكن ما أغلاه ثمن .. خير لها ان تموت قبل ان تراه في هذا المصير الذى آل اليه دلدوم .. ولدهشة بورا ورفاق اسرها فقد شق اللصوص القساة قبراً في مكان يرتفع قليلا عن ارض ذلك الوادي وحمل بعضهم الجثمان وبعد تغطيته بخرقة بالية وآووه مثراه الاخير ثم اهالوا عليه الثرى ووضعوا فروعا من الاشجار الشائكة على القبر حتى لاتتمكن السباع من نبشه. لقد اصاب هذا الصنيع شيئا من الرضا في قلوب هولاء المغلوبين على امرهم برغم ماهم فيه .. فمثل دلدوم فارس قبيلتهم وحامي حماهم والذي مات من اجلهم يستحق مثل ذلك بل اكثر.
    وما ان انتهى الدفن حتى تأهب الركب للرحيل ولوح الغزاة بسياطهم يهشون على اسراهم ومضوا يتقدمهم كبيرهم على فرسه الأبيض .. كان ذلك عند الضحى وهو افضل الاوقات للمسير .. وسار الركب على عجل مستغلا طراوة الهواء واعتدال الشمس .. وعليهم ان يسرعوا بقدر مايمكنهم حتى يبتعدوا عن هذا الوادي الملئ بالأشجار الكثة التي تشكل ستارا ودرعا لِمن يمضي في اثرهم .. فهم لم يأمنوا بعد شر من يتعقبهم فقد ياتي من فروا بجيش اخر اكثر عدة وعتادا لايغطيه مامعهم من بارود .. وكان ذلك عبئا على الاسرى اذ بات لزاما عليهم ان يواكبوا السرعة التي كان يسير عليها الفرس المربوط عليه الحبل الذي يشدهم جميعا والا تعثرت خطاهم وآذتهم الاوثقة ايما اذىً .. كان ذلك كان امرا شاقا .. فجميعهم حفاة الاقدام .. ادمت الحجارة والاشواك اقدامهم .. وهم يواكبون سرعة فرس من يقودهم فان اسرع اسرعوا وان ابطأ ابطأوا.
    وقبل حلول ظهيرة ذلك اليوم الباكي كان بعض من رجال القبيلة الذين ذهبوا لتخليص الاسرى قد وصلوا الى الاكواخ في حالة من الاعياء والاجهاد لاتوصف .. بعضهم عراة مثلما ولدتهم امهاتهم وقد مزقت الاشواك اجسادهم واقدامهم وبعضهم فقد رشده أو كاد وقليل منهم من عاد برمحه أو قوسه .. منكسة رؤوسهم .. تسيطر الهزيمة الشنعاء عليهم تماما .. وهرع اهل الاكواخ من نساء وشيوخ وأطفال لاستقبالهم فقد كانوا في انتظار عودتهم على جمر تزيده الريح تأججا .. ونظروا في الوجوه قبل ان يطرحوا سؤالاً لعلهم يقرأون مايبشر بخير .. ولكن لم يكن فيها الا مايغني عن السؤال .. كل شئ بدأ واضحاً .. رجال لم يبق من ثيابهم مايستر عوراتهم وآخرون بلا سلاح ينظرون بعيون زائغة منكسرة .. وانشأت بعض عيون تتفقد قائد الرجال من بين من عادوا فهو الاجدر بالسؤال .. لكنه لم يكن من بين من عادوا .. فهو غائب ومثله آخرون .. وبينما النظرات تحصى ذلك رأوا ثلاثة من بقية الرجال قادمين يحملون رابعا .. لم تكن حالهم باحسن من حال من سبقوهم الا انهم بدأوا اكثر ثباتا .. وتهافت البعض اليهم لينوبوا عنهم في حملهم .. وكان المحمول يعاني من جرح بالغ وهو في شبه اغماء وحرارة جسده تزيد الامر سوءا .. ووقف احد القادمين يعلن في الناس النبأ الصاعق الأليم .. (( لقد قتل اللصوص دلدوم .. كان اول من سقط !! ومضى يروي تفاصيل ماحدث.
    وما ان حكى ما حكي حتى انفجر باكيا وانخرط الجمع يشاركه البكاء وثكلت النساء وهن يكلن على رؤوسهن التراب .. لقد تيقنوا الآن أن الابناء قد مضوا الى الابد وليس من سبيل الى استعادتهم .. وسقط في سبيل ذلك اشدهم قوة و بأسا .. دلدوم .. ذلك المقدام الجسور .. وقد بذل رجال القبيلة كل ما كان في وسعهم بيد ان الظروف كانت اقوى منهم واعتى.

  9. #9
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 5 )

    توشحت القرية ذلك المساء بثوب اسود قاتم .. وعشعش الحزن فوق كل كوخ من اكواخها وفوق كل سنبلة من سنابل حقولها التي باتت في قبضة العصافير .. كل شئ يوحي بالحزن والاسى .. ولاشئ يكاد يسمع سوى العويل والنواح .. تجسدت المأساة في كل الارجاء .. رباه انهم كانوا اسباب الفرح ومصدر السعادة وكانوا بهجة الحقول وزينتها .. وكانوا الآمال النامية التي ينتظر قطف ثمارها في الغد .. فلماذا يؤخذون منا عنوة .. ولأي مصير يساقون؟ اليس لدى من سبوهم ابناء !! اليس لهم اكباد مثلما لنا حتى يعلموا مدى الفجيعة التي لحقت بنا من شنيع صنيعهم .. حتى الطيور تحب صغارها وتعرض نفسها للتهلكة في سبيل انقاذها .. الم يشاهدوا عصفورا صغيرا واقعا على الارض قبل ن تقوى جناحاه على التحليق .. عندئذ تحلق امه حوله مشقشقة تستغيث بمن حولها من الرفاق فتحلق حوله مجموعة تصيح غير ابهة باي خطر .. وكافة الحيوانات القوي منها والضعيف تخشى على صغارها فتبتعدبهم الى الاماكن الآمنة ..فكيف بنا ونحن بشر مثلهم تماما.. ام اننا في انظارهم احط منزلة من ذلك لمجرد اختلاف الواننا والسنتنا؟ عجبا لبني ادم! وكيف لنا رباه ان نحيا من بعدهم .. هل نمسك ارحامنا حتى لا نخلف خلفا يترعرع ثم يأتي من يأخذه منا عنوة!!.. وأنى لحياتنا ان تستمر على هذا المنوال .. نلد فنربي ثم نفجع .. تماما مثل هذه السنابل التي رعيناها حتى نضجت او كادت ان تنضج ثم اصبحت حقا مشاعا للعصافير بعد ان غاب رعاتها ومضوا.
    وفي وقت متأخر من ذات المساء مات بابور متأثرا بجرحه البليغ .. ولم يستطع حكماء الاكواخ ان يفعلوا شيئا .. فكان بذلك الشهيد الثاني من بين افراد مسيرة الخلاص تاركا وارءه زوجه واطفاله .. وعند بزوغ شمس اليوم التالي حمل الرجال الجثمان ليواري الثرى في مقبرة القرية ومن خلفهم سار قارعوا الطبول يصدرون ايقاعات حزينة ومن ورائهم تسير النساء موشحات بالسواد يسترسلن في البكاء والنواح على وقع الدفوف يتبعون فقيدهم ليودعونه مرقده الابدي.


















    كادت الابتسامة العريضة ان تكون شيئا ملازما لشفتي اكر وهو يضع اولى خطواته في بداية الطريق الذي يعود به الى قريته .. فقد طفرات جوانحه فرحا وسعادة وامتزجت فيها احاسيس عدة .. فهو يحمل فرحة العودة وفرحة العيد وفوقهما فرحة اللقاء .. لقاء معبودته بورا .. يتحرق شوقا ً اليها .. ينتابه احساس من غاب اعواما طوالا .. يتظاهر بالاصغاء الى احاديث ابيه وحكاياته خلال مسيرهما ولكنه في الواقع لا يصغي الا لحديث قلبه وهمس جوانحه .. فأحاديث ابيه لاتخلو من التكرار لقد سمعها ربما اكثر من مرة فهو لاينفك يحكي عن سالف الايام وعما كان عليه الحال آنذاك والفرق بين اجيال الامس واجيال اليوم .. لذا فقد حلق ذهنه بعيدا عن حكايات ابيه وعن الطريق الذي يسلكانه .. جسد يسير بلا لب اوفؤاد فكلاهما قد سبقاه الى الحقول التي تستضيف من بين من تستضيف بورا تلك التي سيطرت على كافة احاسيسه فلم تنج خليه من خلاياه الا وهي متجسدة فيها .. ينظر طويلا الى اسراب الطيور والعصافير وهي تطير لتفسح الطريق امامهما كأنه يحسدها هذه الأجنحة .. آه لو كانت له اجنحة مثلما لهذه الطيور لكان حينئد في قلب الحقول لا ليعبث بالسنابل او يقتات منها ولكن ليقتات من حسن بورا ويستمتع بالنظر اليها ويصغى لحلو همسها .. ولكن آه .. يالطول هذا الطريق !!.. لو كان يسير لوحده لكان قد سابق الريح ليصل في نصف الزمن المقدر للوصول ولكن رفقة والده تحول دون ذلك وليس له الا ان يواكب خطواته المتئدة .. ومع ذلك فقد وجد نفسه في كثير من الاحيان ينساق بعيداً عن حيث يسير والده فيضطر الى التوقف احيانا او الرجوع الى الوراء في احيان اخرى .. ولعل الاب قد لاحظ مدى تعجل الابن فكان يقول له عند ذلك : "يابني ان من يسلك الطريق الصحيح سوف يصل الى وجهته مهما كان طول الطريق .. فلم التعجل ونحن نتبع الطريق القويم "؟ لقد كان العم (سايس) يلم بأسباب تعجل ابنه لكنه لم يشأ ان يفاتحه في هذا الامر من قبل وقد وجدها الان فرصة مؤاتية لتغيير مسار الحديث إلى وجهة يستطيع بها ان يعدل من تعجل ابنه ومن شروده فهو رجل خبير بمثل هذه الامور ولايخلو من حكمة ودراية .. فقد عرف الحب يوما عندما كان في مثل هذه السن .. سن الشباب .. فقد عشق (توجو) زوجته وام اكر الى حد الجنون وهام بحبها ولم يهد له بال الا بعد ان ظفر بها وتزوجها .. فمثل العم سايس لاتفوت عليه فائته في هذا المضمار .. يدرك مايسود مشاعر الشباب في مثل هذه الايام .. ايام الحصاد ولقاءات الحقول .. ومواسم الاعياد .. بدأ حديثه عن الزواج على ايامهم وكيف كان الشاب يختار عروسته من بين الفتيات .. وبدا ان ذلك الحديث قد اصاب مغزاه وضرب على وتر رنان في مشاعر اكر .. نعم .. ان مثل العم سايس يعرف كيف يعزف على مثل هذه الاوتار .. اذ عادت خطى اكر الثائرة تهدأ شيئا فشيئا الى ان كاد الوالد أن يتقدمه احيانا .. وعند ذلك قال لإبنه انه رجل تقدم به العمر وانه الان اقرب الى الاخرة من الدنيا فهو يود ان يرى خلفا لمن يحمل الراية من بعده ويحمل اسم العائلة لذا فانه سوف يقدم بعضا من ماشيته الى اهل بورا بعد اعياد الحصاد مباشرة كجزء من المهر على ان يكون الزواج في الموسم القادم .. اوشك قلب اكر على التوقف من شدة الفرح واحس وكأنه قد امتلك جناحي طائر واحس وكأنه يحلق في الفضاء بخفة ذوات الريش .. آه متى يكون الوصول الى الاكواخ ومتى تكون اللقيا بين المروج حتى يبوح بهذا النباء العظيم لمحبوبته الاسطورية بورا .. نعم انه الان يشعر بالرجولة الحقة وبالمسئولية .. ينبغي عليه ان يواصل حياة الاجداد .. ولكن متى لهذا الدرب الطويل ان يدرك مداه !! .. لقد انقطع ذلك الحديث الشيق ولم يبق ما يقال حوله .. والعم سايس ينظر بعيدا في ذلك الافق وكأنه قد مل المسير ايضا .. او ربما عاد الى الورادء كثيرا .. ايام ان كان العمر غضا .. ايام اللهو والحب بين الحقول والمروج .. ثم عاد من حيث كان يهيم خياله .. يجتاز اعواما واجيالا .. وقد لاحت من على البعد شجرة المنتصف القائمة في منتصف الطريق بين القريتين تميزت عن سائر اشجار تلك المنطقة بكبر حجمها وامتداد اغصانها مما جعلها تبدو كسقيفة او عريشة واسعة .. ولما كان قد طال المسير بالعم سايس وابنه فقد دلفا اليها ليأخذا قسطا من الراحة ويستطعمان شيئا من ما معهما من طعام زودتهما به زوجة شقيق العم سايس .. وفرش العم سايس فروته على العشب وجلس ويداه تدلكان ركبتيه وساقيه بينما وضع اكر المخلاة عن كتفه وانشغل باخراج محتواها وطفقا يلتهمان الطعام في شره فقد سارا طويلا واستنفذا من مخزون طاقتيهما الكثير .. لقد بدأ الطعام لأكر اشهى من ذي قبل .. ليس بسبب ما اضيف اليه من توابل ولكن بسبب ما اضافه حديث العم سايس الى نفسه .. تلك المفاجأة الحلوة التي لم يضعها في حسبانه من قبل.. وبعد تناول الطعام رفع العم سايس ابريقه الفخاري يجتزع شيئا من الماء ثم رقد على فروته يريح جسده وقد شخصت عيناه تتفحصان فروع تلك الشجرة الضخمة .. يهز برأسه من حين الى حين في تعجب وفجأة طاف بخاطره ماسمعه من بعض اهل القرية التي كانو فيها .. لقد زعم رعاتها انهم سمعوا من رعاة آخرين من اهل قرية مجاورة ان اناسا غرباء قد اغاروا على بعض القرى الواقعة في اقاصي التلال واسروا العديد من الصبية والاطفال من قبل مايزيد على العشرة ايام .. وتساءل اكر مستغربا هل يمكن أن يحدث شئ كهذا؟ قد يهاجم البعض آخرين لسرقة مامعهم من اغنام وماشية لكن كيف يهجمون ليأخذوا اناسا مثلهم ولأي سبب او غاية يحدث هذا؟ صمت العم سايس طويلا قبل ان يبدي رأيه في الأمر فربما كان يستحضر شيئا او يستذكر شيئا ثم قال بعد تأنٍ "لقد سمعنا بمثل ذلك منذ سنين طويلة ولكن لم يحدث مثله في قريتنا ولا في اي من القرى المجاورة لها بل يقال ان ذلك حدث في القرى التي تقع في اقاصي التلال وهي غالبا ماتكون قرى مكشوفة خالية من المغارات ولاتحرسها تلال .. وسمعنا ان المهاجمين من قبيل آخر من الناس يختلفون عنا في السحنة واللسان .. يأتون من مناطق بعيد عنا كل البعد ليأخذوا شباب هذه القرى لاستعبادهم وجعلهم رقيقا مملوكين يسخرونهم لاداء كل ماهو شاق" قال اكر ابن الستة عشر خريفا وقد زاد حديث والده من دهشته : "وكيف يقبل الفتى ذلك ويرضى ان يكون مملوكا" !! ابتسم العم سايس لحديث ولده قبل أن يجيب :"من يقع في الاسر يابني ليس امامه الا فرصة ان يفر منه اذا كان ذلك ممكنا .. اما اذ لم يكن ممكنا وابدى اي مقاومة او عنف فمصيره اسوأ من الأسر والذي يصبح مملوكا بالقوة ويساق الى ارض ليست بأرضه .. ماعساه ان يفعل .. اذا قاوم فسوف يهزم واذا انتصر فسوف يقتل كما تقتل الذئاب والثعالب عندما تغير على القرى .. لذلك فليس هنالك سوى الخضوع والاستسلام للأقدار"!! .. صمت اكر طويلا يتمعن ماقاله والده الذي كان ساعتها قد نهض من مرقده وانحنى يطوي فروته ثم وضعها فوق رأسه ورفع ابريقه يجترع شيئا من مائه متأهبا لمواصلة المسير ومضى يتبعه الابن في الجزء الاخير من رحلتهما صوب القرية.. لم يستطع اكر مقاومة العديد من الاستفهامات التي بدأت تفرض نفسها حول موضوع هؤلاء الغرباء .. انشغل بذلك تماما فلم تعد سيرة بورا هي المسيطر الوحيد .. ومضى في طريقه صامتا ينظر في البعيد .. وفجأة قطع حبل الصمت بسؤال في ذات الموضوع وجهه الى ابيه يسأله هل من الممكن ان يحدث شئ مثل هذا في قريتهم .. ان يهجم غرباء في وضح النهار على الاكواخ فيأخذون ما يشاءون من فتيتها وفتياتها دون ان يلقوا مقاومة من اهلها ورجالها .. تأني العم سايس في الاجابة بعض الشئ كمن يفكر في اختيار الكلمات او استجماع بعض المعلومات .. وقال مجيبا انهم اذا ما هاجموا قرية مثل قريتهم في وجود رجالها فانهم بالطبع سوف يلقون مقاومة شديدة ولن يكون الامر سهلا بالنسبة اليهم الا اذا كانوا اكثر عدة وعتادا .. ولكن في الغالب مثل هؤلاء لايغيرون الا على القري المنعزلة والمكشوفة وفي غياب رجالها .. ولاسبيل لهم على قرية محصنة كقريتهم ولن يكون في وسعهم فعل شئ او سبي اي من اهلها والا فتكت بهم السهام والرماح .. ولعل العم سايس قد لاحظ مابدا من قلق وعدم ارتياح على وجه ابنه بسبب هذه الحكاية المزعومة وماقيل فيها .. فعلق على كل ذلك بانه قد لايتعدى حدود ترهات القول وانها لا اكثر من شائعات تتداول بين الأجيال .. فهو قد سمع عن ذلك في حداثته لكن شيئا لم يحدث البته سوى في قريتهم او في سواها من القرى المجاورة .. وتنفس اكر الصعداء على اثر ذلك وعاد الى سابق مرحه وسعادته ومضى في طريقه بنشاط وهمة جديدين وطيف بورا ماثل امامه .. يراها امامه في طريقه ويراها واقفة بين الاعشاب والمروح والاشجار .. انه الان يعود اليها بمفاجاة كبرى .. وستكون اغلى هدية يستطيع ان يقدمها لها .. سوف يأخذها بعيدا بين المروج ويلقى عليها هذا النبأ العظيم وسيرى اثر ذلك في عينيها الساحرتين وعلى خديها المتوهجين .. لن يتوانى في ضمها الى صدره هذه المرة حتى يحس باختلاط نبضات قلبه ونبضات قلبها رغم انه قاوم ذلك كثيرا من قبل .. يشعر الآن بانه لن يستطيع المقاومة .. سيضمها حتى تضل نهداها سبيلهما في صدره الواسع وليكن مايكن .. ولما فطن اكر لنفسه وهو يهيم في تلك الخواطر وجد انه قد ابتعد عن ابيه كثيرا فتوقف يؤنب نفسه على ذلك وعلى ماجاء في ذهنه من افكار قد تؤدي الى ما لا تحمد عقباه .. عليه ان يكون حذرا وان يكون قويا حتى في أكثر المواقف اثارة وان يتحلى بالصبر مهما كان الاغراء عظيما .. ان كل مافي بورا مغري ومغوي ولكن ينبغي عليه ان يتحلى بصفات الرجل القوي .. لن تكون لاحد سواه وعما قريب سوف يجمعهما سقف واحد وساعتها له ان يلتهم مفاتنها التهاما مستمتعا بكل مافيها فهو سيدها الآمر الناهي . وقبيل الظهيرة كان اكر ووالده على مشارف القرية فقد وصلا الى حدود المراعي التابعة لقريتهم وظهرت امامهما بعض قطعان الاغنام والماعز تتراكض وتلهو في تلك المروج الواسعة الارجاء .. وحاول اكر ان يقاوم ابتسامة ظاهرة كادت ان تنفجر قهقهة .. فهو الآن قاب قوسين أو أدنى من ديار الأهل والأحبة .. ولاحظ العم سايس أن الأغنام طليقة بلا راعي وعلق على ذلك إلا ان اكر كان مشغولا بما هو أهم من الاغنام ورعاتها وأهلها .. لم يعِ شيئا مما كان ابوه يرغي به .. وظل العم سايس يعتب على هؤلاء الفتية الذين يهملون مهماتهم ويذهبون للسباق واللهو تاركين اغنامهم هائمة بلا رقيب فتعتاد الطريق الى الحقول وعندها سوف يكون امر اعادتها الى المراعي شاقا وعسيرا .. واكر يحصي ماتبقى من خطوات .. يسابق اشواقه فتسبقه حينا ويسبقها في آخر .. ولولا الحياء لتوجه الى الحقول مباشرة فبورا حتما هنالك .. لابد انها في انتظاره على احر من الجمر .. قد تعاتبه وتكثر العتاب لعدم اخطاره لها يوم مغادرته ولطول غيابه عنها .. لكن المفاجأة التي حملها اليها ستغير الموقف وتنسيها عتابها .. آه لو أنه يستطيع الذهاب الى الحقول قبل ان يمضي الى اي مكان آخر .. لكن الأصول تحتم ان يغشى داره أولا مع والده ليسلم على أهل بيته .. أن امه لم تكن على مايرام حينما غادرا فينبغي ان يعودها اولا ليطمئن على صحتها وبعد ذلك يمكنه التسلل الى الحقول.

  10. #10
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 6 )

    هاهو اكر يختتم نهاية الطريق ويدخل ذلك النفق الضيق المظلم الذي يخترق تلّين شاهقين فيمضي مسرعا متجاوزا أباه بخطوات عدة .. يدفعه شوق يئز كبركان مسلماً للقلب زمام نفسه .. والابتسامة العريضة التي سعى بكل قوته للسيطرة عليها رفضت الخضوع لإرادته ولازمت شفتيه والعم سايس يمضي في خطوات متئدة تنقبض أساريره حينا وتنبسط حينا .. إن مايفصلهما عن الاكواخ لم يكن سوى خطوات تحسب على اصابع اليد لكنه يدرك انها تتراءئ لابنه بونا شاسعا .. فليسرع ماشاء ان يسرع .. وليستمتع بشبابه فما الشباب إلى سويعات سرعان ماتنقضي .. خرج أكر من النفق ووقف يضع يده فوق ناظريه بعد ان سار طويلا في ذلك الدهليز المفتقر إلى الضياء ويوشك ان يحث اباه ليستعجل خطاه إلى ان خرج أخيراً من ذلك النفق الضيق المظلم حاجباً ناظريه بيمناه من فرط الضياء .. وجلس يرتاح قليلا مانحا ابنه الخيار في البقاء معه أو الإنصراف إلى الاكواخ .. غير ان أكر آثر البقاء تأدباً واحتراما .. فجلس على مقربة من والده ولكنه كان كمن يجلس على نار .. ولم يطل المقام بالعم سايس حتى نهض يستند على عصاه ليهبط المنحدر المؤدي إلى السهل التي تقبع فيه الأكواخ .. واكر يسير بجانبه مخافة ان تزل قدمه في ذلك المنحدر الوعر إلى أن هبطا بسلام وتوجهت انظارهما الى اكواخ القرية وقد بدأت أمامها في سكونها المعتاد في مثل ذلك الوقت .. ولكن ما ان تقدما قليلا حتى تبدد ذلك السكون وغشيت اسماعهما دقات طبول .. انها ليست طبول افراح .. فهما يعرفان ذلك جيدا .. بل هي ايقاعات المآتم والأحزان .. استبد القلق بهما يبدد فرحة العودة وتعجلت خطوات العم سايس هذه المرة .. ياللحسرة لو ان أم عياله قد المّ بها مكروه في غيابه .. ومثل ذلك كان اعتقاد اكر .. فأمه لم تكن بخير عندما غادرا الأكواخ .. وتقدما بلا وعي كل فاغر فاهه دهشة وقلقا .. ولما إقتربا بدت أمامهما رايات سود تكاد تكون مرفوعة على كل كوخ من الاكواخ .. رباه ما الأمر .. انها ليست امه وحدها بل القرية جميعها واخذ يحصي عدد الرايات السود .. واتسعت دهشة العم سايس .. نعم ان كل دار في القرية تخفق فوقها راية سوداء .. رباه ما الخطب هل انقضت سباع الاحراش جميعها على اهل الاكواخ ام انها نار لم تبق ولم تذر .. ولكن الأكواخ سليمة كما تبدو وليس هناك أثر للحريق .. وما ان اصبحا في وسط الاكواخ حتى تدافع نحوهما نفر من الناس ممن كانوا في دارة الدفوف حيث اجتمع اهل الاكواخ جميعهم لبكاء من فقدوا .. يزفون نبأ المأساة .. فكان كالصاعقة .. وظن اكر أن مايعيشه اللحظة لا أكثر من حلم مزعج.. وفرك عينيه لعل ان ينقشع هذا الحلم المرعب .. ولكنه وجد نفسه في قلب الواقع المرير .. اخبروهما بأن رجال القرية لحقوا باللصوص لتخليص الفتية ولكنهم لم يفلحوا في ذلك اذ ان في جعبة الغزاة سلاح يدوي كالرعد ويردي المرء قبل ان يرتد اليه طرفه .. وقد قضى ذلك السلاح اللعين على حياة دلدوم البطل المقدام كما قتل بابور أيضا .. واخذ احد الرجال يعدد امام العم سايس من فقد من فتية الاكواخ وفتياتها واكر يتابع ذلك في اضطراب دون ان يرمق الرجل بنظره .. وكأن الرجل قد تعمد الا يذكر اسم بورا الا في النهاية .. ولما عدد ثمانية عشر تردد قليلا ثم رمق اكر بطرف حزين منكسر وتلعثم بعض الشئ قبل ان يضيف الى القائمة اسم بورا .. وحملق اكر في وجه الرجل وهو يكاد ان يفترسه .. وصرخ " لا .. لا .. ان بورا ليست من بينهم ليس في استطاعة اي من كان ان يأخذها " .. وصاح مزمجرا حتى التف حوله جمع غفير .. واحس بالظلام يكتنف الكون من حوله شيئا فشيئاً واخذت الأجسام تضمحل امامه وتلاشت الأصوات الى ان غاب في الظلمة تمام ثم انهار كما ينهار الطود العظيم .. وأمتدت ايدي الرجال تسنده ثم حملوه وهو في حالة اغماء كامل.
    وقبيل المساء بدأت الحياة تدب في جسد اكر درجة فدرجة .. وفتح عينيه لأول مرة منذ ان صعقه ذلك النبأ القاتل .. يطالع في وجوه من حوله من اهل الأكواخ الذين تركوا دارة المآتم وجاء معظمهم الى دار العم سايس .. ومرة اخرى يفرك عينيه لعل ان يكون ما يعيشه الساعة ليس الا حلما غير انه يرى الدموع والاسى في وجوه الجميع .. حتى وجه ابيه الصارم القسمات بللته الدموع وغلفه الحزن .. وجد امه تجلس بقربه تمسح على رأسه وعلى مقربة منها تجلس شقيقته مويا وهي باكية متحسرة .. انها تحس بجرح اخيها العميق الذي لايمكن ان يندمل .. وتحركت شفتاه قليلا كمن يريد الادلاء بشئ ثم عاد مرة اخرى يضع رأسه على الوسادة .. وكرر المحاولة مرة ثانية وجال بنظره يتفحص وجوه الجميع كمن يبحث عن وجه معين بين الوجوه .. ثم تأتأ بكلمات غير واضحة .. وكرر ذلك مرارا الى ان غدا لسانه اكثر طلاقة وخرجت كلماته .. يسأل ان كان ماحدث واقعا ام ان ذلك لا أكثر من اضغاث احلام !! ويصمت الجميع حيال ذلك ولم يجرؤ أحد من الحاضرين على ان يجيب تساؤله وظلت العيون تطالع بعضها .. وفي هذا وجد اكر الاجابة البينه .. هي الحقيقة إذن !! فان لاذ الجميع بالصمت ولم يجب منهم احد فمعنى ذلك ان صمتهم قد اجاب على تساؤلاته .. فهم لايقوون على الاجابة .. ورأى دموعاً اكثر على كثير من الوجوه .. رباه ما اقسى ان يفجع عاشق في عشقه وما اقسى ان يتراكم الشوق دون ان يبتل وأن يموت كل ذلك البشر في قلبه وبين جوانحه .. لقد كان يسابق الخطى ويكاد أن يحلق في الفضاء لأجل أن يحط في الحقول ويرى بورا .. كان يود مفاجأتها بذلك الخبر السار ويضمها الى صدره حتى يذوب ذلك الشوق العارم .. ولكن هاهي الآمال قد تلاشت وماتت الأمنيات بعد أن حان قطافها .. وانقطع الرجاء .. يالجبروت الحب .. إنه اقوى من كل قوة اخرى .. فها هو اكر القوي الجسور يرقد متهالكا وهو المصارع الجبار على حلبة المصارعة قد خانته قوته الجسدية ولم تنفعه جسارته المعهودة .. يتكور الآن على آهاته والآمه غارقا في سيل من الأحزان والأشجان كأنه لم يعرف القوة ولا السعادة يوما رغم انه قبل سويعات كان اكثر اهل الأرض سعادة واشدهم قوة واعظمهم بشراً .. وهاهوا الآن تتقاذفه الهموم والأشجان .. ان جرحه عظيم وخسارته فادحة .. قد تندمل جراحات الاجساد مهما عظمت واستفحل امرها ولكن تبقى جراحات الأفئدة والأكباد دامية لايجدي حيالها بلسم أو دواء .. يالحسرة اكر .. وقد فنيت في احاسيسه الأفراح وماتت في احداقه الدموع .. فلم يعد يرى الحياة من حوله كما كانت قبل لحظات .. حب وافراح ومروج خضراء .. قد استحال الكون في ناظريه الآما واحزانا واشواكا .. يكتنف الظلام كل شبر فيه بعد ان تلاشى الضياء وتفرقت الآمال الزاهية وتبددت الامنيات العذبة .

  11. #11
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 7 )
    وبينما الجميع يفترشون الأرض في دار العم سايس .. يتأملون وجه اكر الذي تكدست عليه هالات من الحزن .. يصحو حينا ويغفو حينا اذ به يهب من مرقده في غير مايتوقع .. وكأن قوته المفقودة قد عادت اليه مثلما تعود المياه الى مجاريها لحظة ان تمطر السماء بغتة .. وصاح بأعلى صوته وهو يدق الارض بقوة بقدمه رافعا يده في وجوه الجميع .. مقسما امام الأشهاد بأنه سوف يخلص بورا ورفاقها من قبضة الاوغاد أو ان يهلك دون ذلك .. ولكن هل من سبيل الى ذلك ايها الفتى ؟! لا أحد يعرف وجهة للسارقين ولا الى اي ناحية ذهبوا فقد مضى الرجال في اثرهم لكنهم عادوا وقد خلفوا هنالك جثة رجل كان اكثرهم قوة واشدهم بأساً .. وأتوا بآخر لم يلبث أن مات ايضاً .. وانت الفتى اليافع انى لك بمثل هذا وخبرتك في هذه الحياة لا تتعدى حدود هذه الاكواخ المختبئة بين التلال وان الدرب وعر والطريق شائكة ولاتقود إلا الى المجهول والغموض .. وفوق كل هذا وذاك فان في جعبة اولئك الاشرار مايجعل الموت محتما على كل من يتعقبهم .. فأمامهم يتعادل الجبان والجسور ولاتنفع قوي قوته ولاباسل بسالته والا لكان قد عاد دلدوم ظافرا منتصرا وهوا الذي صارع الأسود وضواري السباع .. ان هذا هوا المستحيل بعينه يابني .. وليس امامك الا الاستسلام لارادة السماء والتحلي بالصبر والايام كفيلة برأب الصدع ودمل الجرح.
    لقد ظن أهل الاكواخ المجتمعون في الدار ان مايقوله اكر ماهو الا ضرب من الهذيان من جراء مابه ولم يعتقد اي منهم انه قد عاد الى كامل وعيه وانه يعي مايقول .. فوقف العم سايس يهدي من روعه كما وقفت امه حوله وهي ممسكة بوسطه كمن يخشى عليه من الوقوع .. ترجوه ان يجلس إلا أنه ظل يذرع فناء الدار جيئة وذهابا يطالع تلك الوجوه الواجمة دون ان يتفوه بكلمة واحدة ثم لا يلبث ان يشيح بناظريه بعيدا كأنه يبحث عن شئ ما في الافق .. ولمح العم سايس بعينه التي لاتخطئ على وجه ابنه مالم يلحظه غيره .. اذ قد تجسد مابين حاجبيه ذلك الاصرار الذي قلما ينجح احد في صده او اثنائه عنه . فهو يعرف ذلك جيدا .. منذ ان كان أكر في المهد صبيا انه ما أن تكتمل تلك الدائرة مابين حاجبيه فانه لايتراجع عن مايريد فعله ابدا .. عنيد وصلب كجلمود صخر .. واثارت هذه الظاهرة قلقا شديدا في نفس العم سايس .. فإذا مامضى اكر في ماصمم عليه فسوف تكون بلا ريب هي الطامة الكبرى .. وسيمضى بارادته في طريق اللاعودة الذي سبقه اليه اترابه مرغمين.
    وحين غابت الشمس كان الجمع قد انفض عن دار العم سايس وبدأ اكر يعود الى طبيعته لكنه كان صامتا كتمثال قد من حجر .. يسرح في الافق بعيون تصارع الدموع لقد كانت الصدمة عنيفة.
    ومضى يجلس على صخره بجوار مدخل الدار واضعا رأسه بين كفيه .. قد مضى كل شئ جميل عن عالمه .. وتجمدت كل الأحاسيس الا احساس قوي بالانتقام .. لذا فقد احتمى بالصمت وجلس مطرق الهامة يحاول ان يجد النقطة التي يمكن ان تنطلق منها افكاره .. كيف ومن أين يبدأ .. شلت افكاره تماما وغدا كل شئ امامه ظلاما شديد العتمة .. يجب عليه اتخاذ خطوة ما فليس هنالك وقت .. يجب ان يكون اقوى مما كان من قبل حتى يستطيع ترتيب الأمور وانجاز ماينبغي انجازه .. وعليه التحرر من ما هو فيه الان من احزان واحساس بالهزيمة والا فانه لن ينتصر في معركته وابدا وسيظل عبدا لهذه الاحاسيس تسيره انى شاءت .. وهنا وجد اكر نقطة الانطلاق لمسيرته .. نعم .. الخضوع للاحزان هزيمة اخرى اقوى واكبر من تلك التي يعيشها الان لانها هزيمة وعليه فقد مضى الى مرقده داخل الدار وقد عزم على شئ ما واستحالت تلك الهالة الى دائرة كاملة فيما بين حاجبيه.
    استلقى اكر على حصيرته يراقب نجوم السماء وقد خلد افراد اسرته للنوم بعد يوم مجهد ملئ بالمعاناة والالم .. تخرج الزفرات من جوفه كسموم الفلوات في نهار الصيف الغائظ .. يستعيد في ذهنه صورة ماحدث ويمضى يتابع اولئك الأوغاد الذين هدموا حياته وخربوا عش غرامه وهواه .. فيعض على شفتيه متوجعا .. يرى ركبهم يجتاز الأحراش يجرون من خلفهم اترابه ومن بينهم بورا .. مكبلة كغيرها .. ثم يأتيه خاطر آخر .. لا .. ان مثل بورا لاتكبل بالقيود .. لاشك ان قانصها قد ميزها عن الاخرين خضوعا لسحرها وفتنتها .. ربما خصص لها مطية تحملها دون سواها .. وقادته الافكار والتخيلات في ذلك المنحنى الى امر اخر اشعل النار في قلبه وبين اضلعه فهب من مرقده كأنه ينقض على شئ .. رحماك اللهم .. فقد اصبح قلب هذا الفتى مرتعا لنيران شتى .. نار الاسى ونار الفرقة ونار الظلم وهاهي نار اخرى اشدها ضراوة واحتداما .. نار الغيره .. رأي اكر فيما يرى الغارق في الخيال احد الغزاة يقف مزهولا عند حسن وبهاء معشوقته بورا .. فيعاملها معاملة خاصة ويعزلها عن بقية الاسرى وقليلا قليلا يدنوا منها لينال من أنوثتها .. نعم فحسنها الوضاء الباهر وانوثتها المتدفقة أمران لايستطيع مقاومتها حتى من كان شهما أو متعففا ناهيك عن أولئك الأوغاد الين تعوزهم الضمائر والاخلاق .. هي الآن حق شائع لأي منهم اذ لم تعد تملك نفسها .. يفعلون بها ما يشاؤون .. ويقسم اكر مرة اخرة امام نفسه وهو يمد اصبعه يتوعد الأعداء وينذر.

    ( 8 )
    لم تغمض عينا اكر البتة في تلك الليلة وقد جفاهما الكرى تماما وهجرهما مثلما تهجر الطيور الصحراء صيفاً .. فأني له وقد فقد اغلى مايفقده عاشق وعلى ذلك النحو من القسوة والظلم !! لو كانت بورا قد ماتت فقد يكون ذلك اخف بكثير واهون فانها حينئد تكون مشيئة الاقدار وهو امر ليس لاحد يد فيه وقد مايندمل الجرح ويذهب كل شئ في طي النسيان .. لكن بورا لم تمت .. بل سيقت عنوة وفي وضح النهار باسلوب وحشي واقتيدت مكبلة بالحبال. وعندما انقشعت تلك الهواجس قليلا هب يبارح فراشه وخرج عن الدار يقصد طريقا لطالما سارت عليه خطاه طربة نشطة .. ذلك الذي يقود الى الحقول ومضى حزينا واجما يقارن بين الامس واليوم .. قلب مفجوع وروح محطمة .. ماحسب يوما ان يحدث ماحدث ولم يصدق مثل ذلك حتى عند سماعه تلك الاقاويل منذ وقت قريب .. وزاد من ذلك قول ابيه الذي رأى ان الأمر لا أكثر من شائعات .. واجتاز اكر ذلك الجسر الطبيعي الرابط بين الاكواخ والمزارع .. ومع بواكر الاشراق كان قد وصل الى اطراف الحقول ولكن خطاه تعلن العصيان وتأبي ان تطاوعه .. فيزجرها فتسير مغلوبة على امرها .. ويجد اكر نفسه في مرتع حبهما .. واكواز الذرة منكسة تلهو من فوقها العصافير في ازدراء وتهكم .. النواقيس ملقاة في كل حيز .. وتقدم خطوات اخرى يقصد مكانا بعينه وسط الحقول .. لطالما كانت بورا ترتاده كثيرا وتفضله عن سائر الاماكن .. وهاجت به الذكريات والاشجان وهو يلج ذلك المكان فتراءت له بين الشجيرات وسمع همسها الشجي وضحكاتها الحلوة وتجمعت العبرات تخنقه بشدة وهو يحاول ان يبتلعها ويتمالك نفسه الا أنه يخفق .. اذ تفجرت ينابيع الدموع وتدفقت كسيل عارم وانفجر يبكي بكاءا مريرا بأعلى صوته .. ما أشد بكاء الاقوياء وما أمره .. وتهاوى على صخرة كانا يجلسان عليها عندما ينشدان الراحة من عناء العمل .. وظل في بكائه الى ان فضفض عن بعض مايختلج في دواخله .. ولعله لم ير والده الذي كان يرقبه منذ ان خرج من الدار حتى وصل الى هنا .. فالعم سايس لم يامن الخطوة التالية لابنه منذ ان رأي تلك الهالة تكتمل بين حاجبيه لذا فقد تبعه خفية الى ان وصل إلى الحقول .. ولقد اراحه بكاء اكر لإعتقاده بأن ذلك سوف يفرج عن كثير من احزانه المحبوسة في اعماقه .. واذ ذاك انسحب راجعا بنفس الطريقة التي جاء بها من غير ان يحس به الابن .. وبقي اكر في ذلك المكان يستعرض شريطا من الذكريات الجميلة .. في كل شبر في هذا المكان كان له وبورا موقف .. هناك قالت له كذا وهنالك قال لها كذا .. هنا وقفا وهنالك جلسا .. ويراها ماثلة امامه بجسدها الغض وقوامها الممشوق وعلى شفتيها تلك الابتسامة الساحرة التي لاتكتمل الا له .. رباه كيف كان حالها في ذاك الصباح المشؤوم وكيف غدر بها اولئك الاوغاد .. هذه الشجيرات قد رأت وسمعت الكثير في ذلك اليوم .. ولو قدر لها ان تنطق لروت له المأساة بجميع فصولها .. هل ذكرته ساعتها؟ وهل استنجدت به ياترى!! ياليته كان معها ولم يذهب في تلك الرحلة المشؤومة .. فاي شئ يحدث وهو بقربها يكون نعيما حتى ولو كان الموت .. ولو انه كان حاضرا حين جرى ماجرى لكان الأمر على غير ماهو عليه الان .. انه يعرف كيف يتصرف في ظروف كتلك .. ومرة اخرى ينأى بذهنه إلى حيث بورا الآن .. مكبلة في قافلة الأشرار .. انها بالتأكيد لم تيأس منه وانها تتوقعه بين حين وآخر أتياً لخلاصها .. ولسوف يفعل .. نعم لن يكون ابنا لأبيه ان لم يقم بذلك .. ومن هنا .. من مهد حبهما الابدي الذي تعهدا فيه على ان يكون كل منهما للآخر .. تفتقت خطة اكر الرامية الى تخليص معشوقته .. وترك الحقول عائداً الى الاكواخ يسير بعزم وجد ومضى إلى دارة المآتم يشارك أهل الاكواخ في مصابهم الجلل وينصت حزينا الى نوح النائحين على انات الدفوف وهو يغالب الدموع التي عادت مرة اخرى تفيض من عينيه واشرأبت كثير من الأعناق ترمقه وقد تحسن حاله عن الأمس وعاد اليه بعض نشاطه .. ومن بين الجالسين بقربه لمح اثنين من الرجال سمع انهما كانا من ضمن افراد قوة دلدوم وظل بقربهما الى ان توقفت الدفوف وتفرق كثير من الحضور .. فاستدار يصافحهما في تأدب ثم سار معهما الى ان ابتعدوا عن دارة المآتم قليلا ثم سألهما باسى بالغ عن ما صار منذ أن غادروا الاكواخ حتى مقتل استاذه ومعلمه دلدوم .. ان لموته جرح اخر في قلبه ولكن مايصدره الجرح الأكبر من الالم يغطي على كل جرح آخر .. وأخذ الرجلان يرويان له كل ماجرى وهو يتابعهما باهتمام بالغ .. وصفا له كل شئ في اسهاب .. حتى عدد اللصوص وعدد جيادهم .. وعدتهم .. كما وصفا له المكان الذي تقاتل فيه الطرفان وطريقهم الذي سلكوه بقيادة دلدوم .. وحال الاسرى وهم يرسفون في اغلالهم وكيف يسيرون .. نعم .. إن هذا ما ينشده .. هذه هي المعلومات التي يحتاجها .. اصبحت لديه الآن فكرة ما عن ذلك المكان المجهول الذي ينوي الارتحال اليه .. لقد عرف بداية الطريق وكما قال أبوه العم سايس أن من يسير في الطريق الصحيح سوف يصل إلى وجهته مهما بعد الطريق .. وتذكر ايضاً ان هنالك مصادر اخرى لديها معلومات عن اولئك الاوغاد .. ذياك الصبيان اللذان نجيا من الأسر .. فلابد أن لديهما ماهو في حاجة اليه ايضاً .. وذهب يبحث عنهما حتى وجدهما وساقهما بعيدا عن اعين الناس وطلب منهما ان يرويا له كل ماحدث مفصلاً منذ ان كان الهجوم الى ان ذهب اللصوص بالاسرى .. فرويا له كل شئ .. كيف هجم اللصوص بغتة .. هيئتهم وازياؤهم .. انهم من عرق آخر يختلفون معهم في السحنة واللسان .. على خدودهم مثل ماتتركه اقدام الطيور على الوحل .. وظلا يرويان له بإسهاب وهو مطرق لكل كلمة يدليان بها .. كلما فات احدهما ذكر شئ من التفاصيل قام الآخر بإضافتها .. الى ان اختتما حديثهما باللحظة التي تم فيها القبض على بورا .. وهنا رفع اكر رأسه ينظر في وجهيهما متابعا الحديث بمزيد من الاصغاء والاهتمام .. انها كانت اخر المأسورين .. لقد كانت تصيح وتقاوم بضراوة ولم تعرف الاستسلام الا بعد ان أثقلتها الاصفاد .. وصمت الصبي المتحدث لبعض الوقت وبدأ وكأنه يريد قول شئ آخر ولكن امرا ما يحول دون ذلك وهنا انتهز الصبي الآخر الفرصة ليكمل الحديث قائلاً لاكر ان بورا كانت تنادي مستنجدة به الى ان رحل الركب عن الحقول .. وهنا احتدمت العبرات وتفجرت الدموع وعاد اكر للبكاء ثانية والصبيان يرمقانه بعيون باكية ايضاً .. ثم جلس يكفكف دموعه وطلب من الصبيان ان يمضيا في حال سبيلهما وعادت تلك الدائرة وقد بدأت اكبر حجما من ذي قبل .. لقد كان في قلب بورا حتى اخر لحظة .. برغم السياط والرماح والاغلال لم تركن لجلادها بل ظلت تقاوم لكي لاتكون لغيره .. انها لم تكن تستنجد بأي شخص اخر من اهل الاكواخ بل كانت تنادي باسمه هو وهي تعلم بأنه بعيد عن الأكواخ وهاهو الآن قد عاد ومازال لديه الوقت لعمل ماينبغي عمله كما ان كل شئ اصبح واضحاً .. عرف بداية الطريق الذي مكنه من تحقيق هدفه وعرف اعداءه ايضا وهذا يعينه كثيرا في انجاز مهمته .. وقام عن مكانه ينفض عن كفيه ماعلق بهما من تراب ثم مضى يقصد دار اهله .. ومع انه لم يكن للسعادة مكان بين اهل الاكواخ في تلك الايام الا انه ظهرت مسحة منها على وجه العم سايس وزوجته وابنته مويا حيما بدأ أكر يعود الى طبيعته بعد تلك المحنة القاسية التي مر بها في الأمس .. وجاءت شقيقته مويا تحاول ان تواسيه في الآمه واحزانه وان تخفف عنه قليلا وهي تعلم حق العلم ان لاشئ يسليه عن بورا .. وابتدرت كلامها تخبره بانها في ذلك اليوم كان من المفترض ان تكون من ضمن الذين وقعوا في الاسر اذ انها ذهبت الى الحقول وجلست لفترة مع بورا تتحدثان ثم عادت الى الاكواخ لتكون بقرب امها ولم يمض على ذلك طويل من الوقت حتى حدث ماحدث .. وساقها الحديث الى امور اخرى .. غيرن ان اكر لم يكن يشاركها ي اي مما قالت بل ظل صامتا يرمي بنظره بعيدا .. ربما انه سارح في واد آخر .. بعيد كل البعد عن هذه الديار .. ذلك الذي تسير فيه قافلة الاشرار الذين فجعوه في اغلى ماكان يدخر .. وكأن مويا قد قرأت مايدور في ذهن اخيها من افكار مخيفة .. ومضت الى امها تنقل اليها ذلك الاحساس الغريب الذي انتابها فجأة تجاه اخيها .. انها تحس بأنه يبيت النية على فعل شئ ما .. ربما يود ان يسلك طريق الموت الذي سار فيه دلدوم .. فأحاسيسها كما عهدتها لاتكذب ابداً .. فهي تعرف اخيها حقا وتعرف عناده كما تدرك مدى تعلقه وحبه لبورا .. انه لو ترك وشأنه فسوف يمضي للموت على قدميه ولن يعود ابدا .. وعاد القلق القاتل يساور الأن وابنتها فإختليا بالعم سايس يعبران عن قلقهما تجاه ذلك وتطلبان منه ان يفرض عليه رقابة صارمة لمنعه من تحقيق مايريد بأي اسلوب اخر غير الإقناع .. ومضى العم سايس يقف على الأمر بنفسه واختلى بابنه يحدثه ليقف على حقيقة ماعزم عليه غير انه لم يستطع ان يقف على شئ سوى ذلك الاصرار القوي الذي ارتسم على جبينه بوضوح .. فلجأ الى اسلوب العاطفة لعل ان يكون فيه الشفاء .. فجلس يضرب الامثال ويتحدث عن المحن التي تلم ببني الانسان والمصائب التي تحل بالكثيرين والفرق بين الاقوياء الذين يتحملونها ويصبرون عليها والضعفاء الذين يتخذون مواقف مزرية حيالها ويتصرفون على نحو عاجز معيب .. واعاد سيرة دلدوم ورجاله .. قائلا انه لم يكن بين اهل الاكواخ من هو اشد قوة واعظم بأسا وامضى سلاحا منه .. كان الرجل الاقوى على الدوام .. وليس من بين الرجال من يقوى على مجاراته في رمي السهام والرماح .. كان جسورا لايهاب شيئا .. ولكن لم تنفعه جسارته ولاقوته ولا سهامه لأن لدى المهاجمين الأشرار مايفوق القوة ويسخر بالشجاعة والبسالة .. وهم بالطبع ليسوا اقوياء انهم اشد ضعفا وجبنا من نعامة لكن ذلك الذي يدوى كالرعد يكسبهم قوة زائفة هي ليست لهم في واقع الأمر ومضى العم سايس في وعظه واكر في شغل عنه .. لم تلج اذنيه كلمة واحد من مجمل ماقيل رغن انه يحاول التظاهر بالانتباه والإصغاء .. غير ان فراسة العم سايس كشفت له ماتنطوي عليه سريرة ولده .. فيأتي بالمزيد من مايستدر به عطف إبنه .. فقال له انه الآن قد تقدم به العمر كثيراً وليس له ابن سواه فهو وحيده الذي اتاه على الكبر لذلك فهو كل شئ بالنسبة له .. هو الأمل والحاضر والمستقبل .. وهو من يفترض أن يواصل المشوار من بعده ويحمل العبء عنه ويرعى الأسرة في غيابه .. ولكن كان اكر قد اتخذ قراره في هذا الشأن وأعد العدة للقيام بما عزم عليه اللحاق ببورا اينما كانت لتخليصها ومن ثم العودة بها .. لم يستكن لاي حديث أو أي محاولة لتثبيط همته أو الحياد به بعيدا عن الطريق الذي صمم على ارتياده .. فانتقى قوسا وخير مافي كنانته من اسهم وتزود برمح كان قد اهداه له معلمه الراحل دلدوم .. واخفى هذه الاشياء جميعها بين الاعشاب على جانب طريق ضيق على مقربة من الدار كما تحصل على قربة صغيرة لتعينه على حمل الماء وضعها في مكان اخر بقرب ذلك الطريق .. وذهب الى فراشه مبكرا ليقضي اخر ليلة أو جزء من الليلة اذ كان قد نوى على الرحيل .. عندما يهجع اهل الاكواخ جميعهم .. نعم سيرحل خلسة والا فلن يرحل إلى الأبد .. فليس من خيار امامه الآن فإما أن يمضي أو ان يستسلم ويستكين للواقع ويؤمن ان لا لقاء بينه وبين بورا إلى الأبد ويقطع كل رجاء في هذا الصدد .. وظل متيقظاً يطالع النجوم ويرى فيها طريقه الذي لم يعد يفصله عنه سوى سويعات قلائل .. ويرى ركب الغزاة ويرى بورا ومن معها من الأسرى ويذهب مع خياله الى اماكن شتى وكان هذا حاله الى ان سكنت الأكواخ تماما ولم يعد يسمع سوى نباح الكلاب وعواء الذئاب الواصل من أماكن بعيدة أو سقسقة الجنادب والحشرات بين الأعشاب ساعتها مضى يسترق الخطى ببطء وحذر شديدين ولم يتجه عبر مدخل الباب بل اتخذ سبيله زحفاً عبر كوه في السور المشيد من سيقان الذرة الجافة .. وما ان اصبح خارج الدار حتى اسرع الى حيث خبأ عتاده ولوازمه ليأخذها على عجل حاملاً رمحه في يده اليسرى وأنسل من بين الحشائش يتوسط الطريق الضيق الذي يمر من خلالها إلا أنه ماكاد يفعل ذلك حتى كاد يسقط من هول المفاجأة التي لم يتوقع حدوثها ابدا ولولا ان هوى الرمح من يده لكان العم سايس في عداد الموتى في تلك اللحظات .. لقد ظهر فجأة من بين الحشائش يسد الطريق في وجه اكر سائلا اياه في صوت قوي جاد (إلى اين طريقك يا أكر؟ لاتحسب انني غافل عنك .. فأنا على علم بكل شئ وقد كنت على يقين بانك سوف تفعل هذا لانني اعرفك حقاً .. عد الى الدار اذن أو أجعل قدميك تدوس على جسدي ان اردت المضي في طريقك!!) وانبسط العم سايس على الطريق وظهره على الأرض امام ابنه وهو يقول (الذي يريد الذهاب في طريق مثل الذي تود السير فيه لايسير بجنح الليل متسللا كما تفعل اراذل الحيوان بل يذهب في رابعة النهار على مرأى من الناس .. لقد كنت احسب انك قد صرت رجلا تتصرف كما يتصرف الرجال ولكن يبدو ان ظني لم يكن في موضعه فها انت الآن تفعل فعل الاطفال وعلى اساس ذلك ينبغي ان يكون تعاملي معد من الآن فصاعدا!!) وظل اكر واجما كتمثال .. ترتجف اوصاله وفرائصه من شدة المباغته التي لم يحسب حسابها .. ووجهه منكس .. لم يستطع أن يقول شيئا أو ينطق بحرف بل استدار ومضى يتقدم اباه في الطريق الى البيت تاركاً رمحه في مكانه بين الأعشاب.

  12. #12
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 9 )
    لم يذق العم سايس للنوم طعما تلك الليلة وفي الصباح الباكر طلب من ابنه مرافقته دون ان يقول له شيئا .. ليس هنالك مايقال فقد قال له الكثير والكثير غير ان كل ماقال ذهب ادراج الرياح .. لم يعد لديه من سبيل الا ان يستنجد بساحرة الاكواخ (ميكاكا) لعله يجد لديها مايغير مابنفس وحيده اكر ويعيده الى رشده اذ لم ينفع النصح معه ولا التوسل .. ومضيا كلاهما صامت متجهم الوجه يسلكان شعبا ضيقا تكثر به الصخور والحشائش الشائكة كأنهما يفران من اعين الناس .. والا فقد كان هنالك طريق اخر افضل من هذا الطريق ذلك الذي يمر من امام الأكواخ ويتجه عبر الجسر تم يمضي وراء الحقول ومنها الى الحيز الذي توجد فيه المقبرة .. فهنالك صومعة الساحرة ميكاكا منعزلة تماما عن السهل الذي يضم الاكواخ وتختلف عنه ايضاً فهي على قمة تلة متوسطة الارتفاع تحيط بها أشجار عالية وواجهتها تطل على المقابر مباشرة فيعتقد المرء ان قاطنيها يستأنسون بالموتى دون الأحياء.
    كانت ميكاكا العجوز عند مقدم زائريها في ذلك الوقت المبكر تقف على مقربة من حافة التلة مستندة على عصاها وعيناها ترقبان القبور كأنها في انتظار اشارة ما من أحد ساكنيها .. وتوجه العم سايس الى حيث يمكن ان تراه .. فصعد على حدبة صخرية مواجهة للحافة التي تقف عليها ثم رفع صوته يلقي التحية .. لم ترد عليها ولكنها اشارت له بيدها ان يبقى مكانه .. فجلس واشار على ابنه ان يفعل مثله وبقيا في الانتظار الى ان فرغت المرأة من اداء طقوسها و شعائرها .. ثم استدارات تهبط من تلتها في خفة لاتتناسب وسنها .. فهي في العادة لاتستقبل زائريها في كوخها الا نادرا ً بل تنزل اليهم وتقابلهم تحت شجرة كبيرة عند سفح التلة .. ولما استقرت تحتها اشارت بعصاها تدعو زائريها .. ولعلها المرة الاولى التي يراها فيها اكر عن كثب .. فهو اعتاد ان يراها في بعض الأحيان من علي البعد.. وكأنه قد اشمئز من منظرها فهي تبدو كقرد عجوز .. ويكاد رأسها ان يكون عاريا من الشعر فيما عدا بعض شعيرات بيضاء على جانبي رأسها وقد وضعت في اذنيها اقراطا نحاسية كبيرة الحجم وتستر وسطها بفراء ذئب تفوح منه رائحة القدم .. وعلى جبينها اصباغ حمراء وزرقاء يبدو انها كانت جزءاً من تلك الطقوس التي كانت تقوم بتأديتها ساعة مجيئهما .. القى عليها العم سايس التحية مرة اخرى في احترام زائد فأجابته بكلمة أو كلمتين بصوت أجش متقطع النبرات ودعته وابنه للجلوس فجلسا وجعلت تنظر بعينيها الغائرتين في وجه العم سايس تدعوه للافصاح عن ماجاء من اجله فانفجر يبوح لها بكل شئ واضعاً الأمر برمته تحت رحمتها متوسلا ً بإلحاح ألا ّ تبخل بشئ في سبيل كبح جماح ابنه واثنائه عن ما نوى عليه ووعدها بقربان ثمين اذا ما انكشفت غمته .. عقب ذلك طلبت ميكاكا من اكر ان يدنو منها قليلا الا انه تلكأ في اجابة طلبها بعض الشئ فما كانت الا زجرة واحد من قبل ابيه فإذا هو في المكان الذي أشارت عليه بالجلوس فيه .. فجلست تتأمل وجهه طويلا كأنها تقرأ عبارات كتبت عليه وهي تتلو في سرها شيئا من طلاسمها وتعاويذها .. ثم استندت على عصاها وصعدت إلى تلتها مرة اخرى ولم تلبث ان عادت وفي يدها تعويذة من الجلد ربطتها بإحكام في اعلى ذراع اليد اليسرى لاكر ثم إقتادته من يده كما يقاد الطفل الصغير إلى ان وصلت به الى نقطة على مقربة من القبور وطلبت منه ان يجلس في وسط حفرة صغيرة غير عميقة وجعلت تدور حوله مغمضة العينين وهي ترتل طلاسماً لم يفقه اكر شيئا من معانيها والعم سايس يشاهد مايجري من على البعد وبعد ان دارت لعدة اشواط انحنت تأخذ قبضة من تراب من داخل الدائرة لتكشحها بقوة على رأس اكر .. ولما كانت هذه اخر الطقوس فقد عادت الى حيث يجلس العم سايس مبقية اكر على ذلك الوضع الى حين اشارة منها .. كان العم سايس متلهفا لسماع مايطمئنه ازاء ابنه .. وما ان جلست ميكاكا حتى زحف نحوها ليسمع منها ما يزيل توجساته .. لكنها لم تدل بشئ أكثر من طلبها أن يأتيها فيما بعد بأنياب ذئب وكبد قرد وقلب شاة .. وعادت الي صمتها مغمضة العينين.
    اخذ العم سايس اكر ومضى عائدا بوجه شاحب وهو يخوض في هموم وأحزان لا ساحل لهما .. إن وحيده ليس على مايرام وعلاجه ليس بالسهل ويحتاج لوقت طويل .. فإن صبر هو على ذلك فكيف يضمن صبر ابنه .. كانت ميكاكا آخر أمل يدخره لكنه لم يجد عندها عاجل الشفاء .. إنها مازالت تطلب اشياء لبدء العلاج .. وهذا ايضاً هم أخر .. كبد قرد وقلب شاه .. وفوقهما أنياب ذئب .. قلب الشاه وكبد القرد أمران قد يسهل الحصول عليهما ولكن انى له بأنياب الذئب وقد مات صائد الذئاب والسباع .. وحتى لو وجد من يصيد له ذئبا ً فمتى يتمكن الصياد من انجاز ذلك؟ إن الذئاب أكثر السباع حرصا فهي نادراً ماتقع في الفخاخ .. والله أعلم إن كان أكر سيكون منتظراً إلى ذلك الحين أم لا .. رباه كيف المخرج من هذه النازلة !!؟

  13. #13
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 10 )

    بدأ اليأس يدب في نفس بورا وقد احصت من الايام ما يعادل اصابع كفيها .. وهي تسير في اغلال الغزاة تقاد الى مصير غير معلوم .. فهم مثل هذه الجياد .. يمشون تحت رحمة هولاء الأوغاد يسيرونهم أنّى شاءوا .. وضعف املها في الخلاص من هذه المحنة .. ولو علمت ان اكر قد وضع الآن اولى خطواته في الطريق اليها لما وسعتها الارض فرحا وسعادة ولعاد الأمل اليها قويا براقا .. نعم لقد تمكن من الفرار في المرة الثانية .. فر ّ عن الاكواخ في رابعة النهار متسللا عبر احد الشعاب دون ان يلحظه احد وقبل ان يتمكن العم سايس من الحصول على كبد القرد وانياب الذئب .. واكتفى برمح واحد في تسلحه .. ذلك الذي تركه بين الحشائش عند مداهمة ابيه له في المحاولة الاولى .. وبقربة صغيرة لحمل الماء .. لم تفلح تعويذة ميكاكا ولم تجدِ مراقبة ابيه في ابطال مفعول عزمه القوي وحبه الاقوى .. لقد كانت بورا كل شئ في حياته بل هي الحياة فلا حياة له بدونها .. فليذهب اذن في طريقها فلئن ظفر بها فهو المرام وان هلك في سبيلها ففي ذلك حياة له .. وليكن الله في عون اهله من بعده .. ولا احد يدري ان كان ذلك سيسعد بورا في حال علمها أم لا؟! انها على يقين من أن خلاصها في حكم المستحيل وان كل من يحاول ذلك ستكون نهايته مثل تلك التي وصل اليها دلدوم وهي بالطبع لاترغب في ان يكون ثمن خلاصها حياة من تحب .. لكنها لم تفتأ منشغلة بذكرى اكر ولم يستطع الأسر ان يمحو صورته من خيالها .. في كل حين تراه امامها خارجا من بين الأحراش يسد الطريق امام الركب وساعة تراه يعدو لاهثا خلفها .. لكنها تأمل في قرارة نفسها ان تبقى هذه الصورة في نسج الخيال والا تغدو حقيقة فترى نهاية معشوقها مسطرة امام عينيها .. وكما هي على يقين من استحالة الخلاص فهي على يقين ايضا من ان اكر سيفعل شيئا ان لم يزل حيا ولن يخضع لاي ارادة تقف في سبيل ذلك .. تدرك عناده وصلابته و تخشى ان يجره هذا العناد الى ما لا تتمناه له .. ليته ينسى ويعتاد الحياة بدونها فهي لم تعد ملكه ولاملك نفسها .. منذ ايام بدأ ذلك الشيخ القذر .. قائد الركب يعاملها معاملة خاصة فطلب من اعوانه فصلها عن بقية الفوج والاكتفاء بحبل في يدها لكي تقوم بخدمته اثناء المسير .. وأي خدمة هذه التي سوف تقدمها له .. انها اعتادت أن ترى فتنتها وجمالها في وجوه الآخرين كما تنعكس الصورة في المرآة .. وهاهي ترى ذلك واضحا في وجه هذا الشيخ القذر الذي تكاد عيناه الخبيثتان ان تفترسها .. ينظر الى جسدها بنهم مثل جائع ينظر الى اطباق الطعام المفروشة امامه وينتظر لحظة الانقضاض .. يبتسم اليها من غير ان يكون هنالك مايدعو للابتسام .. كل الظواهر تشير الى شهوة عارمة يعقبها هجوم مؤكد إن لم يكن اليوم فغداً .. سيحاول الأستيلاء علي ما تدخره لاكر لكنها ستمنعه من ذلك بكل قوة .. ولكنها تعود الى الواقع وتجابه الحقيقة .. اي قوة تلك التي تستطيع صد وغد كهذا؟! انها الان اسيرته وتسير تحت رحمته .. في ركابه ينام الموت المحقق .. وهو الآمر والناهي لكل افراد الركب الأسرى والآسرين معاً .. أن استدعى الأمر فقد يطلب من رجاله تعريتها تماماً أمام عيون الجميع وربما فعل بها مايريد امامهم ايضا فمثله لايتورع عن سوء .. غليظ القلب .. وساعتها لن تكون الا حطام امرأة يعوذها العفاف .. نعم لقد بدأت العاصفة .. وكانت على حق فيما اعتقدت اذ تطور الأمر وتحولت مرحلة الابتسام والنظرات الفاحصة الى مداعبة .. لقد عصر نهدها وهي منحنية تصب له الماء مرة كما قرصها في اخرى على فخذها .. ولم تفعل اكثر من ان ابتعدت عنه قليلا .. الأن بدأت أولى مراحل السطو الفعلي على نفائس اكر التي ائتمنها عليها .. رباه كيف النجاة .. انها تشم رائحة شهوة قوية تنبعث من كل عضو في جسده ومع كل حركة يقوم بها .. قد باتت على يقين بان المرحلة التي ستعقب هذه المقدمات آتية لاريب فيها.
    كان القمر قد استدار قرصا كاملا وتهاوت سناياه على تلك الأرض المتدثرة بطبقة كثيفة من الرمل المتموج ذو اللون الأصفر فبدأت كبحر عسجدي لاساحل له .. وهبت نسمات بعثت مزيدا من النشاط في اجساد افراد الفريقين الذين كانوا قد تأهبوا لمتابعة السير بعد فترة استجمام استطعموا خلالها واراحوا الابدان من عناء سير طويل .. وانتصب الأسرى في رتلهم الطويل وقد اعيد شد اوثقتهم استعدادا للرحيل .. وهاهي بورا الأسيرة المدللة تواجه قدرها المحتوم فالشيخ الفاجر امر الركب بالتحرك امامه ريثما يقضي وطرا وخادمته بورا مربوطة الى سرج حصانه كانه يستعد للرحيل ايضا .. وهي تدرك لاي غاية يستبقيها فتوشك ان تصرخ مستغيثة ببقية الركب ألا ّ يمضوا بدونها .. ولكن هل من مجير .. ستضيع صرخاتها في متاهات هذه الرمال التي لا نهاية لها .. هذا قدرها وعليها ان تواجهه بصبر .. وطاف اكر في خيالها في تلك اللحظة يستل خنجره وينقض كالليث على ذلك الشيخ القذر ويُعمل فيه خنجره حتى يخرج من بين فقرات ظهره فيهوي يسبح في دمائه القذرة .. وسادها رعب قاتل والشيخ يتقدم نحوها وقد تعرى عن ثيابه تماما وتراجعت الى الوراء حتى تعدت الفرس المربوطة الى سرجه حتى آلم الحبل معصمها وظلت تراوغ ولكن الى أين .. فالنهاية على وشك ولن يزيدها ذلك الا إجهاداً .. ووقعت أخيراً بين يدي الوحش .. واحست بشعر صدره الخشن وهو يدوس على نهديها ويطوقها بيديه .. ووصلتها انفاس حارة مخمورة فسرت النار في كل اطراف جسدها وتاهت في عالم لم تلجه من قبل ولم تعد تدري عن شئ ولاحتى بانفكاك الحبل عن معصمها .. وانقض الوغد بكل قوته على فريسته الجاثية بين يديه .. ولكنه يتقهقر الى الوراء مرتدا بقوة قبل ان يفرغ من شهوته المتقدة .. لقد اعادتها الآم الإيلاج الى الوعي فركلته بقوة وقبل ان يسترد قواه ويعيد الكره كانت قد استغلت تحررها من الاصفاد واطلقت لساقيها العنان .. ولكن اين المفر وبينهما وبين ديارها مالا طاقة لها به و أين الملاذ في هذه السهول الرملية التي لا ملجأ فيها ولا مجير .. وماهي الا لحظات حتى كان الوحش على بضع خطوات منها .. على ظهر فرسه كما ولدته امه .. وهوى عليها وهوا أشد اثارة من ذي قبل .. كلاهما يلهث بقوة .. وطفقت يداه تطوقها وصدره الملئ بشعر كأنه الشوك يضغط على نهديها فيؤلمها وتتأوه .. وتمتد اصابعها فتنشب اظافرها بكل قوتها في وجهه الخالي من كل سمات الرحمة فيحاول الخلاص .. ولكن رويدك أيها الشيخ المغتصب فدون الشهد ابر النحل ودون الثمر اليانع وخذ الاشواك .. وعادت النار تندلع في كافة جسدها وتمتد يده تدغدغ نهديها المنتصبان كثمرة جوز استوت وحان قطافها ثم تنحدر لتستقر في مكان ترقد فيه وديعة اكر فتعبث بها أيما عبث وتزيد النار تأججا .. ويرفعها الشيخ النهم الى فضاء واسع فترى اكر من فوقها بين المروج يضمها في صدره فترسل ساقيها كل في جهة وتمتد ذراعاها تطوقه بشدة على وسطه ثم تعلو وتهبط بعجزها متأوهة في الم ولذة مزجا معا والشيخ الوغد قد تكوم كجثة من فوقها بعد أن خمدت جزوته وتركها تسبح لوحدها في ذلك الفضاء دون ان تبلغ وجهتها.
    حين عادت بورا الى واقعها كانت عذريتها قد استبيحت وفقدت اثمن مقتنياتها وانفسها ولم يعد لديها ما تدخره لاكر .. وانفجرتتبكي في حرقة .. والوحش ينظر اليها مبتسما وقد بدأت عليه نشوة لايعرف ان كان مبعثها الاعجاب ام الظفر .. ثم نهضت تكفكف دمعها وترسل تنهدات تنم عن حزن يموج في اعماقها .. لم تلجأ للفرار رغم انها كانت طليقة بل توجهت الى حيث يقف الفرس ومدت يدها لوضع الوثاق في معصمها .. لم يعد هناك ماتفر من أجله .. لقد سطا الوغد على نفائسها وعادت تنظر الى نفسها بإحتقار وإزدراء اذ لم تعد الا حطاما.

  14. #14
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 11 )
    إنقضت ليال ثلاث على رحيل اكر وعاد فريق البحث الى الأكواخ منهكا خائر القوة لايحمل الا العزاء والمواساة للعم سايس في مصابه الجلل اذ لم يعثروا على أثر لاكر .. لم يتركوا مكانا بين الأحراش أو مخبأ الا وقد فتشوه .. ومضوا في ذلك الى ان تعدوا الموقع الذي قتل فيه دلدوم ولكن دون جدوى .. عادت السماء تسأل الأرض والأرض تسأل السماء ان رأت احداهما أكرا .. وتسطرت مأساة جديدة في افق الأكواخ بفقد ذلك القتى الشهم المقدام .. وعزفت الطبول تصدر إيقاعات اكثر حزنا واشد أسىّ .. لقد أصبح اكر في عداد الموتى فذلك الطريق الذي سلكه لايعيد احداً من بعد .. ترك رحيله جراحا غائرة في نفوس اهله وأهل الأكواخ عامة .. اذ كان ذخرهم وفخرهم وعاد الكون عتمة امامهم لايرون خلالها الا غمائما من الأحزان والآلام .. وولت الأفراح الى غير رجعة .. فلا أمل ينتظر ولارجاء يرجى.
    كان أكر قد إجتاز الوادي الذي ضم رفات دلدوم بكثير وهو لايكاد يصدق انه أصبح بمنجى من أن يلحق به رجال الأكواخ فقد أوشك في الليلة الماضية على الوقوع في ايديهم لولا انه التجأ بذلك الوجار المهجور .. لقد احس بحركة اقدامهم وهم يسيرون على عجل من فوقه حتى تساقط التراب عليه وكاد سقف الوجار ان ينهار على رأسه وينكشف أمره .. لكنهم مروا في سلام وبقي هو ملازما موضعه ليوم كامل حتى ايقن انهم عادوا الى الأكواخ .. ومضى يسلك طريقه مقتفيا الأثر حينا وحينا تحول الأعشاب دون ذلك فيهتدي بما خلفته الجياد من روث وماخلفته النار من رماد .. اذ كان الغزاة كثيرا ما يتوقفون لاعداد الطعام .. وفي بعض المواقع كان يجد اثار اقدام السبايا واضحة لكنها متداخلة في بعضها فهم كثر ويسيرون في رتل واحد مستقيم .. فيقف متأملا ليته يستطيع أن يميز من بين تلك الآثار آثار بورا.. ولاحظ ان الطريق الذي سلكه اولئك الاشرار يمر في قلب الأحراش أو عبر الأودية .. فلهم في ذلك حكمة اذ انهم يتجنبون كل ما من شأنه أن يجر عليهم المشاكل والبلايا فقد يهاجمهم اهل القرى الأخرى ويحرمونهم ماغنموه .. وعليه هو ايضاً ان يلازم هذا الطريق ولايحيد عنه حتى يأمن الا يعترض سيره احد لأنه ربما يكون بعض أهل الأكواخ قد وصل الى تلك القرى للبحث عنه .. فهو يدرك ان اباه لن يدخر جهداً في سبيل العودة به الى الديار.
    ان بينه وبين بورا مسيرة عشرة ايام على الأقل ويلزمه أن يحث السير ليدرك الركب الذي يضمها أو حتى اثاره فكلما مضى يوم مضى من الأمل جزء لذا فقد كان يواصل السير لايفرق بين ليل أو نهار ولايتوقف الا نادرا .. فقط عندما تقتضي الضرورة .. لم يحمل هما للطعام ابدا ولم يحتط لذلك وكان اذا عصره الجوع يلجأ إلى بعض ثمار الأشجار أو أوراقها أو إلى اعشاش الطيور ليمتص عصارة بيضها ولايشرب من الماء الا قليلا فالطريق امامه مازال غامضا والرحلة مازالت في بدايتها وعليه ان يقتصد في كل شئ ويحسب حساب كل شئ فلا أحد يأمن مفاجآت الطريق.
    لم ينتبه اكر وهو يهوي بجسده المتهالك من شدة الإعياء والإنهاك ان النقطة التي قصدها ليأخذ قسطا من النوم كانت ملتقى طرق إذ كانت اثار ذلك واضحة الا انه كان في حالة من التعب والفتور جعلته لايلتفت الى غير الموضع الذي يستقبل جسده فقط .. فتكوم على العشب واضعا القربة والرمح على مقربة منه ثم ذهب في نوم عميق فهو لم ينم الا لسويعات قليلة منذ ان فر عن الأكواخ.
    وإذا بقافلة اخرى تحل بذات المكان تجر فوجا من الرقيق يبدو انهم أسروا من قرى أخرى فالموجة قد عمت .. وترجل افرادها ينيخون جمالهم .. كانوا خمسة رجال واسراهم احد عشر مابين فتى وفتاة وصبي مكبلين بالحبال وتبدو عليهم اثار الإجهاد و الإعياء الشديد من جراء سير طويل .. وما كادوا يحطون الرحال حتى راي احدهم اكر غرقاً في نومه بين الحشائش وكان قد حسبه ميتا في بادئ الأمر لولا ان رأى صعود وهبوط انفاسه .. فعاد مهرولا يبشر رفاقه بصيد آخر سهل المنال .. فمضوا جميعا الى حيث ينام أكر وقد أعدوا مايلزم لذلك .. وبهدوء تام قام اثنان منهم بوضع الحبال في يديه ورجليه وشدوا وثاقه جيدا ثم تركوه يغط في نومه وعادوا الى موضعهم يستريحون ويستطعمون وهم فرحين بصيدهم الجديد الذي لم يكلفهم جهدا ولاعناء بل وقد كان صيدا ثمينا أثمن بكثير من جميع مامعهم.

    حينما افاق اكر من نومه العميق ورأى الشمس قد توسطت السماء لام نفسه على افراطه في النوم وحاول النهوض مسرعا لكي يعوض ما اضاعه من وقت الا نه وجد حركته مقيدة ولما فطن للأمر الفى حبالا تكبل يديه ورجليه دون ان يرى احدا من الناس بقربه .. فأخذته الدهشة وظن أنهم قومه .. لاشك أنهم قد لحقوا به وهو في نومه فكان لقمة سائغة في ايديهم لابد انهم في مكان ما من حوله يرونه من حيث لايراهم .. يضحكون ويسخرون .. اللعنة على النوم فلولا ذلك لكان بعيدا عنهم ولما ظفروا به ابدا .. لقد اضاع بهذا الفعل كل الجهود التي بذلها كما اضاع كل امل في لقاء بورا وتخليصها .. واراد ان يلطم على وجهه بكلتا يديه ولكن القيود كفت وجهه شر ذلك .. وماج في اعماقه غضب استحال ثورة عارمة وهو يتوعد رجال الأكواخ بكل شر ان هم لم يطلقوا سراحه ويتركوه يمضي في حال سبيله .. وماهي الا لحظات حتى كان من حسبهم قومه بجانبه يضحكون تهكما .. واتسعت دهشته الى اقصى مداها حين رأي رجالا آخرين غير رجال الأكواخ .. وعلى رؤوسهم العمائم متدثرين بثياب بيض تميل الى الإحمرار .. يحملون السيوف والسياط وشيئا فشيئاً خفت حدة ثورته وأنشأ يحملق في وجوه هولاء النفر .. هم اذن ذلك الهدف الذي يتوق اليه وينشده .. اين بورا إذن؟ أين بقية الأسرى؟ سيصبح الآن واحدا منهم وسوف يلتقي ببورا ويضمهما قيد واحد .. فما أحلاه قيد .. وإستعجب الرجال ذلك التغير الطارئ على حال اسيرهم فقبل لحظات كان كالثور في هيجانه يرغي بما لم يفهموه ويصارع بكل قوته وهاهو الآن يسوده هدوء تام ورضاء بيّن حتى حينما ذهب أحد الرجال يرخي وثاقه لم يبد أي مقاومة بل قام طائعا لينضم إلى بقية الفوج.
    لقد أصيب أكر بخيبة أمل كبيرة حين لم يجد من بين الأسرى بورا ولا أي من ابناء الأكواخ .. كانوا جميعا من قرى اخرى .. غرباء عنه .. وعادت ثانية تعتريه ثورة هوجاء .. وطفق يصرخ بأعلى صوته : "أين بورا؟ ماذا الم بها؟ أين هي؟" ... وتجمع الرجال جميعهم يشدون وثاقه بمزيد من الحبال .. ورفاقه من الأسرى ينظرون اليه في استغراب ويتساءلون من تكون بورا التي ينادي بإسمها هذا الفتى؟! وبعد جهد جهيد تمكن الرجال الخمسة من كبح جماحه وإخضاعه للقيود وهم في عجب من أمره اذ بدأ هادئا راضيا في أول الأمر ثم ما لبث أن عاودته نوبة الغضب والصراخ.
    لم تدم تلك الحالة طويلا .. وعاد الهدوء يسود أكر شيئا فشيئا اذ تمكن من السيطرة على انفعالاته وعاد يتذكر ماقاله العم سايس خلال عودتهما من قرية عمه: "ن يتعرض لمثل هذه المواقف عليه ان يتحلى بالصبر وبالفطنة والا يلجأ الى العنف فهو اذا قاوم هزم واذا انتصر قتل"! .. ليس امامه إلا أن ينتظر الفرصة الملائمة لفعل مايمكن فعله فالوقت المناسب لم يحن بعد وعليه أن يبقى في إنتظار اللحظة المؤاتية التي تمكنه من تحقيق هدفه المنشود.

  15. #15
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 12 )
    كانت الشمس قد غرقت في مغيبها تماما حين تأهبت القافلة لاستهلال المسير بعد فترة طويلة من الاستجمام استجمعت فيها الأجساد قوتها بالراحة والطعام .. وكان ان بدأت الألفة بين العضو الجديد وبقية الاسرى ووجدوه هادئا طيبا كأنه اخر غير الذي رأوه من قبل قليل .. ثائراً هائجاً كثور بريّ جريح.
    ومضت القافلة تسير وجلّ تفكير أكر ينصب في غاية واحدة .. هي بورا .. يجب ان يعثر عليها وان يعود بها الى ديارهم فالطريق امامه اصبح واضحا حتى هذه النقطة وسيعرف المزيد من خفاياه .. لكن أهم ما في الأمر هو أن يعثر عليها فهو لايعرف لها مكانا بعينه.. وكان يطمئن نفسه اثناء السير بأن وضعه وهو في هذا الفوج خير له مما كان عليه سابقا فقد كان يمشي وحيدا لا انيس ولا مؤازر له لكنه الآن يسير آمناً في رفقة اناس يوفرون له الحماية والماء والغذاء بل وانهم قد يوفروا عليه مهمة البحث عن بورا فقد يسوقونه الى حيث توجد فهم ادرى بتلك البقاع.
    لم يشأ اكر أن يصارح رفاق الأسر عما تنطوي عليه نفسه رغم التآلف الشديد الذي اصبح بينهم الا ان أحدهم ساله فيما بعد عمن تكون بورا تلك التي كان يتساءل عنها وعن أسباب تواجده في ذلك المكان المنعزل حيث أسر .. فتلكأ بعض الشئ قبل أن يدعي زيفاً أن بورا هي إبنه اخت له .. صبية في السابعة من عمرها خرجت تحتطب مع رفيقاتها ولم تعد فخرج يبحث عنها.



    ( 13 )

    كان تورو وبقية الرفاق قد انتبهوا لتخلف قائد الركب واختلائه ببورا .. واصبح سر ذلك واضحاً على وجهها اذ عادت حزينة واجمة منكسرة النظرات تكاد لاتستطيع التحديق في وجوه الآخرين .. وقد تعلق بها القائد .. ذلك الشيخ الفاسق وأصبح في كل مرة يهم فيها الركب بالتحرك يختلق عذراً للبقاء قليلا فيمضي الركب من دونه وبورا حتى يلحق به فيما بعد رادفاً اياها من خلفه على ظهر الفرس واصبح الرجال جميعهم يعاملون بورا معاملة خاصة بناء على معاملة قائدهم لها وتحرر معصمها من القيد وكانت تقوم بخدمة الشيخ اذ جعلها خاصته دون غيرها .. لكنها في حقيقة الأمر كانت تعاني كثيراً من هذا التمييز فثمن ذلك كان شرفها وعذريتها .. وأشد مايؤلمها تلك النظرات التي كان يرميها بها رفاق الأسر .. نظرات ثاقبة ذات معنى خاصة تلك التي تصدر عن تورو منافس أكر القديم فكلما سنحت فرصة كان يرميها بنظرات كالسهام تحس وكأنها تخترق أضلعها ثم تستقر في قلبها .. نظرات تمتزج فيها الغيرة بالشماتة .. اذ تشتعل غيرته كلما رأى ذلك الشيخ القذر يختلي بها ويدللها في المعاملة ويشمت حين يراها حزينة منكسرة النظرات تفترسها الهموم .. وهي التي استهانت به كثيرا وإحتقرته كثيراً .. فيبتسم في خبث ويرميها بنظرات ذات معني .. نعم انه يثأر الآن لنفسه وجاء دوره ليكيل الصاع صاعين .. وتجد بورا له العذر في ذلك .. فهي الآن عارية عن الشرف ولم تعد تملك مايجعلها تتصرف بتلك الكبرياء وذاك التباهي .. فجمالها وقوامها وانوثتها اصبحت مظاهر جوفاء لاسند لها بعد أن هتك الشيخ الفاجر عرضها .. نعم .. انها ليست الوحيدة التي لاقت هذا المصير فقد تعرضت بعض رفيقاتها إلى ذات الموقف بل وقد كان افراد الغزاة يتبادلونهن فيما بينهم بينما هي حكر لقائدهم الشيخ .. ولكن في كل الأحوال كان يجب الا تستسلم حتى ولو دفعت عمرها ثمناً فهي شئ آأخر .. هي لأكر ذلك الفتى الفذ .. وفجأة تتغير طريقة تفكيرها وتأخذ منحنى آخر أكثر واقعية .. فكل الذي جرى كان كرها ورغما عن انفها .. لقد قاومت بكل قوة وبكافة السبل المتاحة امامها ولكن الباغي كان أقوى .. فقد اغتصبها ونال منها ما اراد نيله دون ارادتها فلو قدر لنار الكره التي بداخلها أن تنفجر لاحرقت ذلك الشيخ حرقاً .. فهي تفضل رؤية الموت على رؤيته لكنها ضعيفة مغلوبة على امرها لاتستطيع فعل شئ .. وبرغم ذلك فليس في قلبها غير اكر .. انها تعشقه الى حد العبادة .. لم يبرح خيالها قط .. تصحو وتنام على ذكراه .. حتى حينما يطأها الشيخ القذر فهي ترى أكر وحينما تأخذها الشهوة الى مافوق ارادتها فإنها تعيش معه كل لحظة .. فان جمعتها الاقدار به يوما فلن تخبئ عنه شيئاً.. ستروي له كل شئ بالتفصيل وتضعه أمام الحقيقة .. انه يعرف انها لاتحب سواه ولا تدخر غاليا لغيره .. وهي لا ترتاب في كونه سيصفح عنها ويجد لها العذر فيما حدث فمثل حبهما لاتخمد ناره بسهولة لانه حب الروح للروح وليس سوي ذلك.
    كان الركب قد توغل في المسير وبدا يطأ مواطئ جديدة ويلج دياراً غريبة على جميع اولئك الراسفين في قيودهم .. لقد مضى على ترحالهم ما يقارب الشهر وقد فكت الاصفاد عن جميع الفتيات والصبايا فلم يعد في وسعهم فعل شئ اذ بعدت الشقة بينهم وبين ديارهم ولم تبق الا في ايدي الاقوياء من الفتيان ممن يخشى بأسهم .. أمثال تورو وغيره .. وقد تلاشى أمل النجاة في قلوب الجميع وأعتادوا حياة الأسر وانجلى ذلك الخوف الذي كان يسودهم .. فعادوا الى الحديث فيما بينهم لعلهم يجدون في ذلك مايسليهم ويفرق همومهم .. وسألت (كارا) ذات يوم صديقتها بورا ان كانت مازالت تذكر اكر وهل هنالك امل بعد ذلك في النجاة من الأسر؟ ففاضت دموع بورا قبل أن تشرع في الجواب ثم أنشأت تبكي بكاء شجياً أثار أشجان جميع رفاقها .. فأنفجروا جميعاً يبكون في مرارة كأنهم قد آلوا الى هذا المصير لتوهم .. وفطن الرجال لما يجري وإنهالوا بسياطهم يصدونهم عن ذلك مخافة ان يثير حفائظهم ويؤلبهم .. فخلدوا إلى السكون وكتموا عبراتهم في دواخلهم وكفكفوا أدمعهم خضوعاً لأوامر سادتهم .. من فقد حريته فقد كل شئ وليس من حقه أن يبكي أو أن يضحك أو أن يتلكم أو حتى أن يصمت الا بمقدار مايسمح سالب الحرية.
    بدأت حرارة الجو في الإنخفاض بالتدرج ويزداد ذلك كلما تقدم المسير ولهذا فقد بدأ الرجال يحثون الخطي اكثر من ذي قبل فالشتاء على الأبواب وسيكون وقعه على هؤلاء الأسرى شديداً فهم شبه عراة لاتغطي اجسادهم المنهكة سوى أسمال بالية لن تقيهم من البرد وساعتها سوف يهلك منهم الكثير خاصة اولئك الصبية الذين تتراوح اعمارهم بين السابعة والعاشرة ومن ينجو منهم سيكون صنفاً لايدر على اصحابه الربح الذي يطمعون فيه ولهذا السبب قلت فترات الاستجمام وقصرت .. ولاشئ يعيق زحفهم سوى كثرة القرى التي اصبح الركب يمر بها فهم كثيرا ما يلجأون الى تغيير خط سيرهم واحيانا يضطرون الى البقاء في الخلاء الى ان يأتي الليل فيسيرون تحت جنح الظلام لاحساسهم بعدم مشروعية مايقومون به.

  16. #16
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 14 )

    ذات ليلة إشتد فيها البرد توقف الركب عند سفح ربوة بعد سير مجهد وسط رياح شديدة البرودة عانى منها الأسرى كثيرا اذ هم حفاة عراة وفور التوقف صدر الامر إلى بعضهم لجمع أغصان الاشجار الجافة المتساقطة على الأرض وتكديسها في الحيز الذي إختاره رجال الركب ليكون محل نزولهم فأضرمت النار فيها لاحداث الدفء وجلس الاسرى حولها كل ينافس الآخر ليكون اقرب إلى اللهب المشتعل .. وبورا من خلال ذلك تحاول تقريب صغار السن من الصبية الى مصدر النار فهم اشد حاجة الى الدفء اذ يرتجفون كفراخ العصافير عندما تسقط في المياه .. تصطك اسنانهم وتسيل دموعهم .. ويعتصرهم الجوع أيض اً اذ استنفد الزحف والبرد طاقاتهم المحدودة .. وما ان نال الأسرى وجبة ساخنة من عصيدة الذرة وسرى الدفء في الأبدان حتى خلد الجميع إلى النوم حول تلك النار المتقدة بينما بقى السادة في مجلس منعزل يفترشون الفراء متدثرين بثياب ثقيلة حول نار مضرمة تدور فيما بينهم كؤوس الراح فتعلوا اصواتهم وضحكاتهم تارة وتنخفض تارة حتى تصبح اقرب إلى الهمس .. ووسط ذلك كله تنبري ضحكة مجلجلة .. ضحكة قائدهم الشيخ الماجن ولعلها المرة الأولى التي يضحك فيها منذ ان استهلت هذه الجلسة .. وإذ يضحك ينفجر جميع رفاقه ضاحكين .. وشيئا فشيئاً اصبح صوته هو الطاغي على جميع الأصوات يحكي عن مغامراته العاطفية والمواقف التي مرت به ودارت الخمر براسه أكثر ثم انشأ يحكي عن مغامرته الأخيرة مع بورا .. كيف بدأ وكيف انتهى .. يصف كل ما فيها وصف عاشق ولهان أو شاعر متيم .. وفجأة يقطع حديثه في ذاك السياق ثم يقول بلسان أثقلته الخمر :" لقد أسميتها (نوره) وأريدكم جميعاً أن تنادوها منذ الآن بهذا الأسم فهي اهل له" .. ثم نهض متثاقلا وسط ضحكات رجاله يترنح ذات اليمين وذات اليسار وهو يتقدم الى حيث يرقد الاسرى .. ورغم مابه من سكر إلا أنه استطاع أن يميز من بينهم بورا أو نوره كما أسماها منذ اللحظة فأنحنى يقرصها على فخذيها فهبت من نومها مذعورة وإستدارت عيناها الجميلتان تحملق في وجهه فجذبها من يدها بعنف وقامت تتبعه الى حيث اشار اليها ثم دلف الى مجلس رفاقه ليأخذ فروته ومضى تتبعه بورا المغلوبة على أمرها إلى أن صار بمنأى عن الجميع فدخل بها في فجوة من الجانب الآخر لتلك الربوة وخلع بيده ماعليها من ثياب حتى اصبحت عارية تماما وسط ذلك البرد العاصف وأرقدها وهي مطوقة تماما في حضنه وانقض على جسدها كأنه لم يطأها من قبل بل ولم يطأ غيرها من قبل ولكن كعهدها لم تكن تحس به بل كانت في واد اخر يقودها اليه ليسلمها إلى أكر .. نعم ان الذي يحتضنها الان هو أكر يأخذها في صدره الواسع ويطوقها بذراعيه القويتين فيرفع فخذيها ويمس عليها برفق ثم يمضي في سبيل آخر فيأخذها الى عالم الأحلام ويحلق بها عالياً فوق السحب والغمائم فتظل تسبح في ذلك الفضاء الواسع ولكنه كعادته يتركها تسبح وحيدة فتهوي حال ذلك لتجد نفسها امام الحقيقة المرّة وذلك الشيخ القذر يجمع ثيابه وعلى شفتيه تلك الابتسامة الخبيثة التي تزيد من مقتها وكرهها له .. واذ قضى الشيخ الماجن وطره قامت تستتر بأسمالها وتنفض عن جسدها ماعلق به من تراب وهي تحاول بكل قوتها أن تكتم عبراتها وتخفي الآمها حتى لاتوفر الفرصة لمن يريد ان يشمت من أمثال تورو وغيره فذلك كان أشد إيلاماً .. وسارت في عتمة همومها واحزانها الى ان وصلت الى مرقدها لتحتضن اشجانها ومعاناتها وتنفرد بهما في غفوة رفاقها ولكن تبين لها أن كثيرات لم ينمن وادركت انهن لاقين مالاقت اذ انتهج الرجال نهج قائدهم ولو انه قد بقي في احاسيسهن مايدعو للضحك لضحكن من اعماقهن على مالاقته (كارا) .. فقد بال الوغد الذي افترسها على اسفلها بعد ان قضى وطره فجلست تنتحب في صمت وهي ممسكة رأسها بين يديها وليس من مواسٍ سوى نظرات من عيون دامعة في حاجة هي الاخرى لمن يواسيها.. واخيراً ادرك النوم قافلة الأحزان وتكومت الفتيات في مضاجعهن حول كومة النار ولم تسلم من الهزيمة الا بورا كأن سلطان النوم قد ميزها ايضاً .. ساهرة تناجي اليفها بدموع فائضة واشجان تستعر في كل جوانحها .. تبث اليه شكواها ومحنتها وتروي له كيف جار الجائر عليها فتبكي في دواخلها ويخيل اليها ان هنالك من يرقبها أو يصطنت اليها فتكمم فاهها بيدها حين تسترسل في البكاء .. ومضت إلى ايام الحقول وافراح الأكواخ .. أمها وأبيها وإخوتها .. كيف هم الأن وكيف تسير بهم الحياة من بعدها .. انهم بلا شك قد افتقدوها كثيرا لكنها قد افتقدتهم اكثر .. فهي الآن وحيدة مكسورة الجناح بلا إرادة وبلا هوية وبلا شرف .. حتى اسمها قد استبدل بآخر لاتدري له معنى .. (نوره).. يالسواد هذا المصير الذي آلت اليه .. مابين عشية وضحاها تبدل كل شئ في حياتها وحياة من معها من الأتراب اذ كانوا ينتظرون مقدم العيد والأفراح فاذا هؤلاء الأشرار يغتالون فرحة العيد ويشنقون الآمال على حبال الأسر ويقلبون الموازين رأساً على عقب فيحطمون كل شئ ويقضون على كل حلم جميل ورجاء مرتجى .. رباه أين هو الآن؟ هل عاد من زيارة عمه أم لم يعد؟. وكيف كان وقع نبأ ماجرى لها ولأصحابها عليه؟ انها في أعماقها تحس بأنه سيأتي في أثرها ولن يمنعه مانع من ذلك .. ولن يدعها تواجه قدرها وحيدة .. وإسترسلت في نجواها وتخيلاتها حتى ثقلت اجفانها فمضت تواصل ذلك في أحلامه

    بعد مسيرة يومين او ثلاث من تلك الليلة والركب يجد السير في رحلته صوب المشرق في جو تتصاعد برودته درجة فدرجة .. كانت اعراض أمراض البرد قد بدأت في الإنتشار بين السبايا خاصة صغار السن من بينهم فهذا هو الصبي (فرتاك) ابن السابعة يسعل بشدة وتنتابه اعراض الحمى فيجر قدميه الصغيرتين جراً وهو يرتعش بشدة وصارت صحته في تدهور ملحوظ ولكن ليس في مقدور أحد من الرفاق فعل شئ ولما ازداد الامر سوءاً وغدا عاجزاً عن مواصلة المشوار صار كبار الأسرى يتبادلون حمله فيما بينهم على ظهورهم تثبته يد حامله ويد الذي يليه فليس لدي كل منهم سوى يد واحدة طليقة .. وضرب تورو مثلا يحتذى به في الشهامة حين خلع أسماله ولم يبق الا مايستر عورته ليدثر ذلك الصبي حين اشتد كربه وساءت حاله .. وفاضت عيون الجميع لما صار الصبي يهزي وهو ينادي باسم أمه وتارة ينادي باسم ابيه واخوته .. جدد ذلك جراح الأسرى واثار اشجانهم فبكوا .. واذ ذاك مضت بورا تأخذه لتضعه بين يديها وقد مالت عليه بصدرها تقبله وتمنحه الحنان كما تفعل الام مع صغارها ثم مضت به إلىمقدمة الركب حيث القائد ورجاله وهي تشير إلى الصبي المحمول بين يديها وتستخدم الاشارة للدلالة على مدى معاناته وسوء حاله .. ولكن لم يكن لديهم مايفعل أو حتى مايقال بل نظروا اليه وهم على مطاياهم وتحدثوا فيما بينهم بما لم تفهمه فظلت تحمله اثناء المسير الى ان امتدت ايادي بعض الرفاق تعينها في الحمل ولم يطل الأمر حتى صرخت الفتاة التي كانت تحمل الصبي فتناوله تورو بيد واحدة وجلس به على الارض وقد شخصت عيناه وتصاعدت انفاسه بشدة .. وفي ذلك الموضع لفظ الصبي فرتاك انفاسه في حضن تورو .. وارتفعت الأصوات بالبكاء والنواح المرير ولم تجدِ السياط في درء العبرات هذه المرة .. ولم يستطع الرجال فعل شئ فوقفوا ينظرون الى تلك الوجوه المحزونة الباكية .. لقد بكوا جميعا حتى تورو القوي الذي تسيطر على وجهه ملامح القسوة والشدة وحرك موت هذا الصبي مزيدا من اشجانهم واحزانهم وعاد بهم الى ديارهم والى عشيرتهم .. وقام الرجال بشق قبر صغير في تلك الفلاة اودعوه جثة الصبي وقد كفن بأسماله ثم واصلوا زحفهم ولاشئ يطرق المسامع الا البكاء والعبرات.

    ( 15 )

    مع طلوع شمس اليوم التالي والركب يوشك على التوقف في بقعة تكثر فيها الأشجار والتلال الرملية لاحت من على البعد ملامح قرية ذات مباني لم ير هؤلاء الأسرى مثلها من قبل فانشغلت عيونهم جميعاً بتأمل تلك المنازل الكبيرة المبنية من اللبن والطين والتي تحيط بها اسوار عالية .. لقد مروا بكثير من القرى لكنها لم تكن بهذا الحجم بل كانت في معظمها عبارة عن أكواخ تشابه اكواخ قريتهم أو بيوت من أعواد الشجر والقش صغيرة في حجمها وليس لمعظمها أسوار .. ولقد تبين أن رجال الركب كعادتهم لايودون المرور بأسراهم من خلال القرى لذا فقد أجلسوهم في مكان مستتر تحف به الأشجار من كل جانب ثم مضى اثنان من الرجال على فرسيهما الى القرية بينما بقي الأخرون في ذلك الموضع مع سباياهم.
    لم يطل غياب الرجلين حتى عادا وقد حملا على مطيتيهما الكثير من المؤن اللازمة من طحين وذرة ولحم مجفف وغيره وفوق ذلك كله اتيا بثياب جديدة للسبايا الذين كانوا شبه عراة كما عادوا بقدر ملئ (بالودك) قدموه لهم لوضعه على اجسادهم التي تقرحت وتشققت من اثر السير ومن لسع البرد .. وقد سروا بذلك كثيرا وسرعان ما ارتدوا تلك الثياب من فوق أسمالهم القديمة دون خلعها ولم يكن السبب في ذلك السرور من باب ان لكل جديد لذة بكل لكسبهم مايعينهم على مواجهة ذلك البرد الذي اصبح يشتد كلما تقدموا الى الأمام .. ولعل رجال الركب قد ادركوا مدى خطورة هذا الامر على أسراهم بعد أن مات ذلك الصبي (فرتاك) .. قد يؤدي ذلك إلى خسائر فادحة اذا ما أستمرت اعراض المرض في الانتشار بين افراد الفوج.

    وتزاحم الأسرى على وجبة ساخنة.. فقد كانوا في حاجة الى مثلها فهم لم يذوقوا طعاما منذ الليلة الماضية اذ نفذ مخزون الطعام واستنفذ السير المتواصل في ذلك الطقس البارد كل ما لديهم من طاقات .. ولاحظ أفراد الفوج أن كمية الطعام التي باتت تقدم لهم اكبر من ذي قبل ولم يكن ذلك الا من قبيل مايفعله تجار الماشية حين يخلطون الأعلاف بنسبة كبيرة من الملح قبل أخذها إلى الأسواق لتبدوا سمينة ومعافاة .. فهؤلاء النفر شأنهم شأن اولئك .. يزيدون كميات الأكل عندما يوشكون على دخول الأسواق ويلمعون بضائعهم بالزيت والودك قبل وضعها على منصات العرض .. وهاهم الآن على مقربة من الأسواق التي تتداول فيها مثل هذه التجارة .. تجارة البشر .. يوضعون في صفوف طويلة وقد دهنت اجسادهم جيدا حتى تلمع مع أشعة الشمس وتدق الاجراس .. كل يعرض سعره .. البائع يفرض السعر والمشتري يساوم في السعر .. يجس الفتى من كتفه و زنده والفتاة من ردفها وصدرها.
    واستمر الزحف.. واصبح ظهور القرى ذات المنازل الكبيرة والاسوار العالية امر عادي بالنسبة للأسرى ولكن مالفت انظارهم وشد انتباههم ذلك النهر الطويل العريض الذي بدأ ناحية اليمين وأصبح يشاركهم الزحف كأنه اسير هو الآخر .. كلما مضوا في طريقهم مضى معهم بحقوله ومروجه المخضرة .. يبدو مثل وديانهم عندما تفيض في موسم الامطار لكنه أكثر عرضا وإتساعاً .. وأثار منظر الحقول ذكرياتهم وأهاج اشجانهم حتى أغرورقت أعينهم بالدموع وردد البعض في سره تلك الاغاني التي كانت تؤدى في الحقول على وقع الشخاشخ .. وإرتفع صوت أحدهم قليلا اذ قد نسى همومه فالتقط البعض ذلك وكانت منهم كارا ذات الصوت الرخيم فلم تستطع كبت مشاعرها والسيطرة على أحاسيسها فرددت ماسمعت بصوت عذب جهور وإرتفعت جميع الأصوات تشاركها الغناء.

    واختلط الغناء بالعبرات والدموع فعاد متقطعا ليغدو بكاءاً شجياً .. ولعل ذلك قد أصاب من ضمائر رجال الركب شيئا فلم يعترضوا هذه المرة ولم يستخدموا سياطهم بل ظلوا ينظرون وينصتون وقد بدأ التأثر على وجوه بعضهم .. وأعقب ذلك صمت طويل وظل كل أفراد الفوج يسير بجسده إذا عادت العقول إلى التلال والأكواخ القابعة في أحضانها والى تلك المروج .. وعادت بورا ضمن من عادوا .. لتجد نفسها مع أكر في وكرهما بين الحقول .. فلا تتردد في عناقه وضمه بين أحضانها فتستعر تلك النار في كل عضو من اعضاء جسدها ويوشكان على الوقوع معاً فوق الأعشاب ثم تراه يتركها فجأة ويبتعد عنها فتعدو خلفه صائحة ترجوه أن يعود اليها .. ولقد كادت أن تصيح بالفعل لولا أن تعثرت على حجر اثناء سيرها فأعادها إلى الواقع الأليم وعاد معها بقية الرفاق.
    وعند نقطة معينة انحرف رجال الركب عن خط سيرهم وقد ولوا وجوههم شطر ذلك النهر العظيم وقصدوا حيزا تكاثرت فيه الأشجار وتشابكت أغصانها فبدأ مثل حظيرة متينة السياج تطل على النهر مباشرة وأمتد بعض من أغصان تلك الشجرة حتى لامس المياه .. لقد كان منظرا خلابا يبهر الناظر اليه .. منظر الماء ومنظر أشعة الشمس الفاترة المحمرة وقد تساقطت عليها .. العصافير والطيور قد عادت إلى اوكارها تحمل حصيلة يومها ومن حولها تزقزق فراخها في بشر وحبور ولكن لم يكن من بين الذين قصدوا ذلك المكان في تلك الساعة من يستهويه أو يأسره مثل ذلك المنظر البديع فليس في نفوسهم مكان لمثل هذا .. فهم بين جائر لايرى في الوجود شيئاً جميلا سوى الجور أو مظلوم ظل منشغلا بنفسه حتى إستحال كل شئ في كونه إلى عتمة ولم يعد يرى غير ذلك شيئاً .. وإذ وقف الجمع على ذلك المكان المرتفع وعيونهم تطالع النهر العظيم بدأ لهم مركب يشق عباب الماء آتٍ قبالتهم .. فإتسع نطاق دهشة الأسرى واتسعت حدقات اعينهم واعتراهم شئ من الخوف وهم يراقبون ذاك الذي يشق الماء شقاً دون أن يغوص في أعماقه .. ولما دنا المركب قليلا رأوا على متنه رجلين كل منهما يعمل جاهدا على قضيب خشبي إلى أن استقر على مقربة من ضفة النهر وارتفع صوت أحد الرجلين موجها كلامه الى رجال الركب يدعوهم للتقدم.

    كان عبور النهر على ظهر ذلك المركب أمراً مفزعاً ومرعباً للغاية .. فهؤلاء الفتية لم تكن لهم تجارب كهذه من قبل فبيئتهم خالية من الأنهار ولايغشاها سوى أودية موسمية تأتي مياؤها في حين من الزمان ثم لاتلبث أن تجف أو ينساب ماؤها ليستقر في مكان أخر .. وفي ذروة فيضانها تنحدر في سرعة بالغة ويكون تيارها قوياً فلا تقف أمامه صخور أو اشجارأو غيرها مهما عظم حجمها وعندما تكون على مثل هذ الحال يبقون بعيدا ويدنو أحد منها الا حينما تنحسر المياه ويهدأ تيارها فيكون أمر اجتيازها سهلا وهي في الغالب ليست عميقة اذ لا يتعدى عمقها القدم أو القدمين ولا حاجة إلى قوارب .. ولما كان الحال كذلك فقد كان عبور ذلك النهر على ظهر قارب واجبا عسيراً بعث في نفوسهم مخاوف عظيمة فكلما ترنح المركب الى جهة تصاعد الصراخ عاليا لظنهم أن هذه المطية سوف تلقي بهم في أعماق هذا اليم أو أن تغوص بهم .. وما أن اجتازوا النهر وداست اقدامهم رمال البر الاخر حتى تنفسوا الصعداء وعندما ارتمت الشمس في احضان المغيب تماما كان الجميع قد عبروا الى الضفة الأخرى بعد أن قام المركب باربع رحلات متتالية تم في اثنين منها نقل الرجال وسباياهم وفي الأخريين نقلت المطايا .. وتحت جنح الظلام مضى الرجال وسباياهم يغادرون ضفة النهر وقد جعلوا وجهتهم نحو المشرق ودام زحفهم الى ان انقضى من الليل معظمه ولم يعد في مقدورهم المضى قدما لما بلغهم من التعب والجهد فنشدوا مكانا على جانب الطريق ليقضوا فيه ماتبقى من سويعات.

  17. #17
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 16 )

    في صباح باكر كانت قافلة الشيخ الماجن تهم بدخول بلدة اكبر من جميع مامر بهم .. ذات مزارع وحقول وأشجار.. اكتست تربتها المتصدعة في كثير من اجزائها بلون داكن .. وانشغل السبايا بالنظر الى تلك الحقول والى المنازل الكبيرة المتقاربة من بعضها حتى وجدوا انفسهم وقد دخلوا سورا واسعا منعزلا عن بقية المنازل فذكر بعضهم صومعة الساحرة (ميكاكا) وانعزالها عن بقية الأكواخ .. لقد كان السور خاليا الا من غرفة واحدة مقفلة وعريشة ماهلة مشيدة من اعواد الأشجار والحصير اتخذت مقراً للسبايا .. كان ذلك أول عهد لهم بالنزول في مكان مميز منذ ان تم سبيهم اذ كان نزولهم العراء بين الآكام والأشجار .. وظن بعضهم أن هذا السور الفسيح هو المحط الأخير لتسيارهم وخاتمة المطاف حين رأوا رجال الركب يتصرفون في تلك الدار تصرف المالك في ملكه .. وفكت عنهم الأصفاد كما اقتيدت المطايا الى حظيرة في داخل السور .. وجلسوا في انتظار ما تأتي به الساعات القادمة وهم لايدرون أشرٌ أُريد بهم ام أردا بهم آسروهم خيراً.
    رأي السبايا أول مارأوا عندما أستيقطوا من نومهم العميق وجوهاً جديدة لبعض الرجال .. نعم لقد انضموا اليهم هنا في هذا السور الواسع الارجاء .. ولماذا تراهم قد جاءوا إلى هنا واي دور سيلعبونه فيما تبقى من فصول مأساتهم؟!
    كانت القافلة الأخرى التي ضمت أكر تجد السير في اعقاب قافلة بورا .. تتبع ذات الطريق ولاتحيد عنه .. كأنهما تتبعان خطة موحدة في سيرهما .. فتلقي رحالها في نفس المواقف التي القت فيها القافلة الأولى رحالها ويدل على ذلك مخلفات النيران وروث المطايا واثار الأقدام والحوافر .. وكانت مثل هذه الآثار تثير أشجان أكر فيتأمل كل ذلك بتركيز شديد كمن يبحث عن شئ ثمين مفقود .. وخلال ذلك كانت تراوده فكرة الفرار عن القافلة فهو يراها تسير على مهل وتكثر من التوقف وهو الذي يريد أن يسابق الريح ليلحق بركب بورا .. فهذه الآثار والمخلفات حديثة العهد وهذا يعني أن المسافة بين القافلتين قد تقلصت إلى حد كبير وليس بينهم سوى يومين أو ثلاثة ايام .. فان لاذ بالفرار فسوف يتمكن من ادراك ركب بورا في أقل من ذلك .. ولن يضير فراره آسريه في شئ فهو لم يكن بأكثر من صيد عابر إعترض طريقهم ولم يبذلوا في سبيل اقتناصه جهداً يذكر .. كل مايهمه الآن هو أن يجد بورا وان يسيرا معا في ركب واحد فان لم يكن من القيد بد فالخير أن يجمعهما قيد واحد .. كان يصغي بإنتباه شديد كلما تحدث رجال القافلة فيما بينهم لعله ان يدرك امرا برغم انه لا يفقه من حديثهم شيئاً ... وظلت فكرة الفرار في الأيام الأخيرة تتبلور في ذهنه واصبحت شغله الشاغل ولكن تبقى خطة التنفيذ غير واضحة المعالم محفوفة بالمخاطر .. كيف يجد السبيل الى ذلك ويداه مغلولتان؟! ثم إلى اين الفرار والطريق أمامه غامض ويسير في صالح الغزاة اذ يتجه صوب ربوعهم واهليهم؟! انه اذن كمن يستجير من الرمضاء بالنار؟! وعلى مضض بدأت فكرة الهروب تضمحل في ذهن اكر وتخمد واقتنع بأن وضعه الحالي هو الأفضل من كل مغامرة أو مجازفة غير مضمونة العواقب .. وان كان هنالك نصيب في لقاء بورا فسوف يلقاها ويجتمع شملهما مهما بعدت الشقة ومهما سدت السبُل.

    ***

    كانت شهامة اكر ومروءته قد وضحت لرفاق اسره بل وتظل تزداد وضوحا من يوم لآخر .. فقد كان يؤازر الجميع ويقدم كل مافي وسعه من عون وبخاصة للصبية الصغار فيحمل على ظهره من تبدو عليه علامات الأعياء والفتور ويرفع يده عن الطعام قبل أن يشبع ليوفر لهم فرصة لتناول المزيد منه وعندما تراجعت حرارة الجو وسادت الرياح الباردة كان يبقيهم في الوسط اثناء المشي ويقربهم الى النار حينما توقد للتدفئة .. وقد بدا الإعجاب به واضحا في وجوه ونظرات رفاقه خاصة بين الفتيات حتى وهن في غضون هذه المحنة .. فكانت كل واحدة تحاول لفت انتباهه أو اختلاق مايمكنها من التحدث معه أو السير بقربه ولم يكن يكثر من الكلام فهو طويل الصمت شارد الذهن لايتحدث الا من خلال افعاله وصفاته .. وقد استبانت تلك الخلائق والصفات مع القوة الجسمانية لآسريه أيضاً فسروا بذلك في انفسهم اذ حوت بضاعتهم مثل هذا الصنف الذي سوف يأتيهم بلا شك بثمن جيد لايستهان به.
    أما وقد بدأت حرارة الجو تنخفض من يوم إلى آخر اخذ رجال القافلة يسرعون في زحفهم مخافة ان تزداد درجة البرودة فيصعب السير خلال ذلك وتتعرض بضائعهم الى اضرار تقلل من عائد الأرباح وخاصة ان اجساد اسراهم ليس عليها مايحميها من البرد سوى نتف بالية من الثياب .. وكثفوا من السير خلال النهار .. فلا يتوقفون الا لتناول الطعام أو للتزود بالماء من بعض القرى التي يمرون على مقربة منها .. اما اذا جاء الليل وزادت حدة البرد فكانوا يجمعون الحطب ويضرمون النار فيه
    فيجلس الاسرى من حولها للتدفئة وسرعان مايغطون في النوم محتمين بالكثبان الرملية من جهة وبتلك النار من الجهة الآخرى وما ان تبدو الخيوط الاولى من ضياء الفجر حتى يستيقظ الجميع فيصطفون في الركب ثم يستهل الزحف بهمة ونشاط .. وعلى الرغم من ان في هذا التعجل الذي طرأ على خطة السير مشقة واجهاد الا أن اكر قد بدا سعيدا فهذا ما كان ينشده .. فاذا استمر السير على هذا المنوال فان المسافة بينه وبين بورا ستتضاءل الى حد كبير وتصبح فرصة اللحاق بركبها اكبر.
    ولما كانت القافلة الثانية تتبع خطوات القافلة الأولى وتسير في نفس طريقها فقد حلت ذات صباح على مقربة من تلك القرية ذات المنازل الكبيرة المحاطة بالأسوار واتخذ رجالها من ذلك الحيز المحاط بالأشجار من كل جوانبه معسكرا لانزال اسراهم تماما مثل مافعل سابقوهم فهم اذن يتبعون نهجاً واحدا وخطة موحدة أو هنالك تنسيق سابق بينهما .. وبما أن المكان محاط بالاشجار العالية ويبدو مثل سورٍ عال فان الرياح لم تتمكن من محو آثار من سبقوا .. فقد كان كل شئ يبدو واضحاً إلى حد كبير .. آثار الأقدام على الثرى وآثار الحوافر وماخلفته النار من رماد .. وقد استطاع اكر تمييز آثار اقدام يعرفها حقا من بين العديد من الآثار وقد كان واضحا ان حركة هذه الاقدام كانت أكثر من غيرها فقد رآها في مواقع عدة .. وانهمرت دموعه كسيل جارف لم يفلح في كبح جماحه أو صده فجلس يضع وجهه بين ركبتيه كالنائم حتى لا يلحظه بقية رفاقه .. ولم يطل به الأمر حتى استطاع التغلب على ذلك وكفكف أدمعه .. وقبل أن تضيع تلك الآثار تحت أقدام افراد الركب الآخر كان اكر قد أخذ خلسة قبضة من أثر بورا وحفظها في خرقة اقتطعها من ثوبه ثم دسها كأغلى ما يحتفظ به .. ومثل مافعل رجال الركب السابق مضى بعض هؤلاء الى تلك القرية وعادوا بعد ذلك يحملون المؤن اللازمة وبعضا من اكياس الخيش الفارغة قدموها لسباياهم لمواجهة البرد كما جلبوا الودك أيضاً لحفظ اجسادهم من التشقق والتقرح فتلقفوا ذلك الخيش في امتنان من اهدى حريرا أو مخملا وسرعان مالفوه على أجسادهم المرتعشة .. بعد عصر ذلك اليوم تحركت القافلة تتبع طريقاً ملتويا يجعل المسافة بينه وبين تلك القرية بعيداً وهذ ماينشده اولئك الغزاة فهم دائماً يتحاشون المرور عبر القرى والتجمعات السكانية الأخرى لذلك فقد كانوا يتبعون طرقاً ملتوية منعزلة لايطرقها الا من هم على شاكلتهم وغالبا ماتكون مثل هذه الدروب وعره أو مستترة بالاشجار و الكثبان الرملية.
    كان أكر خلال هذه المرحلة من الزحف يسير بروح جديدة ملأى بالتفاؤل بعد أن وجد أثر معشوقته بورا .. ذلك الأثر المحفوظ بين طيات ثيابه فكان بين فينة واخرى يتحسس تلك الصرة التي اصبحت من انفس واعز مايملك .. وعاد الاخضرار يدب في عود الامل بعد أن يبس وجف فقد بات الآن على يقين بأنه لا يلاحق سراباً .. فهاهو أثر بورا الذي لاتخطئه العين بين طيات ثيابه .. وقد كان اكثر الآثار التي رآها ظهورا على الرمل واكثرها حركة .. فهي اذن على قيد الحياة وطالما هنالك حياة فهنالك أمل وسوف تجمعهما الأيام مثلما فرقت بينهما .. وتوشك شفتاه ان تنفرج عن ابتسامة عريضة الا نه كان يقاوم ذلك في كل حين مراعاة لمشاعر رفاقه فهم في محنتهم لايجدون مايدعو للابتسام فكيف يبتسم المرء وهو مكبل بالقيود؟! ولكن ان وجدت الابتسامة طريقها على وجه اكر فهذا ليس بالأمر الغريب فهو ذو وضع يختلف عن بقية من معه من الأسرى اذ جاء للأسر طوعاً ورضي بالقيود ولم تفرض عليه كما فرضت على رفاقه الذين اخذوا من عقر دارهم .. نعم لقد وضع الأصفاد بنفسه في معصمه وجاء بنفسه الى هذا المصير بل وقد كان على استعداد لان يلقى بها في أسوأ من هذا الذي هو فيه حتى ولو كان الموت وهاهو الآن يمسك بأول خيط يقود الى حيث يمكنه العثور علي توأم روحه.

  18. #18
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 17 )

    عرف رفاق الأسر اكرَ في مواقف عدة واكبروا ذلك فيه .. فعندما اصبح البرد يزداد حدة كلما تقدموا إلى الأمام تنازل عن نصيبه من الخيش للصبية الذين ابقاهم خلال المسير بجانبه فكان يضم ثلاثتهم ويدثرهم فوق ماعليهم بقطعة الخيش التي اعطيت له ضمن من اعطوا وكان يدلك لهم بنفسه وجوههم وايديهم واقدامهم بالودك ليقيهم اضرار البرد وآثاره على الأجساد فأحسوا بالإطمئنان وهم يسيرون بقربه فكان يعينهم في كافة شئونهم ويراقبهم اثناء الزحف فيحمل من يعاني من وعثاء التسيار فخفف ذلك من وطأة معاناتهم ومن أثر فقدانهم لذويهم وهم في هذا العمر الغض.
    في الهزيع الأخير من تلك الليلة الباردة كانت القافلة قد تقدمت كثيراً ولم يعد في مقدور الزاحفين مواصلة الزحف الى ابعد من ذلك الحد الذي وصلوا اليه فقد اجهدوا كثيرا ولاقوا من سيرهم نصبا .. وعليه فقد قصد الغزاة حيزا يقع بين سلسلة من الكثبان الرملية فمثل ذلك يعد المكان الأمثل لقضاء الليل في الأمسيات الباردة اذ تصد الكثبان الرياح وتحول دون تغلغلها الى الجهة الأخرى .. وما كادت الرحال تلقى حتى هرع الأسرى يجمعون ماتساقط من اعواد الشجر والأغصان الجافة وكدسوها في كومتين احداهما لمجلسهم والأخرى لمجلس سادتهم فأضرمت النار وسرى الدفء واحسوا براحة لاحد لها وسرعان ماغطوا في نوم عميق ولم يبق الا اكر يراقب النجوم حينا وحينا يراقب الصبية اثناء نومهم فيعيد تغطية من كشف غطاءه ويصلح من وضع من يراه في وضع غير سوي خلال النوم .. واذ بات بلا رقيب أخرج من بين طيات ثوبه كنزه النفيس .. أثر بورا المحفوظ في تلك الصرة فقبل ذلك مرارا ثم ضمه الى صدره .. ومضى في ركب الذكريات الى الحقول والاكواخ يستعيد تلك الساعات التي كانا يقضيانها بين المروج.. ثم يترك كل ذلك فجأة ويمضي الى دارهم .. يتأمل ويتصور مافعلت الأيام باسرته بعد ان فر عنهم .. وماعساهم فاعلين في غيابه عنهم!!
    وكيف واجه ابوه هذه المحنة .. ان ذلك دون شك .. قد كان صدمة قاسية له وهو في مثل تلك المرحلة من العمر .. واثر ذلك شعر اكر بانقباض في صدره واحس بوخز الضمير .. ما كان له أن يتصرف على هذا النحو من القسوة فيترك ابواه يواجهان الآما واحزانا لاحصر لها وهما أحوج مايكونان لمؤازرته وسنده في بيئة تستمد حياتها من الاعتماد على النفس .. فعلى من يعتمدا وهو وحيدهما!! كما انهما في سن تجعل اعتمادهما على نفسيهما أمراً محدودا .. فكيف يتسنى لهما رعي الأغنام ومراعاة الزرع في الحقول في كل مراحله اضافة الى الاعمال الأخرى التي لابد منها .. ان مصيبتهما في فقده فادحة ولن تمر دون ان تترك أثراً بالغا ان لم يكن هذا الأثر قد حدث بالفعل .. وظل ساهرا يلاقي من عنت الضمير ماغض مضجعه ولكنه استطاع ان يفرج عن كل ذلك بإستمساكه بأمله وهدفه الذي فرّ من أجله .. انه الآن على مقربة من نيل الهدف وهاهي آثار بورا في يده .. وماهي الا أيام قلائل حتى يجتمع شملهما وعند ذلك لن تكون هنالك معضلة في امر العودة بها الى الديار فقد عرف طريق الاياب ورسم خطة العودة من الموضع الذي اسر فيه وحتى هذه النقطة .. انه فقط ينتظر لقاء بورا وساعتها لن يتوانى في العودة الى دياره واهله وسيعود كل شئ الى ماكان عليه من قبل .

    ***

    كان اول الركبين قد وصل في صباح باكر الى مشارف قرية اكبر بكثير من تلك التي جيئ من سوقها بالثياب والمؤن للأسرى .. فمنازلها أكبر واكثر عددا .. تحيط بها الحقول والمزارع وتكثر بها اشجار النيم واللبخ واشجار الحراز وفي ذلك الموضع الذي يبدو كمدخل للقرية كان هنالك سور خال منعزل قصده رجال الركب وحطوا فيه الرحال .. وللمرة الاولى فقد فكت القيود تماما عن المعاصم وتحرر الجميع منها واجلس الأسرى تحت عريشة كبيرة مشيدة من اعواد الأشجار ومسقوفة بالحصير بينما مضى رجال الركب يجلسون تحت عريشة اخرى اصغر واحسن حالا من الاولى .. رأي السبايا احد رجال الركب يفتح باب حجرة صغيرة فتوضع فيها تلك الأصفاد والحبال التي كانت تكبل الأسرى بينما اقتيدت الجياد الى حظيرة كبيرة في أحد اطراف السور .. واذ ذاك ظن البعض ان هذه خاتمة المطاف لترحالهم وانها المحطة الأخيرة ومن ثم معرفة الغاية من وراء اقتيادهم الى هذا الموضع ولما كانوا متعبين لم يطل بهم المقام حتى غطوا جميعاً في النوم في تلك الساعة المبكرة من ذلك الصباح ولم يفيقوا الا قبيل الظهيرة بقليل ليجدوا الطعام معدا في تلك الاطباق الخشبية وسرعان ما انقضوا عليه يملأون بطونهم الخاوية وكلما فرغت الأطباق جيئ بمزيد ولما انشغلت أعينهم عن الاطباق لاحظوا للمرة الأولى أن هنالك بعض الوجوه الغريبة بين الرجال .. وجهان أو ثلاثة... وجوه لم تكن من ضمن آسريهم من قبل .. نعم لقد انضموا اليهم هنا .. في هذا السور .. من تراهم يكونون؟ ومتى جاءوا الى هنا؟ لقد مضت ثلاث ليال على وجودهم في ذلك السور .. واستراحت اجسادهم الى حد كبير بعد ذلك الزحف الشاق الذي دام لأكثر من شهر وسط دروب وعرة وظروف صعبة .. وقد لاحظوا منذ وصولهم بأن هنالك مزيدا من الأهتمام صار يبذل من اجلهم فالطعام الذي يقدم اليهم اصبح اكثر من ذي قبل .. كذلك كان اولئك النفر الجدد يقومون بدلك اجسادهم بالودك صباحا ومساءا كأنهم يعدونهم لغرض معين .. اثار ذلك قلق البعض من الأسرى وحفز مخاوفهم لارتيابهم في الأمر و تساءلوا فيما بينهم عن الغاية وراء كل مايجري .. ماذا يراد بهم ياترى !! وظلت التساؤلات الى ان اطل صباح اليوم التالي حين صفوا جميعاً في رتلين احدهما للفتية وآخر للفتيات واجسادهم الداكنة تلمع مع اشعة الشمس فبدت مثل تماثيل برونزية .. واحسوا بخوف رهيب يجتاح انفسهم وزاغت اعينهم كل يرمق الآخر بنظرات قلقة .. انها بلا شك اللحظة الحاسمة التي تقرر الغاية التي مازالوا يجهلونها وارتجفت اوصالهم بشدة حين رأوا نفراً من الناس قد وفدوا عبر مدخل السور .. رجال على شاكلة قانصيهم عليهم ثياب بيض وعمائم استقبلوا بحفاوة من قبل الرجال .. كانوا بين ستة او سبعة اشخاص .. وجعلوا يمرون بين الرتلين المتقابلين يطالعون وجوه الأسرى واجسادهم .. وايديهم تجسهم كما تجس الخراف في سوق الأغنام .. الفتى يجس من كتفيه وعضديه والفتاة تجس من عجزها وصدرها .. وبدأ على وجوه الزائرين الرضا التام عن نوعية الصنف المعروض .. والتقت جميع النظرات وتركزت في جهة ما في أحد الصفين .. وبدأ الإعجاب واضحاً .. انها بورا الساحرة .. نعم لقد هم كل واحد من القادمين بها .. وكانت اول من افتتح به المزاد .. كل يعرض ثمنا والآخر يغالي في الثمن ويدفع المزيد .. وتنافس حولها المتنافسون .. كل يريد الفوز بها وهي منتصبة مثل تمثال جميل لم يدخر المثال جهدا في سبيل اتقان صنعه .. وحتى لايمضى المتنافسون الى ابعد من ذلك فقد انبرى صوت الشيخ القذر .. قائد الركب وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة .. ينبئهم الى ان هذه للعرض فقط وليست للبيع .. فهو يحملها هدية الى احد الوجهاء في بلدة اخرى ولايستطيع التصرف فيها .. نعم .. لقد خص بها نفسه .. فهي الثمرة الحلوة اليانعة التي لم يذق غيره طعمها .. كأنها مقطوفة من شجرة الخلد .. فمثل بورا لايمكن التفريط فيه .. جسد غض ناعم كالمخمل وقوام ممشوق ووجه فاتن .. كل شئ فيها يثير الإغراء ويحفز الإثارة .. عند ذلك انصرف الراغبون عن بورا آسفين ومضوا يعائنون افراد الفوج الآخرين .. يدققون في الإختيار ويساومون في الثمن ولما قفل المزاد كان مايقارب النصف من عدد الأسرى قد بيع .. ومضوا يتبعون سادتهم الى حيث لايدرون وقد انسلخوا عن بقية الفوج وعيونهم باكية .. تصاعدت عبراتهم وهم يغادرون ذلك السور الذي كان نقطة الفراق فيما بينهم .. وكان من ضمن من تم بيعهم هنالك تورو ويامو وياكا وتيرا وبايو ونحو ثلاثة أو اربع من الصبية ظلت عيون من تبقى من رفاقهم ترافقهم حتى اختفوا عن انظارهم وعقب ذلك ساد المكان هدوء مشوب بالحزن والخوف والرهبة .. وتجددت أشجان الأسرى وقد ترك رحيل اقرانهم اسى بالغ في نفوسهم عامة وفي نفس بورا بصفة خاصة فقد كانت ياكا وتيرا من اقرب واخلص صديقاتها فقد نشأن سويا وترعرعن معا فلم يكن يفرق بينهن الا النوم حتى وهن في الاسر .. وتورو ايضا فعلى الرغم من صدودها عنه الا ان وجوده من ضمن الفوج كان يبعث شيئا من الإطمئنان في نفسها فقد كانت ترى فيه اكر .. فهو غريمه ومنافسه القوي في حبها .. فكانت تحس في غياب اكر بأن هنالك فرصة لعمل شئ ما .. فهو مازال يحبها وهي تستطيع ان تجزم على ذلك فنظراته برغم اختلاط معانيها الا انها تدل على حب مستعر ولهفة لاحد لها .. كان وجوده يشغل حيزا ما في نفسها ولعلها لم تحس بذلك الا بعد ان رأته وهو يودعها بنظرات حزينة باكية.

  19. #19
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 18 )

    كانت علامات الرضا والسعادة تكسو وجوه الرجال وبخاصة قائدهم الشيخ الماجن الذي كان له نصيب الأسد من ايراد البيع فالحملة كانت تعمل لحسابه الخاص وهو المسئول عن جميع نفقاتها وما رجاله الا عمال يأخذون اجراً أو نصيباُ معيناً من مجمل الإيراد .. وقد كان نتاج هذه الحملة أكبر مما تصوروا بكثير وعادت بربح وافر اذ كان الفوج المأسور مكونا في أغلبه من شباب اقوياء في ريعان الشباب .. لذا فقد تكفل الشيخ الماجن باعداد ليلة ليلاء مكافأة لرجاله .. فجُلب الخمر ونحرت الخراف وازكمت الأنوف رائحة الشواء وجلس الشيخ واعوانه تدور الكؤوس فيما بينهم .. شربوا نخب عودتهم ونخب صفقتهم وما درته عليهم من ربح وفير . وسرت نشوة الخمر تدب في الرؤوس شيئا فشيئا حتى تملكتهم تماما وتصاعدت الحناجر بالغناء والدوبيت .. ونهض الشيخ متثاقلا يمشي مترنحاً إلى حيث كان يجلس بقية الأسرى ونادى بصوت متقطع النبرات على جاريته نوره.. فقامت على مضض وقد ادركت الغاية التي يطلبها لها .. وزاد ذلك من احزانها التي خلفها رحيل رفاقها الذين تركوا الفوج لتوهم .. فهي لم تكف عن البكاء حتى هذه اللحظة التي اقبل فيها هذا الوغد يدعوها اليه .. كانت جميع احزانها واشجانها قد تفتقت من جديد وفي وقت واحد .. فراق ربوعها واحبائها .. موت دلدوم وموت الصبي فرتاك امام عينيها .. واغتصابها عنوة والإستيلاء المطلق على نفائسها التى كانت تدخرها لاكر .. آه أين هو الأن ياترى؟ لقد حالت الأيام والرقاع بينهما .. أربعون ليلة ظلت تحصيها على اصابع يدها .. لقد بدأ اليأس يدب في نفسها فاختلطت الأمور واختلت موازينها .. لم تعد تفرق بين ليل أو نهار وبين شمس أو قمر .. كل شئ اصبح امامها بلا معنى واضح .. وامسك الشيخ بكفها بقوة ثم جذبها ومضى الى ان وصل بها الى مجلس اللهو وهي ترتجف من البرد ومن الوهن الذي انتابها من فرط الاحزان والهموم منذ ان رحل رفاقها .. وتعالت اصوات السكارى يمازحون شيخهم وهو يترنح ذات اليسار وذات اليمين وقد غدت ابتسامة الخبث على شفتيه اكثر وضوحاً .. ومال يرفع إبريقاً ليعبئ بنفسه كأساً .. فيمده ناحية شفتيها يريد أن يسقيها بيده.. لكنها تصد الكأس وتشيح بوجهها .. فلم يكن الا ان قام الوغد بتجريعها ذلك عنوة فحشرجت وسعلت بقوة وغصت من مرارة الخمرة حتى سالت ادمعها .. وكان ذلك موضوع تندر لاولئك السكارى فظلوا يقهقهون ويسخرون ويطلبون من شيخهم ان يسقيها المزيد حتى تعتاد ذلك فان هي سكرت وجد لديها مالا يجده في صحوتها .. وانهالت الكؤوس عليها من كل صوب وحاولت المقاومة وهي تتوسل في صمت بعيون منكسرة ووجه حزين لكنها لم تكن تواجه الا جلاميدا من الصخر ووحوشا ليس في قلبها للرحمة مكان .. فاستسلمت لاقدارها مثلما استسلمت من قبل وطفقت تجترع مايقدم لها في مرارة وامتعاض .. وتوالى الغناء والرقص واشار الشيخ الى بورا بأن ترقص ولما لم تع قوله قام يسندها بنفسه ويفرط في لغة الاشارة لتستجيب لأمره .. لكنها لم تفعل فانى لها بذلك حتى وان فهمت اشارته .. وكيف لجريح مثلها ان يرقص أو يطرب .. ان جراحها عميقة ومازالت تقطر دما .. فكيف يلتقي الرقص والبكاء ولكل منهما سبيل يختلف عن الآخر؟ فلا شئ يشجيها ولاشئ يطربها لترقص حتى ولو قرعت طبول قومها ناهيك عن هذه الحشرجات التي لاتعي منها شيئا ولاتحس بأي تجاوب نحوها .. ولما كثر الحاح الوغد ذهب بعض رجاله الى مطرح الاسرى وعادوا ببعض الفتيات وكانت بينهن كارا .. وأفسحوا لهن مكاناً في المجلس ولما قدمت اليهن الكؤوس عزفن عنها .. ولكن هل لمثلهن أن يرفض أمراً!! فامسك كل رجل بواحدة يجرعها الكأس رغماً عن ارادتها .. وتوالت الكؤوس حتى دبت نشوة الخمر في رؤوسهن فنسين ماهن فيه من احزان وهموم وقرعت كارا على قدح خشبي وانبرى صوتها الدافئ تردد الحانا عذبة .. وساعتها صمت الرجال وانساقوا تماما خلف هذا الصوت الساحر يتابعون اللحن دون أن يفهموا مايقال ومايردد .. ولم يكن ماتنشد به كارا سوى مناحة تبكي حالها وحال رفاقها وماهم فيه من ضيم وقهر .. وكان ايقاعها من نوع مايردد في الاكواخ في حال المآتم .. حزين .. باكي .. وانبرت بورا وقد نسيت مأساتها وعادت الى الوراء مئات الأميال .. ترقص في خفة وتعبث بجسدها اللدن كيفما شاء لها .. فتميل بعجزها الى الوراء تارة والى اليسار تارة اخرى بينما صدرها المثقل يهتز بقوة كأن في داخله بركان يوشك أن ينفجر قبالة السماء فتظل أعين الرجال ترقبها في كل حركة وافواههم مفتوحة في عبط وبله ظاهرين .. واتسعت حلقة الرقص تضم بقية الفتيات يرقصن في صمت وعيونهن تفيض كسيل العارض الهتن وكارا بصوتها الرقيق تردد مناحة باكية ترثى حالها وحال رفاقها:

    فلنبكي جميعاً قدرنا
    هذا الذي رمانا هنا
    فليس من ميت بكى على نفسه سوانا
    فلنبكي ملياً
    ولنذرف الدمع أنهارا
    فتغمر خطانا
    وتمحوها من وجه هذا التراب القذر
    فلا يبقى من اثرنا شئ هنا
    لتحلق ارواحنا بعيدا
    فنحن نمضي في طريق لايعيد
    وسنغرق في بحر الدموع
    لكن ارواحنا ستعود الى مراتعها بين الحقول
    تحلق فوقها مثل تلك العصافير
    ولن يبقى منا هنا سوى أشلاء لاتلبث أن تذروها الرياح
    لقد سدت السبل وانقطع الرجاء
    فلا رجوع ولا لقاء

    ولما همت تباشير الفجر بالظهور كان السكون قد عم وانقطع الغناء وقد تناثرت اباريق الخمر بعد ان استنفد محتوها .. والرجال مثلها .. استنفذ الرقص والخمر طاقاتهم فانتشروا في ارجاء ذلك السور الواسع كل متكور حول نفسه على الثرى ودون غطاء برغم برودة الطقس .. حتى قائدهم الشيخ الماجن .. كان اول من سقط .. فسلمت من كيده بورا في تلك الليلة وحالت الخمر بينها وبينه ومضى يغوص في نوم عميق.
    لم يدم أثر الخمر في رؤوس الفتيات طويلا حين استحال اجتماع النشوة والالم في حيز واحد .. فقد بكين في صدق على ايقاع الاحزان ونواح كارا ومضين الى مرقدهن تحت العريشة التي خصصت لهن .. ولم يكن في تلك اللحظة حارس ولارقيب فلو اردن الفرار لفعلن ولكن الى اين الفرار وبينهن والأكواخ عالم لاقبل لهن بإجتيازه .. ولما افاق الرجال في ساعة متأخرة من ذلك الصباح كانت امارات الليلة الفائتة واضحة على قسمات وجوههم .. ماتكاد اكواب الماء تجترع حتى تعقبها اكواب اخرى كأن باجوافهم ثقوب .

    في وقت باكر كان الرجال قد اعدوا العدة للرحيل وسرجت المطايا فقد نالوا من الراحة مافيه الكفاية وعليهم الأن ان يكملوا بقية المشوار فمازالت هنالك مرحلة اخرى ... فعادوا يصطفون في رتل واحد ولما اذن مؤذن الرحيل كانت الدموع تنهمر بغزارة من عيون من تبقى من الفتية والفتيات وهم ينظرون خلفهم من حين الى آخر الى ذلك السور الذي كان نقطة الفراق بينهم وبين رفاقهم الذين انسلخوا عنهم انسلاخ الجلد من الجسد الحي .. لقد كان وقع ذلك أليماً في نفوسهم ولكن لا مفرج لتلك الالآم والأحزان الا الصبر والنسيان فليت آلآمهم تقف عند هذا الحد ولا تتعداه لما هو أسوأ !!

  20. #20
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 19 )


    كأنما كتب على أكر ان يظل يلاحق سراباً .. فكلما ظن انه على وشك اللحاق به مضى السراب بعيداً .. فهاهو الركب الذي يسير فيه قد وصل ذات المكان على ضفة النهر وعبروه على ذات المركب واكر لايدري ان هذا الذي سار بهم فوق ظهر الماء قد حمل بورا قبل أيام قلائل حتى اوصلها الى الضفة الاخرى مع رفاقها ومشوا على نفس الطريق الذي مشى فيه ورفاقه واستضافهم ذات السور الذي آوى بورا واترابها الى ماقبل ثلاثة ليال مضت .. ولولا الوعكة التي المت بقائد ركبه لربما كان قد التقى الركبان وجمعهما نفس المكان ولأدرك اكر هدفه الأسمى .. لقاء بورا .. ولكن هيهات ان يدرك المرء مايتمنى.
    في ذلك السور الفسيح طفقت عينا اكر منذ أن استبانت الرؤيا على سناء الاشراق تفحص كل شئ وتطالع كل شئ في اهتمام بالغ .. لم يغمض له جفن في وقت كان فيه كل واحد ممن هم حوله قد راح في سبات عميق .. فأنى لمثله ان ينام وفي فؤاده جرح نازف وفي اعماقه بركان ثائر .. غير أن رياح الشتاء النشطة لم تبق من اثار الأقدم شيئا كأنها تشارك أيضاً في الكيد بأكر الذي انهكت عيناه في البحث عن أثر واحد لاسواه .. أثر بورا فهو يريد التأكد من انها مازالت بخير لكي يتجدد في قلبه الامل الذي لم يعد له من زاد سواه .. ولكن أتت الرياح بما لايشتهي أكر حين ازالت كل أثر من على وجه الثرى .. آه لو ان اثار الاقدام لم تذروها الرياح لكان قد تيقن حق اليقين ولاطمئن على انه مازال يسير في الطريق الذي يقوده الى هدفه المنشود.
    وعندما اعتلت الشمس جبين المشرق رأى أكر رجلين يدخلان من باب السور ويتقدمان نحو الرجال فيتصافح الجميع في حرارة وترتفع الاصوات ويطول الحديث لكنه لم يفهم شيئا مما قيل وتمنى في تلك اللحظة ان لو علم منطقهم ليعرف مايدور بينهم ومايقال .. ان هذين الرجلين دون ريب قد قابلا رجال الركب الأول وانهما يعرفان الكثير عنهم .. هما كما بدأ لاكر من يتدبّر الأمور هنا ومن يقوم بخدمة رجال القوافل فقد كان ذلك واضحاً حين قاما بادخال المطايا في الحظيرة وتقديم العلف لها كما قاما بجمع الحبال والسروج وقد كان اكر مصيبا في تخمينه حينما عرفهما فيما بعد فهما المسئولان ايضاً عن اعداد الطعام ومراعاة الأسرى .. آه لو يستطيع معرفة مفردات لغتهم .. لعلم منهما متى جاء ركب بورا الى هذه الديار ومتى رحل عنها والى اين كانت وجهته؟ ولإنطفأت اذن تلك النار المستعرة في قلبه .. ومرة اخرى تراوده فكرة الفرار .. فالاثر يدل على أن قافلة بورا قد رحلت منذ عهد قريب لا أكثر من يومين أو ثلاث .. فان مضى في طريقه فسوف يلحق بها في نصف هذه المدة والفرصة سانحة لتنفيذ ذلك أكثر من ذي قبل لاسيما وانه اصبح متحررا عن القيود وبات من السهل عليه التسلل ومغادرة السور فهو لايريد البقاء هنا ولو سار الركب حالا لماساوره قلق ولكن بدأ له ان هولاء الرجال لن يغادروا هذا الموضع سريعاً فقائد الركب لم يبل من علته بعد ودلائل الاعياء مازالت تلازم وجهه مما يستلزم خلوده للراحة لبعض الوقت .. وهذا مايغض مضجع اكر فقد بات الوقت من الد اعدائه اذ يحيك به في كل حين ويباعد بينه وبين من هو في أثرها .. ولكن أين المفر؟ قد يتمكن من التسلل والفرار ولكن كيف له بمعرفة الطريق أمامه .. قد تتفرع الدروب وتتشعب وساعتها سيقف حائراً على مفترق الطرق ولن تبقى هذه الرياح الثائرة من أثر يستدل به فما عساه أن يفعل .. هل سيعود إلى ركبه خاسئاُ ذليلاً أم يواصل المضي نحو المجهول فيضل إلى الأبد؟! ليس لديه إلا أن يتسلح بالصبر ويعيش على الامل الذي يملأ كل جوانحه والاّ يبقى موضعاً لليأس في نفسه .
    وطال بقاء الركب في تلك القرية الكبيرة ومضت ايام كانت اطول وامل ايام عرفها اكر .. الوقت يمضي فتطول المسافة بينه وبين بورا .. والقلق ينتابه في كل جزء من اللحظة .. شارد بذهنه بعيداً .. لارغبة له في طعام أو في غيره ومايزيد من قلقه ان قائد الركب قد تعافى تماما وعاد اليه نشاطه المعهود وليس هنالك مايمنع مواصلة السير .. وقد لاحظ رفاق الأسر حال أكر وماهو فيه من هم وغم وتساءلوا سرا عن سبب قلقه اذ لم يروا مايدعوا لذلك فوضعهم الآن احسن حالا من اي وقت مضى .. لاقيود تكبلهم ولازحف يرهقهم .. انهم لايفعلون شيئاً سوى النوم والجلوس .. يقدم لهم الكثير من الطعام حتى تمتلئ بطونهم وتدلك اجسادهم حتى كادت تلك القروح التي خلفها المسير أن تلتئم .. وهذا السور يحجب عنهم تلك الرياح الباردة التي فعلت بإجسادهم مافعلت اثناء زحفهم فعلا ما تتزاحم كل هذه الهموم وكل هذا القلق على وجه أكر؟

    لم يدر بخلد أكر أن في هذه الديار وما حولها قد حل بعض من رفاق صباه .. غريمه تورو ويامو وبايو وباكا وغيرهم من ابناء قريته ممن كانوا مع بورا في الحقول .. ولو قدر له معرفة ذلك لكان قد تبدل الأمر ولما رام غير هذا المكان ولكن احساس ما في دواخله يدفعه للمضي إلى الامام .. لذا فهو ولايود الا ان يواصل الزحف .. بورا في مكان ما امامه وينبغى عليه أن يواصل السير حتى يلحق بها .. ولكن كيف السبيل الي ذلك؟!

    ( 19_ب )
    وفي عصر اليوم التالي الذي بلغ فيه قلق اكر اشده اشارت بعض الدلائل الى ان ساعة الرحيل قد أزفت وان هذا السور ليس هو المحط الأخير للتسيار كما حسب البعض فهاهي المطايا قد سرجت وحملت بلوازم الترحال من زاد وماء وغيرهما .. وقد بدأ وجه أكر متهللا ومشرقا كما كان من قبل وزالت عنه اثار الغضب والقلق التي لازمته خلال اليومين الماضيين .. ولا أحد يدري ماذا كان سيفعل اذا ماجرى مزاد مثلما كان الحال بالنسبة لسبايا الركب الأول وتم بيعه هنا مثلما حدث لرفاقه السابقين !!؟ فقد شاء الحظ ان قرر قائد ركبهم (حسان الأعسر) عدم عرض مامعه من بضائع في هذه القرية حين علم بأن زميله كرار الزير قد باع معضم سباياه هنا .. لذلك فقد رأى أن يطيل البقاء في هذا الموضع ريثما ترتاح أجساد الأسرى وتستعيد من القوة مافقد بسبب الزحف الشاق المتواصل ومن ثم يتخذ طريقا مغائرة لتلك التي تسير فيها حملة كرار الزير .. فيصِل الى اسواق اخرى يستطيع ان يبيع فيها مامعه بالثمن الذي يتمناه .. وعلى هذا النحو فقد مضت قافله حسان تلتمس طريقها في ليل بارد حالك الظلام .. الهدوء يسود كل حيز في ذلك الطريق فلا شئ يسمع سوى وقع الحوافر والأقدام وعويل الرياح الباردة ..ويستمر الركب في السير صوب الشمال الى ان بلغ نقطة ما ثم انحرف قائدهم يغير وجهة سيره ناحية الشرق فهو كما خطط يريد ان يتخذ طريقا اخرى غير التي يسير فيها ركب كرار الزير ليصل الى اسواق اخرى بعيدة عن تلك التي تقصدها القافلة الأولى .. ومن هنا كانت قد كتبت الأسطر الأولى من مأساة أكر .. لقد سلك قائد ركبهم طريقاً آخرا يجعل اللقاء بين الركبين غير ممكن .. ولكن اكرا ً كان قد افرط في التفاؤل فهو يسير بهمة عالية .. تعاوده الابتسامة من حين الى اخر لاعتقاده بأنه مازال يسير في الطريق المنشود ذلك الذي يمضي في أثر قافلة بورا .. يتحسس كلما سنحت له الفرصة تلك الصرة التي تحفظ أثر بورا فتتسع ابتسامته ويتكاثر في نفسه الأمل وهو لايدري ان السبل قد اختلفت بهما فاصبح يزحف نحو الشرق بينما يسير ركب بورا ناحية الشمال ولو ابقت الرياح السائدة من اثر لاستدل على ذلك ولكن رياح الشتاء النشطة لم تبق علي أثر فيظل اكر يسير على اعتقاده الخاطئ ويحسب انه يمضي نحو بورا .. مسكينة بورا و مسكين انت ايها الفتى ! ماذا لو علمت ان السبل قد فرقت بكما وان هدفك بعد ان كان قاب قوسين او ادنى اضحى منذا الآن كبعد السماء عن الارض .. في ديار لاتعلم من خفاياها امرا .. ولاتدرك لها غورا .. حتى الرياح هنا مثل اولئك الغزاة جائرة ظالمة كأنها تعمل لحسابهم هي الأخري اذ ظلت عاكفة على محو اكل اثر يمكن ان يستدل به للوصول الى ضالتك المنشوده !!
    ولما اطلت بوادر الاصباح كان الركب قد وصل الى موضع تغلب الرمال على تربة أرضه .. ويكاد يكون خاليا من الأشجار فيما عدا بعض الشجيرات الشوكية المتفرقة هنا وهناك .. قصد الرجال حيزا خلف بعض التلال الرملية ليكون محل نزولهم قبل استئناف الترحال مرة أخرى .. فهذا هو المكان الأمثل في مثل ذلك الصباح البارد.. واكر كسابق عهده يهتم بالصبية ويقربهم من النار ويجود عليهم بدثاره ليكونون في مأمن من البرد .. ويرقب بقلق ظاهر تلك اللحظة التي يتركون فيها هذا المكان ويواصلون السير الى الامام .. الى الطريق الذي يحسب ان بورا تسير فيه .. ولم يطل الأمر حتى كان له ما أراد اذ عاود الركب زحفه بنشاط جديد وطاقة تزداد تجدداًً مع انبثاق ضياء الشمس وفتور الرياح الباردة .. وأكر كعهده يتفحص اديم الأرض عله يجد اثرا ولكن ليس من اثر لشئ .. تباً لهذه الريح التي لم تبق شيئاً ولم تذر .. راقب الطريق وجوانب الطريق طويلا ولكن دون جدوى .. واحس بإنقباض في صدره وبداً شئ من اليأس يداخل نفسه فيظل في صراع مع بصيص الأمل الذي يأبي الا ان يتمسك به وتظل المعركة بينهما قائمة إلا أن كلا من الفريقين ظلا في تعادل دون أن يتغلب احدهما على الآخر والركب بين ذلك يواصل سيره في بيئة قاسية وقفار جرداء فيمر من حين الى آخر بحلل وفرق صغيرة ذات خيام وبيوت من الشعر تأوي نفراً من البدو الرحل فينشغل أكر عما به بالنظر إلى هذه البيوت وهؤلاء القوم الذين اختاروا العيش في مثل هذه القفار الموحشة .. من أين مأكلهم ومن أين مشربهم وليس في بيئتهم أودية ولازرع؟ أنسته مصيبة هؤلاء مصيبة نفسه إلى حين وتساءل في نفسه ألم يجد هؤلاء الناس لسكناهم مكانا غير هذا المكان القاحل؟ ويزداد عجبا حين يرى اطفالهم يمرحون في بشر وسعادة كأنهم يسكنون في جنة من الأرض .. ولكنها أرضهم بأية حال مشى عليها اباؤهم واجدادهم من قبلهم وهاهم يمشون عليها ويمرحون .. ولو خيروا فيما بينهما وبين أرض ذات عيون وخضرة لفضلوا على اغلب الظن البقاء على ارضهم برغم بؤسها وخشونتها فحب الأرض والتمسك بها امر وتفرضه الغريزة لا الأرض نفسها وإلا لما عاش أهل الصحراء في الصحراء بقسوتها وشدتها ولا اهل الجبال في الجبال بوعورتها وصعوبة مسالكها ولا أهل الأحراش في الأحراش بأهوالها وأخطارها .. رأى أكر كما رأى غيره من الرفاق لما تقدم بهم الطريق بعضاً من أهل تلك القرى المنقطعة يجرون الماء بالدلاء من آبار عميقة ولم يدركوا هذه الحقيقة في بادئ الامر الى ان توقف ركبهم ذات مرة على مقربة من أحد الآبار وفعل رجاله الشئ نفسه .. انزلوا الدلاء ذات الحبال الطويلة حتى غابت بكاملها في بطن ذلك الجب ثم جذبوا الحبل مرةاخرى فاذا الماء بين أيديهم .. واستعجب السبايا من أمر هؤلاء القوم .. يتكبدون كل هذه المشقة من اجل الحصول على الماء .. وما أسهل امر ذلك لدى أهلهم في الاكواخ .. الأودية تأتيهم بالماء حتى أعتاب أكواخهم ولما يدركها الجفاف ماهي الا اقدام أو اقل تحفر باصابع اليد فينفجر الماء عذباً فتعبأ منه الجرار .. وكان الأمر أكثر غرابة حينما تجرعوا شيئاً من ذلك الماء .. ملح أجاج .. ماكادت جرعة منه تستقر في اجوافهم حتى تحركت بطونهم .. ماهذا بماء .. عجباً لهؤلاء الناس اذ يستسيغونه دون امتعاض أو تقزز .. كيف لبطونهم أن تتحمله وكيف يطفئ مثل هذا الماء ظمأ من به ظمأ؟!
    ياويلهم ان كان الأمر كذلك في المستقر الذي يقادون اليه .. اذن سوف يموتون من الماء قبل ان يقتلهم الظمأ!! عاد الأمل يخضر في نفس أكر فيتقدم في السير احيانا حتى يوشك أن يتخطى رجال الركب وهم على مطاياهم تماما مثلما كان ينساق وراء اشواقه عندما كان عائدا مع والده العم سايس بعد زيارة عمه .. كان يظن دائماً أن بورا امامه وانه قد يظفر بالركب في اي لحظة .. لذا فقد كان كثيرا ماينساق وراء هذا الخيال حتى يكاد ان ينسى مكانه في الركب .. ومر من الأيام مامر حتى اشرفت قافلة حسان الأعسر على دخول قرية كانت أكبر مما رأى السبايا من قبل ولاحت أمامهم المنازل الكبيرة المتقاربة ذات الأسوار وآخرى صغيرة لا أسوار لها ترقد حولها قطعان الأبقار والضأن والماعز التي بدا انها قد اعلفت منذ قليل فسيماء الشبع بادية عليها .. ولما توغل الركب في شوارع القرية وفي ازقتها قليلاً رأى اكر ورفاقه مزيدا من قطعان الماشية حول ساحات المنازل مازالت تعلف .. وكادت قلوبهم ان تنفطر حين رأوا ان من يقوم بذلك كان رجلاً من بني جلدتهم .. سحنته وملامحه وهيئته جميعها تؤكد ذلك .. وهم أكر بالخروج عن الفوج والاندفاع نحوه ومعرفة امره وما الذي رمى به في هذه الديار الا انه تراجع عن ذلك وآثر الا يتسرع .. وكف الرجل عما كان يقوم به من عمل حينما تنبه لمرور الركب امامه وتقدم قليلا وقد اخذته الدهشة هو الآخر فطفق يطالع الوجوه كأنه يتوقع من بينها وجها معينا واستمر على ذلك الحال حتى بعد أن إبتعد الركب عنه ووجوه الأسرى تعاود الالتفات اليه من حين الى آخر .. بعثت رؤية هذا الرجل مزيداً من الأمل في نفس اكر ووصل به الإعتقاد الى ان هذا الشخص الذي يحمل ملامح قومه ربما وصل الى هنا من ضمن من وصلوا في ركب بورا .. فهو ليس من ابناء قريته ولكن من الجائز أن يكون قد أسر من قرية اخرى مر بها الغزاة في طريقهم أو من أي موضع اخر مثلما فعل به هو من قبل .. وساده اعتقاد كاد ان يصل به الى حد اليقين .. ذلك ان هذا المكان هو القرار لكافة السبايا وخاتمة مطافهم .. ظن أن افراد الركب الاول ربما كانوا هنا جميعاً .. بورا وغيرها من الرفاق .. آه لو لم تكن الشمس قد دنت من مغيبها ساعتها لانسل عن هذا الركب اللعين ولمضى يجوس في أزقة هذه البلدة وفي حواريها وبيوتها حتى يجد ضالته ولكن فيما التعجل .. اليس الصبح بقريب؟! وأحس وهو يقضي تلك الليلة الباردة في سور يشابه ذلك السور الذي آواهم في القرية السابقة الا انه اصغر مساحة وجدرانه اقل طولا .. احس براحة لم يحس بمثلها منذ ان قادته الأقدار الى هذا المصير واطلق العنان لأفكاره وخيالاته وهو يمني نفسه بإنبلاج الفجر .. فقد حسب ان مكان بورا لايبعد عن هذا المستقر وما أن تشرق الشمس حتى يشرق في وجهه جمالها الأخاذ .. عليه أن يتأنى ساعتئذ في في إظهار أي مشاعر نحوها أمام الغير وان يكتم الأمر الى ان تحين تلك الفرصة فيأخذها ويفرا معا عن هذه الديار الموحشة .. وتدفقت افكار شتى في ذهنه ويضع خططاً عديدة للهروب ويظل منقادا وراء تصاوير خياله الى أن ولى من الليل معظمه وسكنت الكائنات جميعها وهو لايدرك حقيقة هذا الوهم الكبير الذي استسلم له تماماً .. فأين هو من بورا وأين هي منه؟
    كان بزوغ شمس ذلك الصبح كبزوغ شمس عيد الحصاد في الأكواخ كما تراءى لاكر فهب من مرقده فرحا نشطاً يكاد البشر الذي اعترى قسمات وجهه أن يتجسد الى شئ محسوس وعيناه تمحص الثري لعل أن يجد اثراً مميزا إلا أنه كانت هنالك آثار عديد ة أمتزجت ببعضها ولايمكن تمييز أثر بعينه من بينها .. لم يهتم لذلك ولم يساوره قلق فهو يعتقد إلى حد بعيد ان هذا االمكان هو آخر مراحل ترحالهم ومنه سيتم تفريقهم جميعاً فيذهب كل منهم إلى جهة ولعل أكر هو الوحيد من بين السبايا من يعلم القصد من وراء سبيهم والغاية التي يبتغيها آسروهم .. لقد تلقى علم ذلك من والده العم سايس من قبل غير أنه لم يشأ الإفصاح عن ذلك .
    لم يطرأ جديد في ذلك الصباح .. وبقي السبايا رهناء ذلك السور الى ان عاد قائد الركب ورجاله بعد ان مضى من النهار اكثر من نصفه .. كانت وجوههم تنم عن شئ من عدم الرضاء .. فلم يمكثوا بعد ذلك طويلاً حتى رأى أكر ورفاقه ان المطايا قد أعدت للرحيل .. فكاد أكر ان يصرخ في وجوههم ليصدهم عن ذلك .. لارحيل عن هنا فهنا تقبع بورا .. انه مازال يعيش في ذلك الوهم الخادع وفارت الدماء في عروقه وارتسمت بين حاجبيه الخطوط الأولى من تلك الدائرة التي ما إن تكتمل حتى يعقب ذلك مالا تحمد عقباه .. ولكن ينبري امامه طيف العم سايس .. ((إياك أن تستسلم لمثل هذا وإلا كان مصيرك كمصير الثعالب عندما تتسلل إلى الاكواخ)) .. فتفتر جذوة تلك الثورة ويعود بخطوات بطيئة الى هدوئه واضعاً الأمر برمته في يد الأقدار لتقضي ماتقضي .. وفي خضم قنوطه يترقرق قبس من نور الأمل فيدحض به اعتقاده الأول .. ولما لاتكون بورا في مكان آخر غير هذا المكان .. ولماذا ينساق وراء هذا الوهم الذي لا أساس له؟ قد تكون بورا أمامه في مكان آخر قادم .. وان لم تكن هنا أو هنالك فإنها بلا شك في مكان ماحول هذا المكان ولن يكف عن البحث عنها.

  21. #21
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 20 )

    لم يجد حسان الأعسر ورجاله في تلك القرية سوقاً رائجاً لبضائعهم وعلموا ان القرية قد اخذت كفايتها من الأرقاء في أوقات سابقة .. لذلك فقد عقدوا العزم على مواصلة الترحال الى مناطق اخرى قيل لهم ان تجارتهم سوف تلقى فيها حظاً فمضوا يذرعون أرض الله بلا هوادة صوب المشرق كأنهم عازمون على وصول مكمن الشمس وقد عبروا نهراً آخر مثل ذلك الذي عبروه من قبل وقد اعتقد معظم السبايا أنهم قد عادوا إلى الوراء مرة أخرى وان ذلك النهر ماهوا الا ذلك الذي اجتازوه أولا .. لم يعد أكر يهتم بمتابعة الأثر مثلما كان في السابق فقد مل ذلك من كثر مافعل .. فظل يسير كما يسير بقية رفاقه تحت رحمة آسريهم يجتازون بقاعاً وقفارا موحشة لايرى فيها شيئا اخضراً فيما عدا بعض شجيرات متفرقة .. ومروا بأقوام يجرون الماء من آبار اكثر عمقاً مما رأوا من قبل فهم يستخدمون الحمير لإنجاز هذه المهمة فيذهب الحمار بالحبل الى مسافة بعيدة حتى يخرج الدلو من البئر .. وتطالع عينا أكر هذه البقاع الجدباء التي تكاد أن تخلو من أي اثر للحياة ويقارن في ما بينها وبين أرض الأكواخ .. يإ إبن المروح الخضر وَيحكَ من رمى بك فوق هذه القفار الموحشة!! من جاء بك من الجنة إلى الجحيم وخرب عش الهوى الذي جمعك وأليفتك بورا فأضحى كل منكما في متاهات الدروب لا يدري للقاء سبيلا..!!
    بعد مسيرة أيام وفي ليلة اكتمل فيها القمر كانت قافلة حسان الأعسر على أبواب بلدة بدت ذات شأن في تلك البادية المقفرة .. فهي أكبر القرى التي مروا بها منذ أن عبروا النهر الآخر .. وعلى مقربة منها حط الركب رحاله .. ولما كان عناء الزحف قد لحق بالرجال وسباياهم فقد تهاووا على الأرض مثلما تتهاوى اسراب الجراد وسرعان ما مضوا في ثبات عميق عدا اكر الذي اخرج الصرة يناجيها حينا ويقبلها حينا أخر ويسائلها عن بقية الخطى وصاحبة الخطى .. أين هي الآن ياترى؟ هل من لقاء بينهما أم أن الاقدار قد قالت كلمتها في هذا الشأن؟ ان هذا القمر المضئ يراها الآن ويعلم مكان وجودها من بين فجاج هذه القفار وهي كذلك لابد من انها في هذه الساعة تناجي هذا القمر أيضاً وتسأله عنه كحاله الأن .. آه ياليته اعتلى مكاناً كالذي يعتليه هذا البدر لتمكن من رؤية بورا ولرأته هي الآخرى .. رباه متى اللقاء فقد بعدت الشقة وطال الفراق وانقضى من الأيام مايزيد من لوعته ويهيج وجده .. ومضى في ذلك الى أن اخذته سنة من نوم لم تطل حتى أفاق على حركة رجال الركب ورأى القائد و أحد رجاله قد غادرا ذلك الموضع وسلكا الطريق الذي يقود الى تلك البلدة وتساءل أكر عن مقصدهما في هذا الوقت المبكر فالفجر مازال رهين قيده ولعله الوحيد من جملة رفاقه من كان مستيقظاً في تلك الساعة .. وظلت عيناه تتابع الرجلين الى ان توغلا داخل القرية واختفيا عن ناظريه .. وتدفقت في ذهنه افكار شتى وتساؤلات عدة .. رباه على ماذا تنطوي سريرة هذا الصباح .. هل سيأتي جديد في الأمر أم ان الحال سيمضي على ماهو عليه .. حل وظعن .. ظعن وحل .. لقد أصبح كل شئ مثيراً للملل وباعثاً للهم والنكد .. وهاهي الأمور تسير في اتجاه يغائر ذلك الذي تسير عليه آماله .. لكنه برغم ذلك يظل متمسكاً بالرجاء رغم وهن خيوطه حتى لايدع لليأس مجالا فان فعل ذلك ضاع كل شئ فالأمل هو السلاح اللازم لكل سائر نحو هدف ما وإلا فلا وصول ولا ظفر.
    لم يلبث أكر على ذلك الحال طويلا حتى عاد الرجلان من مشوارهما وقد نمت اسارير وجهيهما عن مالقياه من توفيق في ماذهبا من أجله وسرعان ما أنعكس ذلك على بقية رجال القافلة فتعالت فرقعة السياط تهش على السبايا ليستيقظ من كان نائماً وماهي إلا لحظات حتى كان الرتل يزحف متهادياً صوب تلك القرية في مسيرة صامته واجمة وهنالك شاهدوا للمرة الأولى سوقاً مكتظاً بالناس والدواب .. هرج ومرج وضوضاء تمزق سكون ذلك الصباح الباكر فانشغلت عيونهم بمشاهدة السلع المطروحة والبائعين والمشترين وهم لايدرون انهم بعد قليل سيكونون جزءاً من هذه السلع المعروضة للبيع .. وكان ذلك .. فاذا هم في صفين متقابلين احدهما للفتية والآخر للفتيات وقد دهنت اجسادهم بالزيت مثلما تلمع آنية النحاس عندما يراد بيعها ثانية بعد استعمالها .. ودق الجرس والتف حول ذلك اناس كثيرون كل يجس مايود شراءه بالطريقة التي تروقه .. وتعالت الأصوات بين البائع وبين المشترين والسبايا في دهشة لايفهمون مما يجري شيئا ولعل ما ادهشهم اكثر هو ذلك الرضا الذي كسى وجه أكر برغم ان اكثر المتجمهرين كانوا حوله وقد تعرض لجس كل يد من تلك الايدي العديدة .. لماذا لا ينتابه مثل ماينتابهم من خوف وفزع ولماذا تظهر عليه بوادر تلك الثورة التي كانت كثيراً ما تعتريه؟ وماذلك الا لأن أكر كان يعرف ان هذا هو المصير الذي يساقون اليه .. بل وقد كان ينتظر هذه الفرصة بفارغ الصبر .. لحظة أن يتحرر من قبضة مجموعة ليصبح في قبضة رجل واحد فذلك أيسر وأسهل وما الفرار بالأمر الصعب ساعتئذ.
    كان اكر اول من بيع من السبايا وقد جاء بثمن فاق توقعات آسريه .. حقا انه يساوي ذلك بل أكثر .. شباب وفتوة وقوة وشهامة ومروءة قلما تجتمع في نفس واحدة .. وتنافس حوله كل من حضر المزاد إلى أن حظى به الشيخ طه .. شيخ أحد القرى التي تقع على مقربة من تلك البلدة .. رجل تبدو عليه سمات العظمة ونعومة الحال وطول اليد .. ذو شأن عند قومه.
    ولم يستغرق الامر طويلاً حتى خلت ساحة المزاد من جميع المعروضين فيها ولم يبق سوى الرجال ومطاياهم وسعادتهم التي لا توصف .. إذا نفذت بضاعتهم تماما .. لقد حالفهم الحظ في ذلك فوجدوا سوقاً رائجة استنفذت جميع مالديهم .. ورغم أن اكر قد سعد بذلك من جانب الا ان الحزن قد داهمه من جانب آخر فعندما افترق الجميع وحانت ساعة الرحيل كان بعض اولئك الصبية الذين ظل يرعاهم خلال الزحف الطويل .. وارادوا المضي معه والذهاب في رفقته الى ان صدتهم عن ذلك ايدي ملاكهم الجدد .. فبكوا مثلما يبكي الصبي عندما يمنع من اللحاق بأبيه أو أمه حتى ان احدهم رفض الإنصياع لأمر سيده والتصق بأكر ممسكا بطرف ثوبه بكل قوة فبكى أكر لذلك وحمل الصبي على كتفه يهدي من روعه ويتحدث معه حتى اقنعه بأنه ذاهب لقضاء أمر ما وسوف يعود اليهم حالا وهو يعلم أن لا لقاء بعد هذه اللحظة غير انه ليس لديه ما يقوله سوى ذلك .. كانت تلك اللحظة من امر مامر بأكر ولكن من يجري وراء هدف كالذي يسير وراءه ينبغي عليه تحمل الآلام مهما بلغت حدتها فمضي في ركب سيده الجديد غارقاً في احزانه تحرقه الآهات وتعصف به اللوعات وصراخ الصبية من خلفه يلازم مسامعه حتى خرج من تلك البلدة وحالت المسافة بينهما.
    وصل أكر الى القرية التي من المفترض ان تكون مستقره وجاء ابناء سيده وأهل بيته يطالعون وجهه ويتحدثون بما لا يفهمه كأن الذي امامهم مخلوق من عالم غير عالمهم .. يضحكون ويسخرون وهو جاثم على كومةحصير تعصره الأحزان والهموم يفكر في وضعه الجديد مع هؤلاء الأجلاف الذين بدأت خشونة طباعهم منذ هذه اللحظة .. يجول بنظره متأملا ً وجه هذه البيئة القاسية .. كل مافيها يوحي بالقسوة والخشونة .. ارض كالحة مكفهرة واناس اجلاف رعاع .. ما أكثر أوجه الخلاف بينها وبين ارضه وبين هؤلاء البشر وبين قومه .. أين الحقول وأين الأحراش والتلال بل أين الأودية والاطيار والظباء؟ رباه كيف له بالعيش في مثل هذه القفار التي تجعل النفوس مقفرة مثلها خالية من أي معنى؟ ويعود إلى بورا ويسائل أنّى لزهرة مثلها أن تحيا في تربة لاحياة فيها وكيف استطاعت ان تقضي مامضى من ايام في مثل هذه البسابس الجرداء!!


    لم يقرب اكر طعاما في تلك الليلة وقد عافت نفسه كل ماقدم اليه .. لم تدع الهموم والأحزان مكانا لأحاسيس سواها وظل متكوما على حصيرته طوال الليل دون أن يغشى النوم أجفانه يعيد ترتيب اموره.. ليس هنالك وقت وعليه أن يعمل جاهداً منذ الصباح في سبيل تحقيق هدفه وان يعرف أول مايعرف مكان بورا .. ولكن كيف السبيل الى ذلك وهذه البقاع تمتد إلى مالا نهاية ولايعرف من دروبها ماينبغي أن يعرفه من هو في مثل موقفه؟ كل شئ اصبح في قبضة الغموض .. غياهب لاتنجلي .. على أي ضوء سوف يسير وسط هذه العتمة وهذا الظلام الحالك .. ويعود إلى ضلاله القديم وينبثق شعاع الأمل في جوانحه فيرى بورا في مكان قريب من هذه الديار .. انها قريبة منه .. تكاد تسمع صوته إذا ما صاح بإسمها .. هذه القفار هي الملاذ الأخير لكل السبايا .. ولكن أين بورا!!

  22. #22
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 21 )

    ماكاد فجر اليوم الثاني يطل حتى جاء ابناء الشيخ طه يوقظون أكر الذي كان قد مضى لتوه في نومه ليقوم بأول مهمة في حياته الجديدة .. حياة العبودية والإسترقاق .. وكانت هذه المهمة هي الذهاب بالاغنام الى صلب البادية لترعى الكلأ .. فنهض وبقايا النوم مازالت تلازم عينيه ومضى يتبع ابني سيده وهما على حماريهما خلف الأغنام حتى وصلا الى حيز الرعي .. واستعجب اكر الأمر .. اذ قد حسب ان المرعى مكان تغطيه الحشائش والأعشاب وتكثر به الأشجار مثلما لديهم في أرض التلال فاذا به لا أكثر من شجيرات صغيرة متفرقة انقضت الأغنام على اوراقها الصغيرة الجافة في نهم وشراهة وكلما اجهزت على حيز هش الولدان عليها لتنتقل الى حيز اخر واكر يتبعهما صامتا لايفهم من احاديثهما شيئاً وظلا هكذا الى ان كاد النهار ان ينتصف عند ذلك دلفا الى ظل شجرة يستريحان .. وكان على أكر أن يبقى مع الاغنام فلا يبرحها .قبل العصر اشار اكبر الولدين واسمه (علي) الى أكر ان يتبعه وأتخذ طريقه صوب القرية بينما بقي شقيقه يحرس الاغنام .. ولما وصلا لم يطل بقاؤهما في الدار حتى اخرج الولد الدلاء وحملها على حماره وصاح في اكر ان يتبعه فإنصاع للأمر ومضى يتبع خطوات ابن سيده حتى وصلا الى بئر القرية ووجدا حولها مجموعة من الناس تستقى فمكثا قليلا حتى جاء دورهما فرمى علي بدلوه مبقيا اكر بقربه كأنه يود ان يشرح له الكيفية التي يؤدي بها مثل هذا النوع من العمل .. كيف يرمي الدلو وكيف يعاد جره .. ولما كان اكر حديث عهد بهذ الأمر فقد تعثرت محاولاته في أول الامر الا انه استطاع أن يتقن صنعه فيما بعد واصبح ذلك جزءاً من عمله اليومي .. يذهب في الصباح بالاغنام الى المراعي ليعود عند الغروب .. وأصبح اسمه الجديد (بخيت) .. لقد رمى سادته بكل ماضيه بعيدا .. وقرروا ان بداية حياته أو لحظة ميلاده هي تلك التي قدم فيها اليهم ومادون ذلك فهو شيء ليس ذا قيمة .

    مضت ايام واكر يواصل عمله مابين المرعى وبين البئر لايفكر في شئ سوى بورا دون أن يوفق في الوصول الى اي نقطة يستطيع الانطلاق منها .. كيف يبدأ ومن اين يبدأ وأي مكان يقصده في بحثه عنها؟ تناثرت افكاره في كل حيز وكلما اعاد جمعها وترتيبها تفرقت امام عقبة اخرى .. لم يبق في جعبته سوى الامل .. فليس هنالك أدلة أو حقائق تقوده الى مكان بورا .. انه فقط يندفع خلف تصورات صنعها بنفسه واعتقد في صحتها الى حد الافراط .. وكلما تأمل تلك القفار وفكر في امره اقفرت نفسه مثلها تماما وتجمعت احزانه وهمومه واحس بدبيب اليأس في نفسه كسريان السم في العروق .. ان الوقت يمشي سريعاً وهو مستسلم للأقدار دون أن يبدي أي خطوة في طريق هدفه برغم أن الفرصة مؤاتية الآن اكثر من ذي قبل فهو في كثير من الأحيان يكون لوحده ودون رقيب فلما التردد إذن؟ الطريق واضح أمامه .. عليه أن يخرج من هذه القرية أولا ويترك مابعد ذلك للأقدار .. ينبغي تحطيم قيد الذل والعبودية أولا وعلى ضياء الحرية يمكنه أن يرى كل شئ بوضوح .. وقادته هذه الأفكار الى قرار هام .. الفرار من سجن الاستعباد .. نعم .. لئن فعل ذلك فسوف يهون كل شئ فيما بعد .. سيرى هنالك مالا يراه وهو في عتمة الذل والخضوع .. وسوف يصل إلى من يدله على مكان بورا .. سيجد حتماً واحداً من ابناء جلدته من الذين مضوا في ركب بورا .. فهم كثر ولاشك في وجود بعضهم في هذه الديار أو فيما حولها .. وذات مساء وبعد أن آوى افراد عائلة الشيخ طه الى مضاجعهم تسلل ومشى على اصابع قدميه حتى ابتعد عن الدار ثم اسلم للريح قدميه وهو يتبع ذات الطريق الذي جاء به الى القرية .. كان يعدو باقصى طاقته حتى يمكنه الابتعاد عن تلك القفار فهو يدرك ان هؤلاء الاعراب يستيقظون مبكرين قبل طلوع الفجر وسرعان ماينكشف أمر غيابه فيمضوا في اعقابه حتى يدركونه .. لذا عليه ان يكون بعيداً عن ديارهم .. واستطاع في تلك الليلة أن يجتاز مسافة كبيرة بينه وبين تلك القرية وكان كلما حسب انه قد ابتعد راوده شعور بأنه مازال قريبا من اولئك القوم فيضاعف من سرعة عدوه حتى تعدى البلدة التي شهد سوقها بيعه ورفاقه وانحرف يتبع الطريق الذي سلكته قافلة حسان الأعسر من قبل وقد عزم الوصول الى تلك البلدة التي مرت بها القافلة ورأى فيها ذلك الرجل الذي يحمل ملامحهم فقد كان له اعتقاد في انه سيجد لديه مايدله على مكان بورا .. ولما بدأت طلائع الفجر كان قد اجهد تماما بعد ان ظل يركض طوال الليل .. فلجأ الى مكان بجانب الطريق ليأخذ قسطاً من الراحة الا انه ماكاد يفعل حتى تعالى نباح مجموعة من الكلاب .. سرعان ماتجمعت حوله مكشرة عن انيابها تواصل النباح بشكل مخيف فنهض عن مكانه يحاول ابعادها عنه حتى يجد ثغرة تمكنه من الهروب ولكن قبل أن يتمكن من ذلك رأى نحو اربعة أو خمسة من الرجال قد اقبلوا على نباح الكلاب فاصبح محاصراً تماماً .. وسدت أمامه سبل الفرار وتقدم أحد الرجال الى مكان اكر وصاح فيه بما لم يفهمه وردد ذلك مراراً حتى ايقن انه يخاطب صنماً لايعي قولا فاشار الى رفاقه الآخرين ولم يطل الأمر حتى كان اكر مصفدا بالحبال.. لقد ساقه حظه العاثر الى ان يتخذ مكان راحته على مقربة من خيام فريق من البدو الرحل وسرعان ماكان هدفا لكلابهم وعلى أثر نباحها استيقظ القوم فقد علمتهم حياة البداوة ان الكلاب لاتنبح على هذا النحو الا اذا كان هنالك دخيل على ارضهم .. وسيق اكر فرجة لاهل الفريق في ذلك الصباح .. هبوا جميعاً اطفال ونساء وشيوخ ليشاهدوا هذا المخلوق الذي قبض عليه رجال الحي .. وكان قد ربط الى جذع شجرة في وسط الاكواخ .. ينظرون اليه بحذر وهم على بعد خطوات منه يسخرون ويضحكون واحاديث كثيرة تحاك حوله وهو صامت كتمثال .. غارق في احزانه وهمومه .. لقد خسر أول معركة يخوضها .. وهاهو اسير من جديد لدى اقوام رعاع .. مربوط مثل كلب عقور .. تنهال عليه الحجارة من أيدي الأطفال .. ولايدري مايفعل به بعد ذلك .. لئن قتل خير له .. نعم ان الموت أرحم واشد رحمة من هذا الموقف الذي يعيشه الآن .. أدرك منذ هذه اللحظة أن الطريق بينه وبين بورا ليس بالسهولة التي تصورها وهاهي اصغر العقبات تعترض طريقه دون أن ينجح في تخطيها .. اناس عجاف تحسبهم امواتاً .. يقبضون عليه وهو القوي الصنديد الذي لم يقهره عتاة المصارعين .. ويأخذونه موثوقاً بالحبال ليصبح فرجة للناس مثل قرد .. فانى له بمواجهة الكثير الذي ينتظره .. لكنه وهو الذي لايعرف الإستسلام .. كان قويا حقاً .. اقوى من هموم نفسه واقوى من اليأس .. لم يعتبر أن قبوله لهذا المصير هزيمة أو استسلاما وإنما أمر ينبغي عليه أن يتقبله في سبيل الوصول إلى غايته .. والغالب حقا هو المنتصر في نهاية المطاف .. فليسخر وليضحك هؤلاء القوم وليقولوا مايحلو لهم فسيضحك عليهم يوما وهو عائد الى ربوعه ودياره .. لن يثور الآن ولن يبدي غير الخضوع وستكون هذه العثرة عبرة له ودرساً يستفيد منه فيما بعد.
    مكث أكر في ذلك الموضع ليومين وفي اليوم الثالث مضى به الرجال في الطريق الذي عاد منه .. ذلك الذي يقود الى البلدة ذات السوق الكبير .. اربعة رجال .. نحاف مثل أعواد القصب .. قدر أكر وهو منساق خلف مطاياهم ان في استطاعته ان يضمهم جميعاً تحت ذراعه في قبضة واحدة ويستطيع أن يسحق اعناقهم في مرة واحدة .. لكن الوقت لم يحن بعد لمثل ذلك وليس هنالك ضرورة إذا ما سارت الأمور على خير .. واعتقد أكر انهم يعودون به الى ذلك السوق لاعادة بيعه هنالك .. وقد أصاب في ذلك فهم قد قدروا انه عبد آبق .. فر من سيده .. فهو مازال أعجمي لايعرف لسانهم .. وسوق تلك البلدة نقطة تجمع لكافة أهل القرى المنتشرة فيما حولها فان وجدوا من يبحث عنه نالوا مكافأته وان لم يجدوا ناشداً ساموه لمن يحتاجه وفي كلا الحالتين ستنالهم نفحة الحظ .. وكان اكرطوال سيره مشغولا بالتفكير في أمر ماينتظره .. وكلما مضى الرجال في سيرهم نحو البلدة المقصودة زاد اعتقاده في انهم عائدون به الى سيده .. فماذا يكون العقاب ان صح ذلك؟ لاشك ان فرص الهرب ستضيق من بعد ذلك .. سوف يضيقون عليه الخناق ويحكمون عليه رقابة صارمة وحتى ذلك القدر القليل من الحرية لن يتوفر له ثانية .. لكن لاشئ يثنيه عن ماعزم عليه .. سيفعلها عاجلاً أم آجلاً .. الموت وحده هو الذي يثنيه عن غايته ولاشئ غير ذلك.
    وماكاد الرجال أن يدخلون سوق البلدة حتى أقبل عليهم نفر من الناس وتحدثوا في صخب ولم يمض سوى القليل حتى جاء الشيخ طه في نفر من رجاله وشكر اولئك القوم ومنحهم مكافأة سخية تقديراً لحسن صنيعهم واستلم منهم ضالته .. ولم يتمهل في ابداء العقاب فانهال بسوطه يلحوا ظهر اكر في قسوة أمام رواد السوق واكر صامت لايفعل اكثر من اغماض عينيه مع كل ضربة .. تجمعت ثورته فجأة وهو يرى ذلك الظلم البشع وكاد ان يفتك بالحبال التي تكبله الا انه سرعان وماتراجع عن ذلك .. فقد حط أمام ناظريه طيف بورا وهان عليه الضرب والاهانة وكل الم يلقاه في سبيلها فرضخ لما يحدث واستسلم لاقداره إلى ان اُجهد الشيخ وكف عن الضرب .. لقد بكى في صمت لابسبب الضرب وألمه المبرح بل لما احس به من جور وظلم .. يضرب بالسوط امام الجميع وهو مقيد بالحبال ولا احد يمنحه الفرصة ليدافع عن نفسه .. ان لديه القدرة على ان ينتصر عليهم جميعا ولكن إنتصاره الحقيقي هو أن يظفر ببورا ومادون ذلك فلا يهم.

    وبقي اكر في الأغلال لأيام وهو صابر على محنته غير جزع على مارمته به الأيام الى ان جاء الشيخ ذات صباح يفك وثاقه .. وفي ظنه ان مثل هذا العقاب سيجعل هذا الشقي طائعاً ممتثلاً لكل أمر وسوف يثنيه عن أي فكرة للفرار .. لم يكن امام أكر الا أن يتظاهر بالخضوع التام وان يمتثل لأي أمر يصدر اليه من سيده أو أي من أهل بيته وإلا فسوف يفقد كل مايعينه في كفاحه فعاد الى سابق حاله يمارس مهامه .. الذهاب للمرعى عند الفجر ثم العودة في منتصف النهار ليجر الماء من البئر والعودة من الخلاء مرة أخرى لاحضار الأغنام واستمر على هذا المنوال لاكثر من ثلاثة أشهر وكان فصل الخريف على الأبواب اذ بدأت طلائعه تلوح بتراجع هجير الصيف وسمائمه .. ورأي أكر اهل تلك الحليلة ذات صباح يتأهبون للرحيل فالخيام قد طويت على دعائمها وأعدت المطايا وحملت بما يلزم من متاع ومضى الركب يظعن غربا يقصدون وادياً من الأودية ذو أراضي خصبة توارثوا زراعته أباً عن جد فيزرعون فيه الذرة وغيرها مما يحتاجونه ويظلوا هنالك حتى وقت الحصاد ومن بعد ذلك يعودون الي قريتهم.
    حل الركب بارض الوادي المنشود في اليوم التالي وانتشر القوم يعيدون نصب خيامهم هنا وهناك في حيز اكثر ارتفاعاً عن بقية الأرض .. ولما جاء الصباح انشغل الرجال باعداد الأرض وحرثها كل يعمل في نطاق خاص به .. أرض هشة طيبة ليست مكفهرة كتلك التي جاءوا منها .. وفي الايام التي تلت كانت البذور قد بذرت ولم يعد هنالك من عمل سوى الانس وشرب القهوة .. فالإغنام تسرح هنا وهناك وقد غشيت انوفها رائحة المطر المنبعثة من على البعد وبدأت السحب تغزو السماء وتتجمع بشكل يزداد من يوم لآخر حتى اكتمل نصابها فأمطرت وتوالى صبيبها واستحالت تلك القفار الى جنة خضراء ومروج تمتد على مدى البصر وأخضرت الحقول ونما زرعها وأهاج ذلك ذكريات اكر واشجانه فكان يبكي وهو بين الأغنام .. ويناجي في سره حبيبة القلب بورا ثم يخرج تلك الصرة التي تحمل اثرها ويقبلها ثم يعود يدسها في مكانها الآمن .. لم تغب عن باله لحظة ولم يثنه جميع مامر به من نوائب عن ذكرها أو التفكير فيها .. سوف يتحرر من هذا الأسر عاجلاً أم آجلاً .. المسألة أمامه مسألة وقت فقط وعندما تحين الفرصة التي ينتظرها فسوف لن يتوانى في تنفيذ خطة فراره .. راى في هذا الوادي النقطة المثلى للإنطلاق فإذا ماتوالى هطول الأمطار على هذا النحو فإن الحشائش سوف تنمو وتشكل ستاراً يساعده في مهمته .. وهؤلاء القوم منشغلون بانسهم وبزرعهم .. منساقون تماماً خلف ماحبتهم به الطبيعة في هذه البيئة الجديدة .. فواجباته محصورة هنا في رعي الأغنام ومراقبتها حتى لاتبتعد عن حدود الوادي يساعده في ذلك احياناً الإبن الأصغر للشيخ طه وفي معظم الأحيان يسرح لوحده .. وقدر انه اذا ماتم له ذلك فسوف يتجه في فراره غربا ليكون في محاذاة الطريق الذي سلكته قافلة حسان الأعسر من قبل .. كان اكر مصرا على ملاقاة ذلك الرجل الأسود الذي شاهده في تلك البلدة .. فقد كان يحس بأن لديه مايعينه على لقاء بورا.

  23. #23
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 22 )

    في صباح أحد تلك الأيام حل في ربع الشيخ طه ضيف .. ثلاثة رجال اقبلوا على حمر بيض خضب الوحل سوقها بلون يميل الى الإحمرار قدر أكر من خلال الحفاوة التي قوبلوا بها من الشيخ وابنائه انهم من ذوي المكانة لديهم .. احدهم في سن الشيخ طه أو اكبر قليلاً والآخران شابان في اواسط العمر .. لقد كان ذلك الرجل ذو اللحية البيضاء هو الشيخ (حماد) ابن عم الشيخ طه يعيش في قرية بعيدة عنه وقد حل ظعنه على الطرف الآخر من ذلك الوادي مع حلول موسم الأمطار .. جاء في قومه أيضاً ليزرعوا نصيبهم من ارض ذلك الوادي الواسع الأرجاء .. والرجلان الآخران احدهما ابنه والآخر زوج ابنته .. انشغل الشيخ وبنوه وبقية قومه بأمر ضيفهم وإكرامهم وجلسوا جميعاً يسمرون ويتحدثون في أمور شتى .. وخطرت فكرة محاولة الهرب في ذهن أكر .. فاللحظة مواتية والوقت مناسب .. وهاهو وحده مع الأغنام .. لن ينتبه أحد الآن الى وجوده أو عدم وجوده .. الجميع في شغل عنه وعندما ينفض سامرهم يكون قد اجتاز من هذه الرقاع مايجعله في مأمن من أن يلحق به أحد .. وهمّ بتنفيذ ماخطر على باله غير أنه تراجع عن ذلك مخافة أن يكون قد تسرع في قراره فتفشل محاولته الثانية ويكون بذلك قد وضع نهايته بيده .. مازالت الفرص تتكاثر من يوم الى آخر امامه وعندما تحين أكثرها ملاءمة فلن يحبسه حابس ولن يمنعه مانع وإذا ما أعد العدة فسوف يجعل الليل مسراه. مكث الضيف لدى الشيخ طه الى مابعد العصر ثم استأذنوه قافلين الى ربعهم في الطرف الآخر من الوادي.
    ظل اكر طوال ذلك الليل يعيد صياغة وترتيب خطته للفرار متخذاً من عثرته السابقة درساً وعبرة .. ولم يترك ثغرة الا أحكم سدها ولا خللاً الا أصلحه وقرر أن تكون هذه الخطة هي الحاسمة دون أن يضيف اليها أو يأخذ منها .. وابقاها في طيات نفسه الى ان تحين اللحظة المرتقبة واصبح يخشى طيف بورا الذي لايكف عن ملازمته فكلما أتاه تجددت اشجانه وعصف الوجد به فتشتعل النار بين جوانحه وبات في خوف من اين يقوده ذلك الى التعجل في تنفيذ خطته فيمنى بهزيمة تكون القاضية .. ولكن اتت الأيام بما لم يكن في حسبان اكر وداهمته بمفاجأة لم يتوقعها أبداً .. فلم يمض طويل من الوقت على زيارة أقارب الشيخ طه حتى خرج ركبه في صباح أحد الأيام قاصدا نزلهم ليبادلهم الزيارة ..ومضى أكر في صحبة الركب فكان اثناء المسير يراقب الطريق بكل دقة ويفرح كلما رأى الحشائش نامية على امتداد البصر والماء من تحتها .. وبقدر مايفرحه ذلك يعود فيثير ذكرياته واشجانه .. تلك المروج الخضر بحلتها الزاهية .. رائحة العشب ورائحة الطين .. ربط فيما بين ذلك ومابين تلك المروج الممتدة بين الأكواخ وقرية عمه وطاف خيال والده العم سايس .. حديثه وأحاديثه التي لايكف عن سردها .. كيف هو الآن؟ أمه و شقيقته .. ماذا فعلت بهم الأيام في غيابه؟ لاشك في أن مايجري له الآن ماهو الا عقاب السماء له على ما فعله بهم وماساقهم اليه .. لام نفسه على اثرتها .. ويخرجه منظر المروج الخضراء من معاناته هذه الى معاناة اخرى .. فكلما رأى الحشائش النامية رأى من بينها بورا تهرول هنا وهناك .. تختفي حينا وتظهر حينا أخر .. تداعبه .. فيجري خلفها ويمسك بها ثم يهويا على العشب سويا .. آه اين هي الآن؟ عل هي على مقربة منه .. في مكان ما من هذه البقاع أم أن احساسه يخدعه؟ في خدمة من من هؤلاء الرعاع؟ من ذاك الذي حظي بها؟ رباه لقد طال الفراق فهل من سبيل الى اللقاء أم انه الفراق الأبدي؟!!... وكلما توغل الركب أكثر في بطن ذلك الوادي كثرت الحشائش وطالت وانبعثت رائحتها الطيبة فتثير في نفس أكر احساسا بأن هذه الرقعة من الأرض ماهي الا اسيرة مثله جاء بها هؤلاء الأوغاد من مكان آخر لا رابط بينه وبين بيئتهم فهي لاتناسبهم ولاتشابه اطباعهم الجافة الموحشة .. هذه المروج الخضراء الزاهية الممتدة الى مالا نهاية ماهي الا جزء منسلخ من أرض الأكواخ والتلال .. اما أن تكون قد جاءت إلى هنا رغماً عن ارادتها كحاله أو انها حلت خلسة لتكون له معينا في خلاصه من نير العبودية وذلها .. وظلت الأفكار تسوقه إلى أمور شتى ولم يعد الا حينما تراءت امامهم خيام قوم الشيخ حماد وقد بدأت فوق مكان مرتفع يطل على جانب ذلك الوادي .. وسمع أكر اصوات الكلاب وقد تعالى نباحها على مقدمهم .. اللعنة على هذه المخلوقات التي لولاها لما كان هنا هذه الساعة فهي لاتكف عن النباح ليلا كان ام نهاراً .. وعند شجرة طلح وارفة الأغصان نامية على جانب الحيز الذي نصبت فيه خيام القوم شدت اوثقة الحمير وجلس من بينها اكر وكلاب الشيخ الثلاثة التي نشأت فيما بينها وبينه الفة ومودة بعد تنافر شديد في أول الأمر .
    ساعتها كانت الغيوم قد تجمعت فأنشأت على ذلك الوادي ظلة طابت على اثرها نسمات الهواء الفاترة فغشي شئ منها أكر المستلقي على العشب تحت تلك الشجرة بين الكلاب والعير فسرت سنة من نعاس تثقل اجفانه فيقاومها وتقاومه .. تغلبه تارة ويغلبها في اخري وبينما هو كذلك احس بوقع أقدام على الحشائش فرفع رأسه قليلاً ليرى القادم نحوه فاذا بالقادم شاب أسود في مثل سنه يحمل ملامح أهل الأكواخ وقد جاء يحمل اناء به شيئا من الطعام فهب أكر من مرقده في هلع وظل يفرك عينيه حتى تيقن من أن الذي أمامه واقع وليس بحلم .. ارتعدت فرائصه وتسارعت النبضات حتى خشي أن يخرج قلبه من بين اضلعه وظل يحملق في الواقف امامه وكلاهما صامت كأنهما تمثالان قدا من صخر وقد عقدت الدهشة لسان كل منهما .. كانت مفاجأة لم يحسب أي منهما حسابها .. وتحركت شفتا أكر في تردد كمن يريد قول شئ ولايقوى عليه .. وحذى الآخر حذوه .. وبعد لأى استطاعت شفتا الآخر ان تنطق في لغة أهل الأكواخ: "لولا اني اشك في قوة بصري لقلت انني أمام أكر .. ولكن هيهات أن يأتي اكر الى هنا .. من اي قرية من قرى التلال أيها الرفيق "!!....أسئلة عديدة تهاوت مثل حبات المطر التي بدأت تتساقط في تلك الساعة في قوة كأن السائل يخشى زوال المسؤول كما تبدد اليقظة الحلم .. وماكان الجواب الا عناقا طويلا.. بكاء ودموعً انهمرت مثل ذلك المطر المنهمر .. آهات وعبرات فجرت في أعماق كليهما كل ماكان محبوسا فيها من الآم وأحزان .. "حقا انا اكر" !! واعترضت مزيد من العبرات نبرات صوته .. فإنقطع حديثه حيناً .. جلس أكر ويامو على العشب وقد اتخذا من تلك الدواب ستارا يتحدثان بصوت خافت وعلى عجل كأنهما يخشيان ان يأتي مايفرق بينهما ثانية مثل مافرقت الأيام بينهما وبين اترابهما .. لايعرفان نقطة معينة للامساك بحبل الحديث فقد مزجت المفاجأة كل الأمور في وعاء واحد .. وشيئا فشيئاً استجمعا من رشدهما بعضه .. وقال يامو مخاطباً اكر :"قل لي كيف أنت هنا؟ لو انني وجدت غيرك من الرفاق الذين أسروا معي لما اخذتني الدهشة ولكن ان تكون انت الذي آراه هنا فهذا أمر غريب حقاً .. فأنت لم تكن معنا آنذاك بل ولم تكن موجوداً عندما جرى لنا ماجرى .. فما الذي ساقك الى هنا وكف جئت؟ وما الذي قادك الى هذه القفار لتصبح تحت قبضة هؤلاء الناس"؟ صمت أكر طويلا وهو ينظر في البعيد حتى خيل ليامو ان علة مفاجئة قد المت به وحالت بينه وبين الكلام فهم ّ باعادة سؤاله غير أن الدموع التي تجمعت من جديد في عيني اكر جعلت يامو يتأنى قليلا الى ان تمكن من السيطرة على عبراته وكفكف أ دمعه ثم قال مخاطباً يامو: "هذه حكاية طويلة طول هذا الهم الذي ابى أن ينجلي .. لن استطيع ان احكي لك شيئا هذه الساعة ولكن قل لي انت .. اين بقية الرفاق؟" فهم يامو مايرمي اليه اكر ومغزى سؤاله فهو يدرك تمام الإدراك مابين أكر وبورا ولكنه لم يشأ أن يتسرع في الإجابة ومضى يعدد الأسماء .. اسماء من كانوا معه من افراد الفوج من فتية وفتيات .. تفرقوا جميعاً منذ تلك الساعة ولم يكن معه في قريته التي سيق اليها , قرية الشيخ حماد, الا صبي من الصبية ولكن هنالك آخرون في قرية مجاورة لقريته منهم تورو وقد تلاقيا في السوق الذي يجمع أهل القرى لمرتين أو ثلاث .. تلكأ يامو في الحديث وهو يرى سؤالا واحد ملحاً في عيني اكر وتردد في الخوض في مجرى الحديث عن بورا لعلمه أن مالديه لن يجد فيه أكر سوى مزيداً من الآلم والآسى وخيبة الظن وحاول كثيراً ان يحيد به عن ذلك ولكن لامفر فطالما تحدث عن الجميع ينبغي ان يتحدث عن بورا حتى لايعتقد أكر ان عدم الخوض في الحديث عنها قد يعني انها في عداد الموتى .. وفجأة ردد يامو اسم بورا بصوت خافت واذ ذاك تابعه اكر بكل حواسه وقد تسارعت ضربات قلبه :" لم تكن بورا من ضمن من انفصلوا عن الركب.. لقد رأيت كثيرا من المساومين يتنافسون حولها لكنني مازلت استغرب لماذا لم تكن من نصيب أي منهم حتى نهاية المزاد .. لا أدري ماجرى بعد ذلك اذ اخذنا عنهم ومضينا نتبع سادتنا الجدد الا انني علمت من تورو حين قابلته في تلك المرة ان بقية من الفوج من بينهم بورا قد مضوا بعيدا صوب الشمال ويعتقد ان قائد الركب مضي بها الي دياره البعيدة عن هنا ".. لقد تجنب الحديث حول ماجرى للفتيات اثناء الزحف مخافة أن يؤدي ذلك الى اثارة الغيرة في نفس اكر فيحطم نفسه قبل أن يحطم اعداءه .. ((اذن فإن بورا غير موجودة هنا .. وكيف علم تورو بهذا الأمر؟)) وجه أكر سؤاله في حدة منبعها احساس بخيبة الأمل .. فذكر له يامو ان تورو قد قابل أحد الاشخاص الذين سبق مجيئهم الى هذه الديار وعرف منه ماعرف .. احس اكر بعتمة تعتري الكون من حوله .. وعاد صوت يامو وهو يواصل الحديث معه وكأنه آت من بئر عميق ومرة اخري تختلط موازين الأمور لديه ويساور الأحباط نفسه .. لا أحد يدري أين بوراوفي أي مستقر رمت بها الأقدار !! ان اراد البحث عنها فعليه أن يكون في استعداد من يريد البحث عن شعرة ملقاة بين حشائش هذه المروج الممتدة امامه الى حد لاتدركه الأبصار !! لم يعد يسمع شيئا مما ظل يامو يرغي به إلى أن انبرى فجأة صوت قوي ينادي : "مرسال... مرسال... أين هذا العبد؟" فهب يامو ومضي علي عجل يلبي نداء سيده دون أن يستأذن أكر وبعد ان غاب طويلا عاد يواصل ما انقطع من حديث بينهما .. قال ساخراً : "فاتني أن اخبرك بأن اسمي أصبح (مرسال) فهل ياترى أن ما اصابني اصابك ايضا"؟! .. فأجاب أكر في تأفف وهو ينظر بعيدا أسموني بخيت))... أخبر يامو صديقه بأن ركب الشيخ طه يهم بالرحيل وعليه فليست هنالك فرصة لمواصلة الحديث ولايعرف أي منهما متى تتوفر لهما الفرصة ثانية وعلى ذلك فقد اقترح اكر على يامو ان يلتقيا سراً في مكان يتوسط المسافة بين مضارب خيام الحيين لمرتين في الأسبوع وأن يكون ذلك في وقت متأخر من الليل وكان على يامو أن يقوم صباح اليوم التالي بمتابعة أثر الدواب فيسبق اكر في الليلة المرتقبة ويوقد نارا يستطيع اكر الأستدلال بها عندما يقصد المكان في الليلة المتفق عليها .
    انتظر اكر ذلك اليوم بفارغ الصبر . .فقد كان ظهور يامو في حياته مرة اخرى بمثابة عودة شئ من الحياة الي جسد كاد يخلو منها .. فأقله أنه قد وجد شخصاً يستطيع التحدث اليه ويفضي اليه بهمومه ويبث الشكوي اليه بعد أن ظل لوقت طويل لايحدث الا نفسه وعلى ذلك فقد كانت سعادة أكر لا توصف عندما تراءت له شعلة النار من على بعد خطوات.
    جلسا على تلك الربوة يتحدثان في مالم يتطرقا اليه من قبل وهما في حالة صفاء وهدوء تام فلا رقيب سوى قمر توسط قبة السماء وتلك الحشائش المتراقصة على ايقاع نسمات الليل المشبعة برائحة الحشائش .. وجلس أكر يروي ليامو قصة فراره عن الأكواخ .. حدثه عن رجوع رجال دلدوم بعد مقتله وعن موت بابور وعن مجيئه الى هنا وعن محاولته الفاشلة للهرب .. وروى يامو كيف تم سبيهم وكيف بدأ الهجوم وكيف لاذ هو بذلك الكهف عندما نجح في التخلص من قبضة الغزاةوكيف هاجموهم داخل الكهف .. ظلت اعينهما تذرف الدموع غزيرة وهما يستذكران فصول تلك المأسآة .. وبقي سؤال واحد دون إجابة .. هو مكان بورا .. لقد اخبر اكر يامو صراحة بانه جاء من أجل بورا ولابد له من الوصول اليها مهما كلفه ذلك من ثمن ومن ثم العودة إلى الأكواخ .. الى منبت جذورهم ومهد هواهم.
    وجد أكر أنه الآن وبعد حصوله على المعلومات الجديدة امام تغيرات اخرى في خطة فراره اذ يلزمه أن يقابل خصمه اللدود تورو فرأس الخيط الذي يقود الى مكان بورا في يده وأمر الوصول اليه ليس بالعسير فقد ذكر يامو اسم القرية التي يوجد فيها وهي ليست ببعيدة عن قرية الشيخ حماد .
    ظل لقاء الليل بين أكر ويامو يتكرر ولقد سعدا بذلك كثيراً اذ خفف من همومهما واحزانهما .. وقد وضع يامو يده في يد اكر وقررا الا يفترقا الي ان يجدا بورا ومن ثم العودة الي الديار وحددا معاً ساعة الإنطلاق وأعدّا العدة لذلك وكانت خطتهما أن يبدأ الفرا من هنا .. من هذا الوادي الذي ماهو الا قطعة من ربوعهم جاءت لتكون المنقذ من هذه المحنة وان يقصدا عقب ذلك القرية التي يوجد فيها تورو فهو بلا شك في انتظار مثل هذه الفرصة واذا ما إنضم اليهما فسوف يصبحون عصبة تواجه كل ما يقف في طريقهم .

  24. #24
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 23 )

    وجاءت الفرصة الموعودة .. فلم يكد أهل الحيين ان يضعوا رؤوسهم حتى هب أكر ويامو تحت جنح الظلام ليضعا أول خطواتهما على طريق الحرية .. تقابلا في ذلك الموضع ثم انطلقا بين الأعشاب الكثيفة التي تكاد ان تخفي قامتيهما .. كان سلاح كل منهما مدية حادة وهراوة غليظة ان هوت على رأس جعلته دون ريب حطاماً ... يحثا السير بين الحشائش والوحل ويعدوان حينما يجدان ارضاً يابسة و كان سيرهما بعيداً عن مضارب البدو فما ان يسمعا نباحا من على البعد حتى ينحرفان عن خط سيرهما ويسيران في اتجاه آخر .. لايتكلمان الا عندما تكون هناك مدعاة للكلام ولما اوشك ضياء الفجر على الانبثاق كانا قد بعدا كثيراً عن ذلك الوادي ولم يعد من السهل اللحاق بهما لمن اراد تتبعهما .
    مضى على فرار اكر ويامو يومان وهما يسلكان دروباً ملتوية .. افتقدهما سادتهما الا انهم لم يكلفوا انفسهم مشقة البحث عنهما واكتفوا في بحثهم بالذهاب الى فراسخ معدودة في الجهة المعاكسة لتلك التي سلكاها .. لم يعترضهما في سيرهما سوى الأشواك الغائصة في الوحل فقد يضطرا احياناً للتوقف لانتزاعها من اقدامهما أما فيما عدا ذلك فقد كان سيرهما آمنا.
    أطل صباح اليوم الثالث لرحيلهما ليكشف عن سماء حجبت السحب الداكنةوجهها ببرقع أسود وانخفضت أثر ذلك درجة الحرارة فهبت نسمات الصباح ونشطت حركتها منذرة بدنو المطر ولما لم يكن في ذلك الحيز مكان آمن يحمي من ذلك فقد انحرفا عن خط سيرهما ينشدان مكانا يمكن أن يحميهما من المطر وما كادا يخطوان حتي تبين لهما انهما على مقربة من حي من احياء البدو حينما بلغ مسامعهما نباح الكلاب فانحرفا الى طريقهما السابق وطفقا يجريان حتى اصبحا بمنأى عن ذلك الحي .. كان المطر ساعتها قد بداً في التساقط .. قطرات صغيرة متفرقة لم تلبث ان غدت سيلا جارفاً .. واكتفى اكر ويامو بالبقاء تحت شجيرة صغيرة لم تستر الا الجزء الأعلى من جسديهما .. وأستمر هطول المطر حتى ظهر ذلك اليوم ولما كفكفت السماء ادمعها كنت تلك الفلاة قد بدأت مثل بحر عريض لاساحل له .. لاشئ يرى سوى الماء كأن ينابيع الأرض قد تفجرت أيضاً .. وما ان توقف هطول المطر حتى غادرا مخبئهما ومضيا يخوضان الماء والوحل دون أن يأبها بالبرد ولا البلل الذي لحق بثيابهما ولا بالاشواك الغائصة في الوحل .. جل همهما مواصلة السير قدما فالطريق امامها طويل وغايتهما صعبة المنال.
    في وقت متأخر من مساء اليوم الرابع كان اكر وصاحبه على مشارف القرية التي قيل ان تورو موجود فيها وكان عليهما أن يجدا مكانا يقضيان فيه ليلهما ويتدبرا الكيفية التي تمكنهما من لقاء تورو دون أن يثير ذلك انتباه اهل القرية .. فظهور غرباء مثلهما في قرية صغيرة كتلك سوف يكون دون شك مثارا للريبة .. لذلك فقد عزما على البقاء خارج القرية الى ان يأتي الصباح واذا ماجاء الصباح ذهبا يرقبان الرعاة من على البعد لعل ان يكون تورو من بينهم او ان يجدا من يدلهما عليه .. لذلك فانه ما ان اطل الفجر حتى جثيا في مكان منخفض تحف به الحشائش ويقع على مقربة من طريق يمر عبر تلك المروج بدأ انه مسلك للرعاة واغنامهم .. وقد حالفهما التوفيق في اختيارهما ذلك الموضع .. فلم يمض طويل من الوقت حتى اقبل الرعاة في مجموعات متفرقة يزحفون عبر ذلك الدرب .. يتحدثون باصوات عالية تارة وتارة يغنون أو يضحكون .. لم يكن تورو من بينهم بل ولاحد من امثال تورو .. وكاد صبر أكر ان ينفذ وهو يرمق ببصره اولئك الفتية يمرون دون ان يجد من بينهم من قد يدلهما لولا ان لفت يامو انتباهه الى النحية الأخرى من موضعهما حين كان هنالك فتى اسود يسير خلف مجموعة من الأغنام .. وبرغم بعد المسافة الا ان هيئته تدل بما لايدع مجالا للشك بأنه ليس من اهل هذه الديار كما انه ليس بتورو فقد كان اقل طولا واضعف بنيه .. وعلى كل فقد زحفا من بين الحشائش قبالته حتى وقفا عن كثب فاذا به يحمل نفس ملامحهم .. لم يترددا في الظهور امامه وابتدراه بالقاء التحية فردها في لغة قومهم .. هو اذن واحد من لحمهما ودمهما .. جرته الى هنا ذات اليد الآثمة التي قادتهما الى هذه القفار.. ترك اغنامه ترعى على هوها وجلس يؤانس ضيفيه .. اسمه (اتيم) ... يكبرهما في العمر قليلا كما انه سبقهما الى هذه الديار بما يزيد عن العامين.. ذكر لهما اسم قريته وما ان اخبراه باسم قريتهما حتى صاح ( انكما اذن تعرفان تورو؟)) .. توروّ وهل هما هنا لغاية سوى تورو؟ اجاباه معا وفي آن واحد وقد سادهما ارتياح عميق (نعم نعرفه ومانحن هنا الا من اجله)) .. غير ان آتيم صمت طويلا قبل أن يخبرهما بأنه قد نشأت بينه وبين تورو صداقة حميمة فكانا لايفترقان طوال يومهما .. يذهبان الى المرعى سويا ويظلا هناك لوقت طويل .. لايفرق بينهما سوى النوم .. الا نه قد افتقده .. وتجهم وجه اكر ويامو وتبددت فرحتهما الى دهشة وهما ينظران الى (اتيم) ليواصل بقية الحديث .. لقد اصر تورو على الفرار وكان له ذلك .. فقد فر منذ امد ولم يعد يعرف أي معلومات عنه اذ انقطعت اخباره .. وكل الذي يعلمه ان تورو هرب في أثر شقيقته التي سبيت معه فبينما تم بيعه هنا سيقت هي الى ديار اخرى بعيدة عن هذه الديار .. كان حديث اتيم بمثابة ريح قوية هبت على جمر خمدت ناره ولم يبق منها الا جذوة ضئيلة على وشك ان تهمد اذا انبعثت نار الغيرة في صدر اكر فجأة وفار الدم في عروقه .. ولم يستطع إثر ذلك ان يخفي ماكان يموج في اعماقه :" ومن تكون شقيقة تورو هذه ؟ ليست لتورو شقيقة من بين الذين اسروا "!!... ألقى بأسئلته في لهجة حادة استعجب اتيم علي اثرها هذا التغير الطارئ .. لقد بدأ اكر لطيفاً قبل لحظات وهاهو الآن يرغي كبركان ثائر .. ما الأمر؟ ولما كان يامو يدرك سر ذلك فقد دنى يضع كفه في رفق على كتف اكر لعله يستطيع ان يهدئ من روعه ويخفف شيئا مما بدا عليه .. ثم واصل اتيم حديثه وتنفس يامو الصعداء حين اكتفى بما حدّث دون أن يسترسل في الحديث إلى مدى أبعد . اخبرهما اتيم بان تورو ينوي الأرتحال شمالا فقد قيل ان قائد الغزاة قد احتفظ بها لخدمة بيته ولم يشأ بيعها وساقها الى بلدته في اقاصي الشمال ولكن لم تكن لتورو معلومات عن اسم البلدة أو موقعها .. كل الذي يعرفه انها تقع في مكان بعيد عن هنا .. قد يستغرق الوصول اليها السير لأيام عدة .. لم يكن لأكر شك في من تكون شقيقة تورو التي فر ليلحق بها لذا فقد اندلعت نار الغيرة حامية.. ياويل تورو ان كان لايزال يفكر في بورا .. لقد كان معها في فوج واحد ولامد طويل .. فهل حل محله في قلبها بعد ان اصابها اليأس من قدومه !! وإلا فلماذا يفر من اجل اللحاق بها؟ كيف السبيل الى الوصول الي هنالك ليقف على الحقيقة بنفسه؟ ان كان ذلك قد حدث فعلا فسوف يكون العقاب رادعاً لتورو .. لن يكتفي بخلع قلبه بيده .. بل سيحرقه حرقاً .. كلا ان ينتزع احد عرشه ! .. لن تكون بورا لأي من الناس سواه .. ومن وسط تلك الهواجس استطاع اكر ان يعود الى رشده قليلا ويمتثل الى أوامر عقله .. ان كان حقا يريد الوصول الى بورا عليه ان ينسى كل ذلك وان لايضيع من الوقت اكثر مما ضاع .. لابد من المضي الآن في طريق بورا .. لقد تجمعت لديهما معلومات لابأس بها عن الطريق الذي يقود اليها .. عرفا اسم قائد الحملة المدعو(كرار الزير) وبالطبع فان يامو يعرفه لكنه لم يكن يعلم اسمه ولا يعلم أي شئ عنه سوى انه هو قائد الغزاة وانه من قتل دلدوم بذلك السلاح اللعين .
    مضى أكر ويامو في طريقهما الى غايتهما وقد زودهما اتيم بما تيسر له من طعام وقاما يواصلان السير لايلويان على شئ حسب الخطة التي وضعها لهما وهي ان يكون مسارهما ليلا واذا ماطلع الفجر خلدا للنوم في اي مكان مستتر وبقيا حتى قبيل الغروب .. فقد كان يخشى عليهما من تحرش الآخرين .. فمن هؤلاء الناس من لايتردد في محاولة سبيهم مرة أخرى وقد كانت لأكر تجربة سابقة.

  25. #25
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 24 )



    كانت بورا تعاني من سوء معاملة زوجة سيدها من ناحية ومن العزلة والوحدة التي اصبحت تعيشهما منذ أن حلت بهذه الديار من ناحية اخرى .. فقد وصلت بمفردها دون أي من رفاق الأسر الذين بيعوا قبل الوصول إلى هذه البلدة لتواجه امراة متسلطة حادة الطبع هي زوج كرار الزير .. فقد ادركت ميمونه تعلق زوجها بجاريته (نورا) لاسيما بعد أن رأت بطنها تكبر من يوم إلى آخر ..وهي ولود لكنها لم تلد الا الإناث فكانت تخشى أن تأتي هذه الجارية بصبي ولشدة ولع كرار الزير بأن يكود له ولد يرثه ويحمل اسمه من بعده فلم تستبعد أن يعقد قرانه عليها فتصبح بذلك ضرة لها .. لذلك فقد كانت تذيقها صنوفا من العذاب وتفرض عليها اعمالا قاسية شاقة فهي التي تطحن الذرة على الرحى وهي التي تجمع الحطب وتقوم بالعجن وتنظيف الأواني وفناء الدار وهي التي تجلب الماء وتغسل الثياب ولاتذوق للراحة طعماً .. تظل تعمل كآلة منذ طلوع الفجر وحتى بعد العشاء.. واذا حدث من جانبها اي قصور في واجباتها لاي ظرف كان فليس لها من عذر وليس لسيدتها استعداد لتقبل اعذارها فينهال عليها السوط في قسوة بالغة ولايجدي حيال ذلك صرخاتها ولاتوسلاتها.. ولما كان الحال كذلك فقد ظل الإكتئاب طابع حياة بورا وسرعان مابدأ ذلك الجمال الآخاذ في الذبول واصبحت حزينة صامته لاتكلم احدا ولايكلمها احد الا اذا كانت هنالك اوامر دون ان تجد من تبوح اليه بشكواها أو من يفرج عن همومها اذ لايوجد في هذه القرية من رفاقها احد الا انها رات ذات مرة فتاة في مثل سنها قدرت أن تكون من احدى التلال وسعت كثيراً الى مقابلتها والتعرف عليها الا ان سيدتها لم تتح لها الفرصة فهي لاتسمح لها بالخروج عن الدار الا لاداء الأعمال التي توكل إليها .. فكانت بورا تنتظر حلول الليل مثلما ينتظر الصائم مغيب الشمس .. فهنالك محط شكواها وكعبة نجواها .. تظل تطالع النجوم وتسألها عن ذويها واحبائها .... لاشك أنها قد اصبحت الآن في طي النسيان.. شأنها شأن من مات .. لاريب في أن اكر قد تألم لفقدانها كثيرا وبكي الفراق الا ان بذرة النسيان سرعان ماتكبر في القلوب حتى تغدو شجرة ذات افنان .. وهاهما الآن قد مر على فراقهما امد طويل ومات كل رجاء في تلاقيهما ثانية .. كتب عليها أن تظل ترزح في قيود الذل والاستعباد وهي التي كانت أميرة فتيات الأكواخ .. ياتيها الشيخ ليلاً في عشتها الكائنة في الطرف الأقصى من الدار كلما لعب الخمر برأسه يجرجرها ويجذبها بعنف جيئة وذهابا حتى وهي في آواخر شهور الحمل .. لايكل ولايمل .. تجتذبه كل امرأة مهما كان شكلها أو وصفها كأنه يبحث عن شئ نفيس اضاعه يوماً بين افخاذ النساء فلا غرابة ان اطلق عليه الرفاق كرار الزير .. فهو كثيرا مايقصد القرى الآخرى بحثاً عن النساء .. تزوج منهن عدة .. الا انه لم يرزق بابن ذكر فطلقهن جميعاً ولم يستبق منهن سوى زوجته ميمونه وبرغم حدة طبعه الا انه لم يستطع التحكم فيها بل كانت هي المتحكمة في كل شئ .. يقضي معظم ايامه في الأسفار واذا ماعاد كان شغله الشاغل حانات الخمور لايكاد يخرج من واحدة الا ليذهب للآخرى .. يعرف كافة صاحباتها ويعرفنه جميعاً وحين يعود من رحلاته كانت نساء الحانات يتنافسن في استضافته هو ورفاقه .. معروف بين هذه الأوساط بكرمه وسخائه .. ينفق بغير حساب حتى آخر قرش واذا مانفذ ماله أو كاد اعد حملة اخرى تغير علي اولئك البسطاء في عقر ديارهم فيزهق روح من يقاوم ويفجع اكبادا وافئدة بل ويستبيح شرف امة وحرية شعب برمته في سبيل اشباع رغباته الدنيئة هو واقرانه .. يحدث كل هذا من اجل العبث مابين افخاذ العاهرات وجرار الخمور .. تظل بورا تحادث نفسها وتناجي الأحباب الى ان يدركها النوم فيريحها ذلك قليلا وما ان تبدو طلائع الفجر حتى تصحو عندئذ معاناتها والآمها كأن الفجر والأكدار شيئان متلازمان .. تدعو الله في سرها وعلانيتها ان يخلصها من ذلك العار الذي تحمله في احشائها وان يحسن خلاصها من قيود الذل أو ان يجعل الموت راحة لها من كل شر .. فالموت افضل بكثير من حياة مثل هذه التي تعيشها .. واستجابت السماء لبعض دعواتها عندما نسيت ذات يوم ان تجمع بعض الثياب التي كانت منشورة على فروع شجرة في جانب من جوانب الدار فكانت لعبة لكلاب القرية ليلا ولما اصبح الصباح لم تكن الا نتفا ممزقة فكان عقابها بعد الضرب المبرح ان سحبت من ارجلها على الأرض وعلى بطنها تطوف بها سيدتها بمعاونة بناتها فناء الدار حتى فقدت الوعي أو كادت ولم يمض طويل حتى احست بآلام المخاض فخرج جنينها قبل ان تكتمل عدته فحمدت الله كثيراً وظنت ان ذلك سوف يشفع لها عند سيدتها ويخفف من حدة معاملتها الا ان حال سيدتها لم يتبدل وظلت الأمور تسير من السئ إلى الأسوأ فأصبحت الكآبة طابع حياة بورا .. فكرت في الفرار مراراً الا انها لم تعرف أي جهة تقصدها في فرارها فربما كان فرارها من رمضاء الى نار .. لم تر اثراً للرحمة في قلوب هؤلاء القوم .. استباحوا حريتها وشرفها وجعلوها حقاً مشاعاً وملكاً خاصاً يفرضون عليها واجبات عديدة وشاقة فتنجزها على احسن وجه ولاتكافأ على ماتقوم به الا بالضرب والإهانة والسخرية .. ربما كانت المعاملة التي تحظى بها دواب سادتها خير من التي تعامل بها وهي بشر مثلهم .. كانت فتنتها وبالاً عليها .. وأصبح جمالها وسحرها لعنة جلبت عليها من المتاعب والأذى مالا يحصى .. فما مبعث تلك الخشونة والقسوة التي تمارسها معها زوجة سيدها الا لإحساسها بتلك الفتنة وذلك الجمال الآخاذ وكلاهما أمران لاوجود لهما بل ولا أثر لهما في أي من معالم جسدها .. ماهي الا كومة لحم تمشي على الأرض كما تمشي بقرة ترهل جسدها من كثرة ما اكتنز من لحم وشحم .. لاشئ فيها يثير قلباً أو يجتذب طرفاً .. كانت بورا من قبل ترى جمالها في وجوه الآخرين من خلال نظراتهم الا ان هذه الصورة قد اختلفت في عيني هذه المرأة الشريرة .
    و أتت الأيام بما لم يكن في حسبان بورا فقد ذهبت بأمر سيدتها للخلاء للبحث عن ماعزة تخلفت عن المجئ مع بقية الأغنام فاذا بها وجهاً لوجه اما تلك الفتاة السوداء التي سبق أن رأتها من على البعد دون ان تفلح في الألتقاء بها .. كانت تحتطب وما ان تلاقت اعينهما حتى صاحتا معا في وقت واحد .. كانت هي الأخري من قرى التلال واسمها (بوتا) قبل ان تصبح التومة من بعد .. تحدثتا طويلا حتى نسيتا امرهما وحالهما .. سبق مجيئها مجئ بورا بما يزيد عن العامين .. جاء بها هذا الوغد .. كرار الزير استباح شرفها وهتك عرضها مراراً خلال السير من التلال الى هنا لكنه باعها عقب ذلك وكفاها الله شر ميمونة تلك المرأة القاسية في تعاملها حتى مع أهل قريتها .. جميعهم يمقتونها ولايحبها أحد .. تعلمت بوتا من مفردات لغة هؤلاء القوم مالا بأس به .
    روت لبورا كيف جرى سبيها ورفاقها .. فقد كانوا أيضاً في الحقول يرعون السنابل ويصدون عنها العصافير وكانت تحمل شقيقتها الصغيرة (نونا) التي لم تكمل عامها الثاني بعد .. كانت شديدة التعلق بها لاتفارقها الا عندما كانت تأتي الى الحقول ولاتدري لماذا اتت بها الى هنالك وفي ذلك اليوم المنحوس .. كان من المفروض ان تبقى الطفلة مع والدتها في الكوخ غير انها اصرت بشدة على مرافقتها فلم تجد بداً من اخذها معها .. واذا بوجه ذلك اليوم الذي بدأ ضاحكاً مستبشراً يتجهم فجأة واذا بذلك المرح وتلك الترانيم العذبة تستحيل الى رعب قاتل وصراخ حاد بظهور غرباء احاطوا بالحقول مل كل جانب احاطة السوار بالمعصم وفي ايديهم السيوف والسياط والحبال .. ساد الهرج والمرج واختلط الحابل بالنابل كل يلتمس طريق النجاةولكن هيهات ان يوجد من سبيل الى الفرار .. فخطة الغزاة كانت محكمة بحيث لم يتمكن احد من النجاة .. وقعوا جميعاً اسرى في ايدي اولئك االنفر وكبلوا بالأصفاد .
    قالت بوتا وقد فاضت دموعها غزيرة وتقطعت نبرات صوتها تحت وطأة العبرات : (( ان اشد ما يؤلمني ويثير احزاني اني حتي الآن لا اعرف مصير شقيقتي (نونا) .. فحتى الآن لا أدري ماجرى لها بعد ذلك فكنت قد وضعتها في مكان منخفض بين شجيرات الذرة عندما ايقنت بأنه لامفر من الهلاك حينما رأيت اولئك الأشرار يحيطون بنا من كل صوب وان كثيرا من رفاقي قد وقعوا في قبضتهم .. كنت اقصد بذلك ان تنجو هي طالما ان هلاكي اصبح امرا محتما اذ لم نكن نعرف الغاية من ذلك الهجوم .. وليتني عرفت ماحدث لها بد ذلك هل عثر عليها أحد من الناس فاعادها الى صدر أمها وقرت عينها بها ام ظلت تهيم على وجهها بين متاهات المروج فتكون قد هلكت من الجوع والعطش أو ان تكون قد وقعت فريسة بين مخالب الذئاب)) ثم انخرطت بوتا في بكاء مرير وشاركتها بورا البكاء .
    بعد ان روت بوتا ماروت الفت بورا ان مصيبتها وهمومها اخف وأهون بكثير من مصيبة تلك الفتاة المسكينة بوتا التي ظلت تعيش وفي قلبها حسرة وجرح عميق يصعب على المرء ان ينسي مثلهما فهي مازالت تتساءل ما اذا وجدت شقيقتها من اخذ بيدها وردها الى اهلها ام انها تاهت بين الحشائش وماتت جوعاً وعطشاً ام ان الذئاب قد افترستها !!! احست بورا عندما اوت الى فراشها في ذلك المساء براحة لم تنعم بمثلها منذ ان وطئت قدماها هذه الديار وشعرت بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدرها فقد تحدثت اليوم بلسان قومها ونفست عن بعض مايموج بدواخلها وجلست تمني نفسها بفرصة اخرى تقابل فيها تلك الفتاة بوتا حتى تتخلص من هذه الوحدة القاتلة وهذا الصمت الذي كاد ان يعقد لسانها وحتى تعرف المزيد من شئون هؤلاء القوم الذين تعيش من بينهم .
    وكان لبورا ما ارادت اذا جاءتها بعد ايام من ذلك اللقاء صديقتها بوتا .. وحمدت الله كثيرا ان سيدتها كانت في ذلك الحين خارج الدار مما اتاح لها بعض الوقت للتحدث مع صديقتها واحست في وجودها بمزيد من الراحة والإطمئنان .. شكت لها قسوة سيدتها التي تزداد من يوم لآخر وسوء معاملتها وضربها لها حتى لاتفه الأسباب وأصغرها ولكن لم يكن لدى بوتا ماتقدمه لها أو تفعله من اجلها سوى ان توصيها بالتزام الصبر وعدم التقصير في اي من واجباتها حتى لاتجد سيدتها ثغرة تستغلها ضدها .. ولكن مثل ميمونة لايحتاج الى مثل تلك الثغرات فان لم تكن هنالك ثغرة اختلقت مايبرر تدخلها.
    ومضت بعد ذلك ايام ثم عاودت بوتا زيارتها لصديقتها وجلستا تتحدثان على مقربة من مدخل الدار اذ كانت السيدة المتغطرسة موجودة .. كان حديثهما همسا ً وكلما ارتفع صوت بوتا قليلا اشارت عليها بورا بيدها كي تخفض من صوتها وعيناها ترقبان داخل الدار من حين الى آخر لئلا تأتي سيدتها بغتة .. وقد وقع ماكانت تخشاه بورا اذ جاءت سيدتها لتجدها تحادث صديقتها فكانت تلك فرصة تتوق ميمونه الى مثلها .. فإنهالت عليها بالشتم والسباب قبل أن يتحول الموقف الى ضرب وصفع ثم تلقت بوتا نصيبها من ذلك وطردت من الدار شر طردة.
    ومضت بورا تواصل أداء واجاباتها المفروضة تخنقها عبراتها فها هي قد ضربت واهينت امام صديقتها التي لم تسلم هي الأخرى من لسان ميمونة بل تعدى الأمر حد ذلك لتطرد عن الدار مثلما تطرد الكلاب وهي التي قد ظنت ان السماء قد بعثتها لها كي تكون سلواها بعد ان فقدت الأهل والعشيرة والأحباب فلم تكن تطمع في أكثر من ان يكون لها من يفرج من همومها ويخفف من احزانها ويخرجها من صمتها وعزلتها ولكن هيهات ان تتحق امنياتها وهي اسيرة لدى امراة تحجر قلبها وعلى ذلك فقد بات امر مقابلتها لصديقتها بوتا ليس ممكنا وظلت بورا تأمل في ان تراها ولو من على البعد .
    مضت ايام طويلة دون أن تتحقق رغبة بورا ولم تأتي فرصة تتيح لها رؤية صديقتها فكانت كثيرا ماتنظر من خلال سور الدار تراقب الغادين والرائحين لعل ان تكون بوتا من بينهم ولكن عبثا ماحاولت فلم تحظ برؤيتها ثانية وعادت سحائب الأحزان تغطي افقها مرة اخري مع ازدياد قسوة سيدتها التى ظلت تخلق من حبة بر جبلا كي توجد مايبرر عقاب خادمتها الى ان بلغ نكال سيدتها ذروته ذات نهار عندما اغارت ماعزات على مخزن الدار الذي لم يحكم سد بابه فعبثت بمحتوياته عندما كانت بورا تنجز امورا ً اخرى من امور المنزل .. وازاء ماحدث حمّلت بورا المسؤولية كاملة .. وبالطبع فانها لم تستطع ان تدافع عن نفسها أو ان تدلي بما يدفع عنها العقاب فجاءت سيدتها هذه المرة بقضيب معدني وضعته على النار حتى احمر لتضعه على خدي بورا التي حاولت دون جدوي ان تتقي شر ذلك ولكن هيهات ان تفلح في مقاومة شر تجسد في امرأة اسموها ميمونة .. لقد تجمعت كل غيرتها وحقدها في تلك الساعة وهي تضع القضيب المتقد على خدي بورا فغاص عميقاً واصدرت بورا صرخة مجلجلة كتلك التي صدرت عنها عندما اغار الغزاة علي الحقول وضمنتها بعض مفردات من لغة قومها كمن يستنجد بأحد ولكن هيهات ان يجد التوسل مكانا ً في قلب كان كالصخر... احست ميمونة بنشوة لا حد لها وقد عبرت ابتسامة خبيثة عن رضا تام وراحة لاحد لها اذ شوهت معالم ذلك الوجه الفاتن الذي اجتذب كل من رآه .. لم يعد فيه الآن مايفتن زوجها ذلك الفاسق الماجن .. فوجنتاها اللتان تبدوان مثل زهرة ناضرة باتتا مثل بصلة محترقة .. وكانت نشوة النصر لاتحتاج الى تبيان على وجه ميمونه شأنها شأن ذلك العقرب اذا ما افرغت سمها هدأت وسكنت ثورتها.



    ( 25 )

    بات اليأس طابع حياة بورا في الأيام التي تلت تلك الحادثة .. تجلس شاردة الذهن ويداها منشغلتان تتحسس جانبي وجهها .. كان جمالها آخر ماتبقى لها لتقدمه لأكر وهاهو الآن قد ولّى واستبيح أيضاً مثلما استبيح شرفها وعرضها وحريتها .. لم تعد الا مسخاً تتمنى أن ينقض الموت عليها في أي لحظة فيريحها من احزانها وهمومها .. لم تعد تصغي لأوامر سادتها .. كثيراً ماينادي عليها فتسمع ولاتبالي بالنداء .. لم يكترث كرار الزير كثيراً لفعلة زوجته ولم يفعل اكثر من ان وبخها من منطلق انها قد حرمته من ذلك الجمال الأخاذ فغداً يذهب في حملة آخرى ويأتي بمثل بورا أو أجمل منها .. وظلت حالها تتدهور من يوم لآخر وهي في شرود تام وخفت حدة المعاملة من جانب سيدتها بعد أن حققت ما ارادت وبعد ان انطفأت شعلة ذلك الجمال الوهاج الذي كان يثير ثائرتها .. لم تعد بورا تهتم بلقاء بوتا أو حتى لقاء أكر.. مضي عقلها بعيداً .. ساعة الى الأكواخ والحقول وساعة الى ذلك الطريق الذي سلكه الغزاة وتارة تذكر أكر ثم تورو ثم بقية الرفاق .. وصارت الأمور تختلط في ذهنها وتمتزج فلا تستطيع احيانا ان تفرق بين الأشياء .. واصبحت الأصوات تمتزج هي الأخرى كما تمتزج الأسماء والأشكال والصور فاذا نودي عليها تعتقد ان شخصا آخر ينادي وإذا نودي على الأخرين تعتقد انها هي المقصودة بالنداء ولاحظ أهل الدار شرودها الدائم فأخذوا يعاملونها معاملة من فقد عقله فيضحكون ويسخرون حتى اصبحت بعد ذلك حرة التصرف تخرج عن الدار متى شاءت وتعود متى ارادت .. لم تعد تسأل عن مكان بوتا ولم تفكر في مقابلتها بل وربما قد نسيتها تماما .. تجوب ازقة القرية صامتة لاتكلم أحداً حتى غدا منظرها مألوفاً فيمضي الأطفال والصبايا من خلفها يتصائحون ويضحكون وتارة يرمونها بالحصى والحجارة فتهرول بعيدا عنهم .. وشيئاً فشيئاً ساءت أمور بورا واخذت قواها العقلية تتدهور من يوم الى آخر فتتغير ازاء ذلك تصرفاتها الي ان غاب عقلها تماما .. علمت بوتا بحالها فكانت كثيراً ماتحاول محادثتها واخراجها مما هي فيه لكن دون جدوى فلم تفعل اكثر من مراعاتها عندما تتوفر لها الفرصة وتقديم شئ من الطعام لها وتظل بورا تدور بين الأزقة والبيوت لايريحها الا الليل حيث تأوي إلى كوخ مهجور في طرف القرية لتقضي الليل فيه بعد أن اوصد سادتها الباب امامها .. كانت هادئة في لوثتها لاتحادث ولاتستمع لسوى نفسها .. تحاول دوماً الإبتعاد عن الناس ولاتنفك يداها تتفحصان خديها من حين الى آخر حتى انطبعتا على ذلك الوضع .. وكان الناظر الى وجهها يرى برغم مالحق به من تشوه جمالا ذابلاً وحزنا دفينا وكأنها تحس بمثل هذه النظرات الفاحصة فسرعان ماتغض ببصرها وتشيح بوجهها بعيداً لاحساسها بان الناظر اليها لايفعل ذلك الا ليسخر منها ومن وجهها الذي اصبح مسخاً .. يالحسرة ذلك الوجه المستدير الجميل فبعد أن كان مثار فتنة يصبح من بعد مثاراً للسخرية.
    بعد حين تركت بورا تلك القرية واصبحت هائمة على وجهها تجوب الخلاء فتستقر اليوم في قرية لترحل غدا الى اخرى .. هكذا سارت حياتها وباتت معروفة لجميع أهل القرى المجاورة الذين اطلقوا عليها من بعد اسم (عجيبة) اذ كانت دائماً ما تأوي الى البيوت المهجورة أو الأماكن المنعزلة والتي غالبا ما تكون في اطراف القرى .. يتصدق عليها المحسنون بفتات موائدهم وبقايا الثياب .. بورا .. تلك الفاتنة التي كان كل ما فيها يفيض سحراً وجمالا فتختال غرورا بين صويحباتها مثلما يختال القمر بين النجوم .. تلك الهيفاء التي نمت الآمال والأمنيات في قلبها فاخضرت الدنيا من حولها ولم تعد ترى في الكون سوى الحب والجمال .. بورا التي خلبت انظار الفتية والشباب والتي كانت تؤجج نار الهوى في قلب كل من رآها فكانت مضرب الأمثال في نضارتها وسحرها وبهائها وحسن نظراتها .. تغدو اليوم معتوهة هائمة على وجهها تنام في الخرائب واطراف القرى يخافها الناس ويرعب الأطفال منظرها .. لقد نفستها الأقدار حلاوتها ورقتها وانوثتها المتدفقة فرمتها بما رمته بها فاذا هي حي كميت أوميت في صورة الأحياء .. لاتعي شيئاً .. فماذا ياترى لو ظهر حبيب قلبها أكر فجأة في عالمها الذي تعيشه .. هل سيعيدها ذلك الى وعيها فتعود كما كانت وتدرك مايحدث حولها .. وهل سيشفي ذلك داءها ويزيل لوثتها؟ ليتها علمت قبل ذلك أن اكر قريب منها وانه يسعى وراءها مثلما يسعى الظامئ الى منهل الماء .. ليتها علمت انه سعى من اجلها الى العبودية دون أن تسعي اليه وانه يذرع ارض الله شبراً فشبراً ويواجه المحن صنوفاً من أجلها .. غير مبال بأي خطر .. فقد أقسم ان يجدها أو ألا يعود أبداً .. اجتاز الأحراش والفيافي والآوحال بجميع رذاياها ليصل الى ديار يجهل خفاياها غير آبه بما قد يحدث له واهباً حياته فداءاً لها .. فهل يموت الحب في قلب اكر امام مالحق بجسدها من اذى؟ كلا ان يحدث مثل ذلك فحب اكر لبورا هو حب الروح للروح وليس حبا جسديا مبنيا ً على مفاتن الجسد .. فهو لايرجو الا اجتماع شملهما .. ان يراها وتراه وبعد ذلك فلتفعل الأقدار ماتشاء.

  26. #26
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 25 )

    بات اليأس طابع حياة بورا في الأيام التي تلت تلك الحادثة .. تجلس شاردة الذهن ويداها منشغلتان تتحسس جانبي وجهها .. كان جمالها آخر ماتبقى لها لتقدمه لأكر وهاهو الآن قد ولّى واستبيح أيضاً مثلما استبيح شرفها وعرضها وحريتها .. لم تعد الا مسخاً تتمنى أن ينقض الموت عليها في أي لحظة فيريحها من احزانها وهمومها .. لم تعد تصغي لأوامر سادتها .. كثيراً ماينادي عليها فتسمع ولاتبالي بالنداء .. لم يكترث كرار الزير كثيراً لفعلة زوجته ولم يفعل اكثر من ان وبخها من منطلق انها قد حرمته من ذلك الجمال الأخاذ فغداً يذهب في حملة آخرى ويأتي بمثل بورا أو أجمل منها .. وظلت حالها تتدهور من يوم لآخر وهي في شرود تام وخفت حدة المعاملة من جانب سيدتها بعد أن حققت ما ارادت وبعد ان انطفأت شعلة ذلك الجمال الوهاج الذي كان يثير ثائرتها .. لم تعد بورا تهتم بلقاء بوتا أو حتى لقاء أكر.. مضي عقلها بعيداً .. ساعة الى الأكواخ والحقول وساعة الى ذلك الطريق الذي سلكه الغزاة وتارة تذكر أكر ثم تورو ثم بقية الرفاق .. وصارت الأمور تختلط في ذهنها وتمتزج فلا تستطيع احيانا ان تفرق بين الأشياء .. واصبحت الأصوات تمتزج هي الأخرى كما تمتزج الأسماء والأشكال والصور فاذا نودي عليها تعتقد ان شخصا آخر ينادي وإذا نودي على الأخرين تعتقد انها هي المقصودة بالنداء ولاحظ أهل الدار شرودها الدائم فأخذوا يعاملونها معاملة من فقد عقله فيضحكون ويسخرون حتى اصبحت بعد ذلك حرة التصرف تخرج عن الدار متى شاءت وتعود متى ارادت .. لم تعد تسأل عن مكان بوتا ولم تفكر في مقابلتها بل وربما قد نسيتها تماما .. تجوب ازقة القرية صامتة لاتكلم أحداً حتى غدا منظرها مألوفاً فيمضي الأطفال والصبايا من خلفها يتصائحون ويضحكون وتارة يرمونها بالحصى والحجارة فتهرول بعيدا عنهم .. وشيئاً فشيئاً ساءت أمور بورا واخذت قواها العقلية تتدهور من يوم الى آخر فتتغير ازاء ذلك تصرفاتها الي ان غاب عقلها تماما .. علمت بوتا بحالها فكانت كثيراً ماتحاول محادثتها واخراجها مما هي فيه لكن دون جدوى فلم تفعل اكثر من مراعاتها عندما تتوفر لها الفرصة وتقديم شئ من الطعام لها وتظل بورا تدور بين الأزقة والبيوت لايريحها الا الليل حيث تأوي إلى كوخ مهجور في طرف القرية لتقضي الليل فيه بعد أن اوصد سادتها الباب امامها .. كانت هادئة في لوثتها لاتحادث ولاتستمع لسوى نفسها .. تحاول دوماً الإبتعاد عن الناس ولاتنفك يداها تتفحصان خديها من حين الى آخر حتى انطبعتا على ذلك الوضع .. وكان الناظر الى وجهها يرى برغم مالحق به من تشوه جمالا ذابلاً وحزنا دفينا وكأنها تحس بمثل هذه النظرات الفاحصة فسرعان ماتغض ببصرها وتشيح بوجهها بعيداً لاحساسها بان الناظر اليها لايفعل ذلك الا ليسخر منها ومن وجهها الذي اصبح مسخاً .. يالحسرة ذلك الوجه المستدير الجميل فبعد أن كان مثار فتنة يصبح من بعد مثاراً للسخرية.
    بعد حين تركت بورا تلك القرية واصبحت هائمة على وجهها تجوب الخلاء فتستقر اليوم في قرية لترحل غدا الى اخرى .. هكذا سارت حياتها وباتت معروفة لجميع أهل القرى المجاورة الذين اطلقوا عليها من بعد اسم (عجيبة) اذ كانت دائماً ما تأوي الى البيوت المهجورة أو الأماكن المنعزلة والتي غالبا ما تكون في اطراف القرى .. يتصدق عليها المحسنون بفتات موائدهم وبقايا الثياب .. بورا .. تلك الفاتنة التي كان كل ما فيها يفيض سحراً وجمالا فتختال غرورا بين صويحباتها مثلما يختال القمر بين النجوم .. تلك الهيفاء التي نمت الآمال والأمنيات في قلبها فاخضرت الدنيا من حولها ولم تعد ترى في الكون سوى الحب والجمال .. بورا التي خلبت انظار الفتية والشباب والتي كانت تؤجج نار الهوى في قلب كل من رآها فكانت مضرب الأمثال في نضارتها وسحرها وبهائها وحسن نظراتها .. تغدو اليوم معتوهة هائمة على وجهها تنام في الخرائب واطراف القرى يخافها الناس ويرعب الأطفال منظرها .. لقد نفستها الأقدار حلاوتها ورقتها وانوثتها المتدفقة فرمتها بما رمته بها فاذا هي حي كميت أوميت في صورة الأحياء .. لاتعي شيئاً .. فماذا ياترى لو ظهر حبيب قلبها أكر فجأة في عالمها الذي تعيشه .. هل سيعيدها ذلك الى وعيها فتعود كما كانت وتدرك مايحدث حولها .. وهل سيشفي ذلك داءها ويزيل لوثتها؟ ليتها علمت قبل ذلك أن اكر قريب منها وانه يسعى وراءها مثلما يسعى الظامئ الى منهل الماء .. ليتها علمت انه سعى من اجلها الى العبودية دون أن تسعي اليه وانه يذرع ارض الله شبراً فشبراً ويواجه المحن صنوفاً من أجلها .. غير مبال بأي خطر .. فقد أقسم ان يجدها أو ألا يعود أبداً .. اجتاز الأحراش والفيافي والآوحال بجميع رذاياها ليصل الى ديار يجهل خفاياها غير آبه بما قد يحدث له واهباً حياته فداءاً لها .. فهل يموت الحب في قلب اكر امام مالحق بجسدها من اذى؟ كلا ان يحدث مثل ذلك فحب اكر لبورا هو حب الروح للروح وليس حبا جسديا مبنيا ً على مفاتن الجسد .. فهو لايرجو الا اجتماع شملهما .. ان يراها وتراه وبعد ذلك فلتفعل الأقدار ماتشاء.











    ( 26 )

    عودة إلى أرض الأكواخ

    مضت خمسة أعوام على فرار أكر عن أرض الاكواخ وأمام قسمه أمام العديد من أهل القرية بالاّ يعود إن لم يعد ببورا اصبح في عداد من لاترجى عودتهم بعد انقضاء هذه السنوات الطويلة .. وقبل ذلك بأربعة أعوام أي في العام الأول من فراره كان العم سايس قد تغمده الله برحمته فأراحه الموت من احزانه وهمومه التي خلفها فقدان ابنه فمضى شهيداً مثل دلدوم وبابور والصبي فرتاك .. ان لم تنله رماح الغزاة فقد نالت منه الأحزان التي خلفها شنيع جرمهم وفظيع صنيعهم .. ولعل العم سايس كان أحسن حظاً من غيره اذ كفاه الموت لسعات الأحزان في القلب وفعل الجراحات في الكبد .. فالعديد من أهل الأكواخ ممن فقدو ابناءهم وبناتهم كانت الأحزان تقتلهم في كل لحظة يبرز فيها مايذكرهم بمن فقدوا فغدت حياتهم بكاء لاينقطع وحزن لاينقشع ولربما تمنوا الموت ولكن ليست الأمنيات كثمرات الأشجار يقطفها المرء متى شاء .. أما العمة توجو والدة أكر فقد كانت أقل حظاً من زوجها .. بلغت الاحزان بها مبلغاً ولكنها مع ذلك لم تقتلها بل طفقت تلهو بها وتعصف بها في كل حين .. صارت الدموع طابع عينيها حتى جف ماؤها وذهب بصرها او كاد وغزتها علامات الشيخوخة قبل أن يأتي أوانها .. وزاد من ذلك وحدتها القاتلة فقد تزوجت ابنتها مويا وارتحلت مع زوجها الى قرية اخرى فكتب على العمة توجو أن تعيش بمفردها في بيت لم يعد يؤانسها فيه الا احزانها وآهاتها .. كل مافيه يذكرها بموقف من المواقف .. هنا كان مرقد وحيدها وهناك مرقد رفيق عمرها وكلاهما قد رحل الى الابد ولم تبق الا ذكراهما .. وعلى مقربة من مطرحها كان مضجع ابنتها الوحيدة وهاهي الأخرى قد تركتها لتعيش حياتها مع رفيق دربها.. وبرغم أنها تأتي لزيارتها كلما سنحت لها الفرصة الا ان ذلك لم يكن كافياً لتبديد وحدتها فصارت تقضي معظم اوقاتها داخل كوخها تبكي وتناجي من ذهبوا ولاتخرج الا لتقضي امراً لابد منه.. تدندن ببعض كلمات شجية باكية ترثى فيها حالها وتبكي اولئك الذين سبيوا من فتية الأكواخ وفتياتها ولعل تلك الكلمات كانت كل حديثها من بعد .. اذ اصبح الصمت طابعها ونادراً ماتحادث أحداً فاذا حدثها احد ما كانت تكتفي في معظم الأحيان بالإصغاء وان كان لا مفر من الحديث فأنها لاتجود الا بالقليل.

    ***

    وبرغم مرور تلك السنوات .. الا ان سحائب الأحزان التي هيمنت على سماء الأكواخ لم تنقشع وعشعش الأسي في كل قلب وفوق كل معلم .. تلك الحقول الزاهية وتلك المروج الخضراء لم تكن كما كانت من قبل زاهية ناضرة مترابطة فيما بينها بل غلب عليها الشحوب والاصفرار فأصبحت متفرقة وكأن السماء قد استنفدت معينها في البكاء على من فقدوا فلم تعد تجود الا بمقدار .. وصاحب تلك الأحزان المتراكمة خوف دائم ورعب لاحد له اذ بات أهل الأكواخ يخشون أن يعيد اولئك الغزاة الكرة وأصبحوا يعيشون في هلع دائم فاذا جاء الصباح ظلوا يطالعون الأفق حتى مغيب الشمس وان جاء المساء امسوا في خوفهم حتى الصباح .. لذلك فقد تراجعوا بأكواخهم حتى لاصقت تلك التلال العالية التي تحيط بقريتهم واصبحوا على مقربة من مغاراتها لتكون ملجأ اذا ما تعرضوا لهجمات الغزاة... وغدت الأيام التي كانت من قبل ايام غناء ومرح, تلك التي كانت تسبق فترة الحصاد, اصبحت من بعد مثار احزان وخوف .. فهنالك اعتقاد بأن هجمات الغزاة تتركز بشكل خاص في تلك المواسم وبالفعل فان معظم الغارات التي استهدفت سكان التلال كانت تحدث ابان تلك الفترة من ايام السنة حيث يجتمع شباب القرى في الحقول التي عادة ماتكون على مبعدة من الأكواخ .. كذلك فان الحشائش تكون كثيفة فتشكل بذلك ستاراً يسهل مهمة الغزاة في تتبع ومراقبة ضحاياهم قبل الانقضاض عليهم .. وعلى ذلك فقد اصبح الكبار هم من يتولى مراعاة الحقول وطرد العصافير عنها بعد ان كانت تلك من مهام الفتية والصبايا الذين حرّم عليهم دخول الحقول من بعد واصبحت واجباتهم تنحصر في رعي الأغنام في الأماكن الواقعة بين التلال والتي لايمكن للغزاة الوصول اليهاوتكونت في ذات الوقت فرقة من رجال القرية مهمتها الحراسة ومراقبة المداخل والشعاب التي تقود اليها بحيث يتسلق البعض أكثر الأشجار طولاً ويظل على قمتها ليراقب القادم من بعيد فإن رأى غباراً من على البعد فهذة دلالة علي ان هنالك ركب قادم وعلى ذلك تتخذ الحيطة اللازمة فتصدر الأوامر الى الفتية والفتيات بدخول المغارات السرية التي لايستطيع غريب معرفة مداخلها بينما يقف مقاتلوا القرية على اهبة الإستعداد في الاماكن المحددة لهم .. وكثيراً ماكانت حركة الرياح تخدعهم فتثير الغبار فيتوهم المراقبون بان هنالك من يقصد حماهم .. لذلك فقد اصبح الناس في حالة من الرعب طوال أيام حياتهم حتى بعد مضي سنوات عدة من تلك الغارة التي كانت الأولى والأخيرة على تلك القرية بالذات؛ إذا أن غزاة التلال لايغيرون على قرية سبق لهم أن أغاروا عليها إلا بعد سنوات طوال حيث يكون أهلها قد نسوا أمر الغارة الأولى وقل بالتالي حذرهم كما أنه في ذات الوقت يكون هنالك جيل جديد من الفتية والفتيات ممن يتوق الغزاة الى سبيهم.
    وبينما تراجعت أكواخ أهل القرية ونقلت من أماكنها الى مناطق أكثر أمناً بقيت العمة توجو في موضعها القديم مثلها مثل ميكاكا الساحرة .. لم تشأ أن تترك ذلك المكان الذي عاشت فيه أجمل ايام حياتها مع افراد عائلتها .. فهي في هذا المكان تراهم وتحادثهم في كل حين .. كل أشيائهم مازالت باقية حتى بعد رحيلهم فهذا رمح أكر وهذا فرشه وتلك سهام العم سايس ومخلاته وهذه تميمة ابنتها مويا عندما كانت طفلة تحبو .. لم تر مايدعو للرحيل عن هذا الموضع .. فإن ترك بقية أهل الأكواخ أماكنهم القديمة فهذا لانهم يخافون على ابنائهم وبناتهم من هجمات الغزاة .. أما هي المرأة العجوز فعلام تخاف .. ليس لديها ماتخشى ضياعه .. زوجها وقد مات وقبله سلك ابنها الوحيد طريق اللاعودة .. ذهب الى المجهول ليقاتل بمفرده وبلا عتاد جيشا كاملا قوامه اناس لا يستدر عطفهم صراخ الصبايا والأطفال ولاعويل أمهاتهم المفجوعات .. انتزعوا الصغار من صدور امهاتهم دون شفقة أو رحمة .. قالت لاحدى رفيقاتها وكانت قد الحت عليها ان ترحل مع بقية أهل الحي انها لاتبالي بالاعداء اذا ما أتوا .. بل هي باقية في انتظارهم لتسألهم عن مكان ابنها ووحيدها.. شئ ما يجعلها تحس بأنه مازال على قيد الحياة برغم مرور مامر من الأعوام .. سوف تتوسل اليهم أن يأخذوها معهم الى حيث يوجد ابنها فان لم يستجيبوا لتوسلاتها فسوف تتبع اثارهم الى ان تصل الى ديارهم أو ان تموت في الطريق .. وعلى هذا الأمل عاشت العمة توجو .. وظلت في كل موسم تخرج وتصعد الأماكن العالية وهي تطالع الافق لترى جياد الغزاة آتية قبالة الأكواخ فتصيح في الفتية والفتيات تأمرهم بالاّ يبرحوا مغاراتهم ابدا حتى لايقعوا في قبضة الغزاة :"دعوا العصافير تقتات من السنابل والا فأنها ستقتات من اجسادكم"!! تقول هذا ثم تنخرط باكية .. وغدا ذلك حالها دون أن يستطيع أي من قومها التخفيف من احزانها واخراجها من وحدتها اوصدها عن ماهي فيه .. لاترى الا وعيناها مبللتان بالدموع .. ولاحديث يسمع لها سوى ماكانت تنشده من رثاء شجي باك:

    سأبقى في إنتظار الأشرار ليأتوا
    سوف اركع تحت اقدامهم
    واسترحم صخر قلوبهم حتي يلين
    ان يأخذوني الى حيث يذهبون
    ليتهم يفعلون
    وان لم يفعلوا فسوف امضي في إثرهم
    حتى اجد وحيدي واضمه بين اضلعي
    ساعتها ستجف ادمعي

    وشيئاً فشيئاً ارتفع صوت العمة توجو بما تنشده واصبح اهل الحي يأخذون ذلك عنها فيرددونه بدورهم ومنهم من يضيف اليه شيئا حتى نسجت من ذلك مرثية طويلة تفيض حزنا واسىً تبكي فتية الأكواخ المفقودين و صارت من بعد ملحمة تردد في اعياد الحصاد يأخذها جيل عن جيل.

    واستمرت حياة العمة توجو على هذا المنوال تقف متاهبة للرحيل في ركب الغزاة .. تنتظر في كل عام مجيئهم حتى اصبحت في عداد من لا يؤبه بقولهم .. تتردد في كل موسم على الحقول تصيح في فتيتها بأن يحتموا بالمغارات فانها تكاد تسمع وقع حوافر جياد الغزاة .. فهم آتون بلا شك .. وقد بات ظهورها وصياحها أمرا ً مألوفاً فلا يأبه الفتية بما تقول .... تردد اشعارها النائحة متجهة الى تلك الربوة التي اعتادت الصعود عليها لتطالع الأفق علها ترى ركب الغزاة آتٍ قبالة الحقول .

  27. #27
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 27 )

    كان اكر قويا بحق .. فهو قوي في جسده .. قوي في تحمله .. قوي في شخصه .. قوي في ارادته ولو كان غير ذلك لمات الأمل في قلبه ولهزمه اليأس منذ أول وهلة اخطأ فيها هدفه .. وهاهو الآن يواصل السير متعقباً ذلك الهدف الذي اصبح كالسراب .. لقد انقضت سنوات طوال .. خمس أو ست وهو يداوم البحث بهمة عالية وأمل يتجدد مع انبثاق شمس كل صباح دون أن يمل البحث والترحال .. يضرب في مناكب الأرض بلا هواد كأنه موكل بذرعها أو التنقيب في فيافيها ومتاهاتها .. ولقد زادته رفقة صاحبه يامو اطمئناناً ومزيداً من الأصرار .. فقد كان يامو نعم الصديق .. حمل هموم أكر كأنها همومه وسار معه الى هدفه باخلاص قل أن يمنحه أحد لأحد حتى ليحتار المرء ايهما صاحب الهدف اكر كان أم يامو؟ هبطا معاً كثيراً من القرى والارياف والحلل وعبرا قفاراً وسهولاً وأودية ولقيا من المتاعب مالقيا لكنهما صمدا أمام كل عقبة وكل معضلة اعترضت سبيلهما .. كانا اذا ما اقتربا من قرية من تلك القرى يتخذان مكاناً آمناً فيبقيان فيه الى ان يتدبران الأمور جيداً ويضعان الخطط التي تمكنهم من الدخول على نحو آمن.. ربما لبثا في موضع ما ليوم أو بعض يوم قبل أن يجدا اسلم الطرق لدخول قرية من القري .. واذا ماتيسر السبيل الى الدخول ظلا هنالك حتى يبيتا على يقين بأن ضالتهم ليست موجودة حيث ينشدانها فيرحلا عن القرية بمثل مادخلاها .. ولسوء حظهما لم يوفقا في مقابلة اي من رفاق الأسر.. كانا قد قابلا بعضاً من ابناء التلال ولكن من قرى اخرى ومن الذين سبقوهما في المجئ الى هذه الديار في حملات مختلفة غير انهما لم يجدا لديهم مايصبوان اليه .. كان اكر كلما احس بشئ من اليأس يداخل نفسه يخرج تلك الصرة في وحدته فيشتم رائحتها ملياً وينظر اليها طويلاً ثم يعيدها الى مكانها الآمن واذ ذاك يوصد كل باب قد يدخل اليأس من خلاله ويعود الامل قوياً متدفقاً يملأ كافة جوانحه فيمضي في طريقه دون أن ينظر الى الوراء .
    كانت الشمس على وشك المغيب عندما لاحت من على البعد معالم قرية من القرى فآثرا أن يلقيا بعصا التسيار في موضعهما ذلك فيمكثا فيه الي أن يتدبرا أمر دخولها .. ولما بزغ الفجر كان يامو قد ذهب الى حيث قدر ان يكون مسلكا للرعاة واتخذ من بين الشجيرات مكانا يمكنه من الرؤية دون أن ينتبه أحد الى وجوده ولقد أصاب في تقديره اذ انه لم يدم في موضعه طويلا حتى رأى جمعاً من الرعاة يمر عبر ذلك المسلك وظل هنالك يرقب كل من سلك الطريق من الرعاة الى ان انقطع توافدهم ومضوا جميعاً الى حيث يقصدون الا انه لم يكن من بينهم اي من الأرقاء بل كانوا جميعاً من شباب اولئك القوم وحينذاك عاد يامو الى حيث يجلس رفيقه وبقيا هنالك الى ان جاء فجر اليوم الثاني فتولى أمر المراقبة هذه المرة أكر وجعل يطالع الرعاة وهم يسلكون ذلك الدرب وللعجب فقد رأى من بينهم من يبدو في ملامحهم .. ملامح أهل التلال وبرؤيته امتلأ قلبه بشراً فظل يرقبه وهو يسير في وسط تلك المجموعة من الرعاة وتساءل في نفسه كم ياترى من هؤلاء المساكين جنى ذلك الوحش في حقهم وحرمهم لذة العيش بين اهليهم وفي عقر ديارهم ثم لم يلبث ان ترك مكانه ومضى يسعى الى رفيقه ليبشره بما رأى ثم غادرا معاً مخبأهما ومضا يتعقبان الرعاة لعل ان تتوفر فرصة تمكنهم من مقابلة ذلك الرجل علي انفراد فيكون عونا لهما في مسعاهما .. وطال انتظارهما حتى تفرق الرعاة ً كل يسوق اغنامه الى حيز يبعد عن الآخرين ولحسن حظهما فقد مضي صاحبهما يرعى اغنامه في الجهة المقابلة لمكانهما فوفر عليهما مشقة اجتياز الآخرين فتقدما نحوه بخطى ثابته وابتدراه بالقاء التحية في لغة أهل التلال وتقدم يصافحهما في حرارة وترحاب ثم جلس ثلاثتهم يتحادثون .. اسمه الأصلي (اردهال) أما هنا فقد اطلق عليه اسم (مستور)... جاء الى هنا منذ سنوات لايذكر كم عددها لكنها ليست بالقليلة .. تعلم من لغة هؤلاء القوم ماجعله يفهم حديثهم ويفهموا حديثه دونما عناء وان كانت بعض العبارات تفوت عليه احيانا .. سألهما عن مقصدهما في هذه البقاع فرويا له قصة مختلقة اعتادا على سردها في اللقاء الأول بينهما وبين اي من يبدو لهما انه من ابناء التلال فقد نصحهما اتيم من قبل الا يثقا في كل من يقابلهما حتى ولو كان يحمل سيماهم وملامحهم والا يتهوران في الكشف عن امرهما فإن بعضا من ابناء التلال قد استسلم تماما لهؤلاء القوم وأصبحوا كأصابعهم .. يعملون رهن اشارتهم ولا يدخرون وسعا ً في سبيل ارضاء سادتهم حتى ولو كان ثمن ذك حياة اخوتهم الذين يجري في عروقهم ذات الدم لذلك فقد اخبروا اردهال بأن لسيدهما أبل مفقودة وقد ارسلهما للبحث عنها في هذه البقاع بينما ذهب بنوه للبحث في نطاق اخر .. ترك أردهال اغنامه ترعى على هواها وجلس يتبادل الحديث مع ضيفيه .. روى لهما كيف تم سبيهم وكيف اقتيدوا الى هنا .. ذكر لهما اسم قريته في التلال فتذكر اكر انه قد سمع عنها من قبل لكنه لم يرها ولما اخبراه باسم قريتهما التي جاءا منها نظر اليهما في دهشة وسألهما ان كانا يعرفان من تسمى كارا .. كاد قلب اكر ان يطير من بين اضلعه عندما سمع ذلك الإسم يتردد علي لسان ذلك الرجل.. فكارا كانت اقرب صديقات بورا اليها وقد مضين في ركب واحد .. فاجابا معاً :"نعم نعرف كارا وقد كانت واحدة من مجموعة فتيات سبين من قريتنا " .. أخبرهما بأن كارا معه في هذه القرية في دار واحدة .. مملوكة أيضاً لسيده شيخ هذه القرية .. جيئ بها منذ سنوات عوضاً عن دين كان لسيده في ذمة رجل من قرية مجاورة .. استضاف اردهال ضيفيه في كوخه الواقع خارج دار سيده وبدأ انه قد شيده بنفسه فهو اشبه بأكواخ قرى التلال فأثار ذلك سيلا من الذكريات الحزينة في نفس أكر ويامو فإنتقلا مراراً من ذلك الموقع الى اكواخهم وديارهم تلك التي امست مثل حلم في الخيال أو مثل السماء التي لايتطلع الى ارتقائها الا من ملك اجنحة .. ولما كان اردهال وثيق الصلة بكارا وعلى علم بهمومها واحزانها وحنينها الى ارض اجدادها فقد شاء ان يجعل مقدم أكر ويامو مفاجأة لها فأسر لها بأن تأتي لزيارته في كوخه عندما يأوي سادتها الى مضاجعهم .. ففهمت كارا ان اردهال يدعوها لأمر آخر مثلما اعتادا في أوقات متباعدة كلما سنحت لهما فرصة .. لذلك فما إن هجع أهل الدار حتى انسلت كارا تتلمس طريقها الى كوخ اردهال لتجد نفسها أمام ثلاثة رجال وليس بواحد .. فظلت واقفة على عتبة الكوخ وقد عقدت الدهشة لسانها تطالع وجوه الجالسين على ضوء مصباح زيتي بدأ ان زيته على وشك أن ينفذ لكنها لم تستطع ان تميز غير اردهال واستدارت تهم بالرجوع من حيث اتت لولا أن نادى اردهال عليها ودعاها للدخول قائلا لها ان ضيفيه ليس بغريبين عنها فزادت دهشتها وتقدمت تركز نظراتها دون أن يبدو عليها ما يؤكد معرفتها لهما مما جعل اردهال يرتاب في أمر زائريه.. ولما رأى يامو آيات ذلك على وجه مضيفهما ردد مقطعاً من اغنية كانت كارا ترددها دائماً في الحقول وكان يامو كلما لقيها ردد ذلك امامها .. فإذا حدقتاها تزداد اتساعاً واذا شفتاها ترتجفان وانقضت تحاول ان تاخذ كلا الرجلين بين احضانها.
    ذرفوا في تلك الأمسية من الدموع ما أستنفذ معين أعينهم .. وبكوا طويلا على ذكريات الماضي .. ذكروا ذويهم والأكواخ والحقول ومناسبات ومواقف عدة .. وذكروا ذلك اليوم المشؤوم .. حينما قتلت الفرحة بغتة في قلوب الجميع .. وكان اشد ما اذهل كارا امر أكر فهي كما تذكر لم يكن من ضمنهم بل كان غائباً عن القرية .
    لم يكن في ذلك الليل من قصور سوى قصره فقد مر كلمح البصرواحاديث اولئك النفر مازالت تتواتر مثل وابل متساقط على ارض قاحلة .. ينهمر الماء في غزارة ثم لايلبث ان تحسوه تلك الأرض لتتلقى المزيد .. أنس اردهال بضيفيه وسعد بهما وأحس وكأنه يعرفها من قبل برغم انهما حتى تلك اللحظة لم يكشفا له عن حقيقة أمرهما بل لفقا له قصة زائفة بإدعائهما انهما جاءا يبحثان عن ابل سيدهما.. وعند الفجر استأذنهما في الذهاب الى المرعى فقد حانت ساعة ذلك .. وخيرهما بين البقاء في الكوخ او مرافقته اذا أرادا لكنهما اختارا البقاء فقد كانت تلك فرصة طيبة للانفراد بكارا والتحدث اليها في حرية وصراحة .. عرفت كارا الحقيقة بكل تفاصيلها وحكت لأكرعن بورا الكثيرً .. فقد كانت آخر من تبقى معها من افراد الفوج وكانت كل منهما تأمل ان يكونا معاً حتى النهاية وان يجمعهما مستقر واحد ولكن يظل التمني دائماً شيئا لايدرك .. قالت له انه لم يغب عن ذهن بورا ابدا .. "كانت دائمة التفكير فيك .. يراودها امل كبير في انك قادم في لحظة من اللحظات .. لم يمت ذك الأمل لديها حتى في احلك الظروف التي جابهتنا .. لكن آه .. تباً لذلك الوغد فقد اخذها عنا ومضى بها الى ديار قومه في اقصى الشمال ولولا ذلك لكانت قريبة من هذه النواحي".. لم تكن كارا تعرف اسم بلدة كرار الزير وكل ماتعرفه انها بعيدة عن هنا الا ان ذلك الإسم قد يكون معروفا لدى أهل تلك الديار فاذا ماسارا الى ذلك الاقليم قد يجدان من يدلهما الى البلدة التي يقطنها ذلك الشرير .. كانت كارا تود ان تثني رفيقيها عن المضي قدماً في ذلك الطريق فهي تعلم مدى الأخطار والمصاعب التي ينطوي عليها السير فيه لكنها كانت على يقين من انه لو أجتمع أهل الأرض جميعهم لاثناء اكر عن مثل ذلك لما افلحوا في سعيهم فلم تملك ازاء ذلك الا ان طلبت منه ومن رفيقه ان يكونا حذرين ويقظين والا يفصحا عن حقيقة امرهما لأي من كان .. اخبرتهما بما سمعته عن أهل تلك الديار وحدة طباعهم . ولما كانت كارا على علم بذلك العداء القديم بين أكر وتورو فلم تشأ أن تخبر عن ما كان من أمر تورو بل اكتفت بأن روت ذلك ليامو على انفراد لاسيما وانها قد علمت قصة أكر كاملة .. فهو مازال يسير في أثر معشوقته .. فكان أن مر تورو بأطراف القرية التي كانت تقطنها مع سيدها الأول .. كان ذلك قبل عدة سنوات وشاءت الصدفة أن كانت ساعتها في ذلك الموضع تجمع الحطب فتلاقيا وجلسا معا طويلا ولبث في ذلك الموضع مدة يومين كانت تزوره خلالها خلسة ليتحادثان .. علمت أمره وانه راحل في أثر بورا وكانت لديه معلومات لاباس بها عن الطريق أمامه .. أخبرها صراحة أنه مازال متعلقاً ببورا وان كان قد تنازل عن ذلك من قبل فما ذلك الا لان أكر كان احق بها منه أمّا الان وقد خرج أكر من حياتها وانقطع الرجاء فيه فهو صاحب الحق بلا منازع وينبغي عليه أن يفعل شيئاً في سبيل انقاذها وتحريرها مثل ماتحرر هو من قبضة سيده ومن بعد ذلك يفعل الله مايشاء ... روت كارا ليامو ماكان من أمر تورو ورجته أن يحفظ ماعرفه في نفسه دون أن يبدي لأكر شيئا منه لئلا يثير غيرته ويحفز غيظه فيخرج الشر من مكمنه.. وتأوهت كارا في شيء من الألم :" الله وحده من يعلم ماجرى لك ياتورو من بعد تلك السنوات الطوال" !! .
    واذ هم ّ أكر وصاحبه بالرحيل في فجر اليوم التالي تحدثا مع كارا في أمر الفرار الى أرض التلال وطلبا منها أن تكون على اهبة الإستعداد للانضمام الى ركبهم .. فما أن يكملا مهمتهما حتى يعرجان عليها هنا ليأخذانها .. ضحكت كارا على أثر ذلك وقد فاضت عيناها بالدموع فربما كانت ترى أن ذلك شئ سابق لأوانه وانه ليس الا من قبيل التعجل أو افراط في التفاؤل .. فالطريق الى ذلك الهدف الذي ينشده أكر وصاحبه طريق وعر محفوف بمخاطر جمة .. طريق لم يسع للمضي فيه قبلهما سوى تورو .. وهاهي سنوات طوال قد انقضت ولم يبن له أثر .. ولا أحد يعلم عنه شيئاً .. ومثله بورا .. فمصيرها أيضاً في علم السماء وحدها ولا أحد يدري مافعله الزمان بها .. أباقية على وجه هذه البسيطة أم أخذت في طياتها؟ ولو كانت باقية فهل مازال أكر يحيا في قلبها أم ان مامضى من الأيام والأعوام قتل ذلك الإحساس ولم يعد ماكان الا ذكريات فاترة واهنة؟ وماذا لو أنه قد صار لديها مايربطها بتلك الأرض الغريبة عنها مثلما بات لدى كارا .. ذلك الذي لم تشأ الأفصاح عنه لزائريها وحال الحياء دون أن تكشف عنه .. جذور من لحمها ودمها نبتت في احشائها دون ارادتها حتى خرجت للنور ونمت !!! كان يامو على علم بمعاناة كارا وبما بعثته دعوة أكر من أحزان والآم .. فهو يعرف ماذا جرى للفتيات من بعد سبيهن .. حتى وهن في الطريق الى هذه الديار .. لقد باشر الغزاة اغتصابهن منذ أن ابتعدوا عن حدود الأكواخ .. رأى بأم عينيه ذلك الشيخ اللعين وهو يقود بورا بعيداً عن الأخرين في مرات عديدة كما رأى وطالع وجهها عندما كانت تعود من بعد .. ورأى غير بورا رفيقاتها وقد اعتدى رجال الركب عليهن .. رأى الكثير الا انه لم يقو على ذكر شئ من هذا القبيل لصاحبه لئلا ان يزيد من جراحاته .. ان كارا باتت ام لعدد من الأطفال آباؤهم عدة .. فسيدها السابق اب لواحد وشقيق سيدها الحالي اب لاثنين واحد اقارب سيدها الحالي اب وغيره اب .. مثل كارا وبورا وغيرهما حق مشاع هنا لكل من اراد فليس في مقدور اي منهن ان تترفع أو ان تتعفف .. الحرة وحدها من تملك هذا الحق اما وهن رقيق مستعبد فليس من حقهن فعل ذلك.



    ( 28 )

    لم يعد لعامل الزمن معنى في حياة اكر .. فربما مرت به ساعة كانت مثل يوم وربما يوم يمر مثل ساعة .. وفي غياب حساب الوقت اختل حساب المسافة أيضاً فتارة يتراءى له الباع فرسخاً وتارة يرى الفرسخ باعاً .. اصبحت حياته زحفاً متواصلاً وسيرا لاينقطع .. لايلقي بعصا الترحال من يد الا لتأخذها الأخرى .. يرى أن حساب الوقت وحساب المسافة لاينبغي أخذهما في الإعتبار الا بعد الوصول الى مايسعى اليه .. اجتماع شمله وبورا .. لذلك فان مامر من اعوام طوال لم يزده الا صبراً واصراراً .. فها هو وصاحبه يامو يوشكان على اكمال العام الثاني منذ أن التقيا بكارا ومازال لقاء بورا حلماً لانهاية له وسراباً يكتنف كافة الطرق امامهما .. يحلان اليوم بمكان ليغادرانه في الغد الى اخر .. اضناهما البحث واعياهم الترحال .. تتعاقب الفصول شتاء وصيف وخريف وهما على حالهما .. يضربان في الأرض بلا هوادة لايصدهما قيظ نهار ولاتثنيهما برودة ليل ولايخيفهما قصف رعود .. وهاهي السماء تغطي رحابها سحب وغيوم كثيفة فبدأ نهار ذلك اليوم كأنه مساءه وأكر وصاحبه يجدان السير علهما يصلان في تلك الفلاة الخالية الى مكان يقيهما من المطر الذي بات هطوله وشيكاً .. شاء الحظ أن تقودهما الخطى الى دار منعزلة في تلك الفلاة .. بدأ لهما لهما شيخ مسن يحاول اصلاح سقف بيت من الشعر بوضع مزيد من الشمال لاتقاء تسرب مياه الأمطار وتعاونه في ذلك زوجته فما كان من أكر وصاحبه الا ان توجها لمساعدة الرجل وزوجته في ما كانا يقومان به من عمل وماهي الا لحظات حتى كانت الخيمة على أحسن حال ثم مضيا يصلحان واحدة اخرى وقاما بكل ماهو ضروري لمواجهة المطر المتوقع وقد لقي صنيعهما تقديراً كبيرا من ذلك الرجل المسن وزوجته اذ لم يحسبا وهما في تلك العزلة ان يأتي في ساعة ثل تلك من يقدم لهما يد العون.. فلم يكن الا ان دعاهما للبقاء في ضيافته مشيراً الى خطورة السير في جو مثل ذلك وفي فلاة مثل تلك الفلاة الواسعة فلم يترددا في قبول ماعرض عليهما وانزلهما الرجل في الخيمة الأخرى وكان المطر ساعتها قد بدا يتساقط بغزارة.
    احسن الشيخ ضيافة اكر وصاحبه ووجدا لديه من العطف مالم يجداه لدي أحد منذ ان فارقا ديار اهليهم .. لم يحسبا ابداً ان من بين اولئك القوم اناس مثل هذا الرجل وهذه المرأة في طيبة اخلاقهما وكرمهما وعطفهما .. سألهما الرجل عن وجهتهما فلم يشعرا بما يريبهما في امره فأخبراه أنهما يسعيان وراء الرزق فعرض عليهما أن يفلحا له الأرض ويرعيا له اغنامه مقابل أن يأخذا نصف نتاج الأرض وربع ماتلده الأغنام .. كان ذلك عرضاً سخياً لم يحلما بمثله بل ولن يعرض مثله لامثالهما في هذه الديار التي هم فيها ارقاء لايمتلكون حتى انفسهم .. فقبلا ذلك دون تردد ليس لأجل ماسوف ينالاه من فائدة ولكن اسداء للجميل الذي لقياه من ذلك الشيخ الكريم .. فلا حاجة لهما بنصف نتاج الأرض وربع ماتلده الأغنام .. يكفيهما القليل الأقل من ذلك .. فما هما الا عابرا سبيل ولا حاجة لهمابمال أو متاع أو غيره .. لايبغيان سوى نيل هدفهما المرجو ولايطمعان في أكثر من سواه .. ولما كان فصل الخريف في بدايته فقد وجدا ان العرض مناسباً فالترحال خلال ذلك يكون مجهداً وبطيئاً ومحفوفاً بمخاطر جمة أما اذا بقيا الى حين أن يمضي من ذلك الفصل أكثره فإن تنقلهم سوف يصبح امراً مأمونا وسهلاً.
    ومنذ أن تلقيا عرض الرجل انكبا على الأرض يصلحانها ويزيدان من رقعتها حتى بلغت اضعاف مساحتها الأولى ولما انتهيا من امر زراعتها اخذا يتبادلان رعي الأغنام فيوم يمضي أكر للرعي ويبقى يامو يراعي الأرض ويوم يكون الرعي فيه ليامو ويبقى اكر يراقب الحقل .. وظلا على هذه الحال الى ان نما الزرع وأخضرت المروج تحيل شحوب تلك الفلاة الى نضارة وازدهار يبعث الأمل في النفوس وازداد سرور الشيخ وزوجته وحمدا الله على أن آزرهما بمثل هذين الوافدين.
    وجاء يوم خرج فيه يامو ليأتي بشئ من الحطب الجاف اذ يندر وجوده في فصل الخريف .. ومضى في سيره الى صلب الفلاة حيث تكثر الأشجار فاذا به يرى في ذلك الحيز عددا من الفتية يرعون اغناما ويتراكضون هنا وهناك في غبطة وسرور مبعثهما ذلك الصبح الجميل وتلك الشمس المشرقة على بساط شديد الإخضرار .. وللعجب فقد رأى في صحبة اولئك الفتية رجلا استطاع برغم بعد المسافة تمييزه عن بقية من معه فقد بدأ جلياً انه من قبيلهم .. ربما كان سبيا ً مثلهما .. وتبين له أن الرجل يشكو من عرج واضح في قدمه اليمنى ويستعين في سيره بعصا.. فوقف يراقبه وخطرت في ذهنه فكرة الدنو منه الا ان ملازمة الفتية له جعلت يامو يعدل عن ذلك مخافة ان يتحرش به اولئك الفتية فيحدث ماهو في غنى عنه.
    كان يامو طوال الطريق يفكر في أمر ذلك الشخص .. من هو ياترى ومن أي قرية من قرى التلال وكيف جاء الى هذه الأصقاع النائية؟ ألم يشفع له عرجه لدى من أسروه؟ ماذا كان يضيرهم لو أنهم أطلقوا سراحه وجادوا عليه بفرصة البقاء في ديار أهله فلا شك انه قد كان لديهم من الأسرى الكثير فلو نقص عددهم واحد من مثل هذا المسكين فلن يشكل خسارة تذكر فهم الرابحون دوماً.
    في ظهيرة اليوم الثاني قصد اكر ذلك الموضع الذي رأى فيه يامو الرجل الأعرج فقد عقد العزم على مقابلته منذ أن حكى له يامو عن ذلك ومضى يتبع الطريق على ضوء ماوصف له حتى وصل النقطة التي وصل اليها يامو في الليلة السابقة غير أنه لم يرَ أحدا من الناس ولما تقدم في سيره قليلاً بلغ مسامعه نباح آتٍ من مسافة غير بعيدة ومضى يواصل سيره في شئ من الحذر حتى رأى خياماً ومن حولها مجموعة من الإغنام ورأى بعضاً من أهل ذلك الحي فلزم موضعه وظل يراقبهم من حيث لايراه أحد لعله يرى من بينهم الاعرج الذي وصفه يامو .. وطال انتظار اكر دون مافائدة .. فلم يرَ ذلك الرجل فآثر العودة وكان ان اتخذ طريقاً غير الذي جاء منه فقاده الى بركة نمت من حولها حشائش كثيفة .. ولما كان قد سار طويلا فقد عرج الى تلك البركة ليروي مابه من ظمأ فلفت انتباهه وجود آثار أقدام حديثة العهد كان من الواضح ان صاحبها يعاني من عرج فالخطوات متباعدة عن بعضها فبينما تظهر آثار قدم كاملة لايظهر من الأخرى الا بعضها كما تظهر ايضاً آثار العصا التي يرتكز عليها صاحب الأثر .. وكان قد بدأ واضحا ً للعيان انه لم يمض علي ذلك سوى سويعات قليلة ... ربما كان ذلك في أول النهار .. ولم يكن لأكر شك في أن صاحب الأثر غريب عن هذه الديار فأثر قدميه تدل علي ذلك .. إذن فقد كان يامو على حق فيما روى .. وجلس أكر عند تلك البركة طويلا يفكر في أمر هذا الأعرج ويربط بينه وبين منظر هذه البركة المحاطة بالحشائش وتلك المروج الواسعة فيعود خلال ذلك إلى أرض التلال وإلى أكواخ قومه وحقولهم وتهيج به الذكرى وتنبعث اشجانه فتفيض عيناه بالدموع .. اين الأهل وأين الأحباب والصحاب؟ لقد مضى كل شئ مثل ماتمضي الأحلام ولم يبق من كل ذلك الا ذكريات .. خمسة عشر عاماً قد مضت وهو لايزال ينساق خلف وهم وسراب لايدركان .. يرفض هذه الحقيقة .. أن يكون منساقاً وراء وهم .. يحسب دوما ان بورا على بضع خطوات منه .. ان لم يظفر بها هذه الساعة فالساعة القادمة موعد ظفره .. ليمضي من الوقت مايمضي وليذهب من عمره مايذهب فقد تجمدت الحياة امامه وتوقفت منذ أن فارقت بورا أرض الاكواخ ولن تعود الحياة الا اذا ماعادت اليه حبيبة القلب .. عند ذلك سوف يسترد الوقت قيمته ويكتسب العمر اهميته ويعود للحياة معناها .. ولما ارتحل اكر في ركب الذكريات طويلا عاد الى الواقع الأليم بعيون دامعة ثم نهض يواصل مشوار العودة وقد عاد يتمعن ذلك الأثر مرة اخرى وخطرت له فكرة تتبعه ليعرف وجهته وأي ناحية قصدها فلاحظ أن صاحبه يتبع في سيره طريقاً جافاً متجنباً الغوص في الوحل والمياه كل ماكان ذلك ممكناً فإزداد يقيناً من أن صاحب الأثر معاق ومضى في ذلك الى أن تبين له أن الأعرج كان قد قصد ذلك الحي الذي شاهده قبل قليل.

  28. #28
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 29 )
    حال المطر الذي تساقط في وقت متأخر من مساء ذلك اليوم دون اعادة الكرة من قبل اكر أو يامو في اليومين التاليين فقد انشغلا بمعالجة الأضرار التي لحقت بالزرع من جراء المطر الذي ظل يتساقط لساعات طويلة .. ولم يتوفر لهما وقت لأعادة محاولة الوصول الي ذلك الأعرج والألتقاء به الى أن تمكنا بعد بضعة أيام من اصلاح الزرع ومعالجة الأضرار التي المت به واصبحت الفرصة سانحة امامهما لإعادة الكره فقصدا في ظهر اليوم التالي ذلك الحيز على أمل أن يقابلا الرفيق المجهول وما إن اقتربا من الموضع المقصود حتى بلغ مسمعيهما لغط استدلا به على أن الرعاة امامهما في ذلك الحيز فحادا عن طريق سيرهما ليأخذان طريقاً آخراً يمكنهما من مراقبتهم دون أن يستطيع الرعاة رؤيتهما وواصلا السير في حذر إلى أن كان لهما ما أرادا .. فقد تمكنا من مراقبة الرعاة من حيث لايرونهما .. كانوا مجموعة من الفتية ومن بينهم ذلك الأعرج يستند على عصاه في كل خطوة يخطوها .. اصبحا على يقين من انه من قبيلهم فملامحه تؤكد ذلك .. بدأ انه أكبر سنا من كليهما .. لم يكن يشارك اولئك الفتية في هرجهم بل كان صامتا منشغلاً بمهمته الموكلة اليه .. وتقدم آكر قليلا ليقف عن كثب وتمعن وجه ذلك الرجل لعله أن يكون من بقية الرفاق .. ابناء الأكواخ .. الا أن الرجل قد ولاه ظهره ثم مضى عن اولئك الفتية متخذا ذات الطريق الذي يقود الي البركة فلزم أكر مكانه حتى أيقن من أن الأعرج متجه اليها .. و رأى الفتية يجمعون اغنامهم تمهيداً للعودة الى مضرب خيامهم .. فبات علي يقين من ان املهما في لقاء ذلك الرفيق على وشك ان يتحقق فهاهم الفتية قد مضوا ادراجهم وهاهو الرجل المنشود قد بات لوحده .. مازالا يريانه يثب على قدم واحدة من بين الحشائش في طريقه الى المستنقع وكانا قد اتخذا ذات الطريق الذي جاء بهما وآثرا الاَ يتبعان الطريق الذي سلكه حتى لايفاجأ بهما من خلفه اذا ماحانت منه التفاتة إلى الوراء .. ولما وصلا هنالك ألفيا صاحبهما قد نزل الى الماء يبترد .. وقد غاص حتى وسطه يردد مقطعاً من أغنية معروفة لأهل التلال ويعيد ترديده مراراً كأنه يحاول تذكر ما يأتي بعده من مقاطع .. لم يحس بهما اذ كان مولياً وجهه شطر الجهة الأخرى.. فآثرا الاّ يباغتانه فيحرمانه من ذلك الإحساس بالسعادة وتراجعا الى الوراء قليلا ليمهلانه حتى يكمل استحمامه وهما يصغيان الى ما يردده فيرددانه معه بصوت خافت وقد غشي نفسيهما سرور غامر .. ولما انقطع الترنم وقف أكر بنصف قامته ليرى من وراء الشجيرات والحشائش ما اذا فرغ صديقهما من الإغتسال أم لا .. فرآه يشق طريقه في الماء بصعوبة معتمدا ً على قدم واحدة فخشي عليه أن يختل توازنه فيهوي بجسده في الماء فظل يراقبه للحظات الى أن اوشك على الخروج من الماء فاحس بمزيد من العطف تجاهه وهو يرى مدى إعاقته .. ولاحظ فيما لاحظ ان على اسفل ظهره آثار جرح قديم غائر رجح ان يكون ذا علاقة بهذه الأعاقة .. في تلك الأثناء استدار اكر ويامو يخطوان الى الناحية الأخرى من تلك البركة بحيث يكونان في وضع يجعل ذلك الرجل يراهما دون أن يفاجأ بهما فكان لهما ذلك اذ وقف مستنداً على عصاه يطالعهما بتمعن وتركيز .. القيا عليه التحية قبل ان يصلا اليه تماما ً وقد اعتلى وجهيهما بشر جلي .. عانقاه في حرارة الا انهما أحسا بشئ من البرود من قبله .. لم يقابلهما بذات الحرارة لكن ما لاحظاه على وجه جعلهما يغضان البصر عن ذلك .. فقد كان الرجل بجانب اعاقته أعوراً لايرى الا بيسراه .. رثياً لحاله ولتعاسته .. آه لهذه الأقدار اذ لم يكفها ما أصابت به هذا المسكين من عاهات فرمته في شراك اولئك الغزاة القساة ليصبح فوق ذلك عبداً ذليلاً .. رباه كيف قوي هذا التعيس على تحمل الزحف الطويل ومشقة السفر المتواصل عبر تلك الأحراش والأودية والوهاد و كيف استطاع الوصول الى هذه البقاع وهو على هذا الحال؟ ليت من أسروه قنعوا ببقية من أسروا فأخلوا سبيله رحمة به .. ولكن هيهات ان تعاف الذئاب مايقع بين مخالبها.. اخبراه بأنهما يقطنان قريبا من هنا مع سيدهما وخرجا بأمره ليحتطبان.. ودون أن يتمادى أكرفي الحديث سأله ليعرف الى أي قرية من قرى التلال ينتمي فأجاب ساخراً :"أنا من هنا .. من هذه الديار" !! عجبا لهذا الرجل .. ملامحه ملامحمهما ولسانه لسانهما فكيف ينتسب الى هذه الأرض وينسى أرض ابائه واجداده اللهم الا ان يكون من ذلك الصنف الخانع المستسلم أو أن تكون به لوثة من جراء مابه .. وكأن الرجل قد قرأ نظراتهما وما انطبع على وجهيهما فادلى بما يبدد حيرتهما :"أليس وطن المرء هو مايعيش فيه ويموت هو فيه" !!.. بدأ لهما من هذه العبارة ان معاناة هذا الصديق كبيرة حقا وأنه يائس لايحمل في قلبه أملا فأردف يامو :"هل يعني ذلك انك لاتفكر في العودة الى أرض الوطن .. أرض التلال"؟! فضحك ضحكة غلب عليها طابع الحزن .. ضحكة مغلوب أمام بلواه :"وأنّى لمثلي أن يقوى على طي تلك الأحراش وتلك الدروب الوعرة .. قد يكون ذلك ممكنا لأمثالكم اما من هو في مثل حالي لايحلم بذلك مطلقاً اللهم الا اذا استيقظ من نومه صباح يوم فوجد انه يمتلك جناحي نسر" !! .. قال ذلك ثم ارسل زفرة انبأت عن مخزون صدره من الآم وكشفت عما تعج به نفسه من احزان وآهات .. تأثرا لحديثه غاية التأثر الا انهما حاولا اخفاء ذلك .. قال له أكر :"وكيف استطعت المجئ إذن؟ فطالما قويت على ذلك من قبل فسوف يكون في امكانك ان تقوم به الآن وسنكون لك عونا" .. فقال مخاطباً أكر :"ومن قال لكما انني جئت من هنالك بهذه البلوي..!!.. حين سبيت كنت قويا بصيراً مثلكما تماماً .. ولكن هذا جزاء كل من يصارع أقداره ويحاول قهرها .. لقد كنت مثل ذلك الثور المغرور الذي اعجب بقرنيه وحدتهما فجرى مندفعا نحو الجبل ليزيله عن مكانه فازال قرنيه وبقي الجبل في مكانه شامخاً" !!.. توالت تلك الزفرات المليئة بالأسي واصدر ذات الضحكة .. ضحكة الساخر من بلوى الأقدار .. لم يستطع اكر ولايامو رغم محاولاتهما اخفاء ذلك التأثر الذي لحق بهما من جراء ما أضافه هذ الرجل .. يالقسوة الحظ!! .. فهذا البائس قد كان قويا مثلهما يمشي على قدمين ويرى بعينين وهاهو الآن لايملك الا نصف ذلك ..سأله يامو عن تفاصيل ماجرى له وكيف حدث له ماحدث فقال :"آه يأخي تلك رواية ذات فصول وليس في الوقت متسع فهاهي الشمس توشك على المغيب وكما تريان فالوحل والماء يغطيان الطريق أمامي واذا ماحل الظلام فسوف تكون مهمتي عسيرة وربما تعثرت على كومة شوك أو سقطت في وحل .. فإذا أردتما الذهاب معي الى مضرب الخيام فمرحباً بكما واذا آثرتما العودة الى حيث سيدكما فما الصبح ببعيد" .. شكراه على كرمه ثم رافقاه الى ان اجتاز مكانا موحلا كثرت في الحشائش وقبل أن ينصرفا تماما استوقفهما يسألهما عن اسميهما ويعرفهما بإسمه " لقد فاتني ايها الصديقان ان اذكر لكما اسمي أو ان اعرف اسميكيما .. فاسمي (بخيت) واسكن في ذلك الحي الكائن خلف تلك الأشجار".. ضحك اكر حين ذكر ذلك الرجل اسمه وقال له :"ان اسمي أيضاً بخيت .. مثل اسمك .. وهذا رفيقي اسمه مرسال .. وكلانا يعمل في خدمة سيد واحد" .. انصرف أكر ويامو الى مقرهما مع ذلك الشيخ الطيب وطوال مدة سيرهما كانا يراجعان سيرة صاحبهما بخيت .. احسا بأن هنالك شئ من الغموض يحيط به .. فهو لم يذكر لهما اسم قريته وتهرب من الإجابة على السؤال في ذلك الخصوص كما انه امتنع عن ذكر اسمه الحقيقي .. اسم قومه علاوة علي أنه دعاهما للذهاب معه الى مضرب خيام سيده وكما يعلمان فلا يملك عبد ان يفعل مثل هذا .. ان يدعوا عبدا مثله لدار سيده .. اثارت هذه التصرفات قلقهما وجعلتهما يرتابان في أمره .. ربما كان من ذلك النوع الذي سمعا عنه من قبل وحُذرا من التعامل مع مثله .. اولئك الذين استسلموا لسادتهم واصبحوا طوع بنانهم .. لذلك فقد عزما على ان يكونا اكثر حرصاً وحذراً في المرة القادمة والا يكشفان عن حقيقة امرهما لذلك الأعرج فقد يوقعهما في شراك يصعب الخلاص منها.


    ( 30 )
    لم يعد أكر ويامو في صبيحة اليوم الثاني يحملان ذلك الحماس الذي كان يدفعهما من قبل بعد ان قابلا ذلك الرجل فقد لعبت شكوكهما حوله دورها في تقليل حماسهما الا ان ذلك لم يمنعهما من المضي للالتقاء به ثانية علهما يجدان لديه ماهما في حاجة اليه او معلومة تفيدهما في بحثهما ولما وصلا وجداه جالسا تحت شجرة على يمين ذلك المستنقع وقد بدأ وكأنه قد كان يرتقب مقدمهما اذ الفياه اطيب نفسا مما كان في الأمس .. حياهما بحرارة ودعاهما للجلوس بجانبه ثم ابتدرهما باسما :"قبل كل شئ اود أن اسألكما قبل أن يكون هذا بخيت وأنت مرسال ..من أي فج من فجاج التلال جئ بكما ايها الصديقان"؟ .. فعاجله يامو قبل الإجابة على سؤاله :"لقد سألناك بالأمس ذات السؤال ولكنك لم تجب ونسبت نفسك الى هذه الأرض فقل لنا قبل أن نجيبك ما اسمك قبل أن تكون بخيت وماقريتك التي كنت فيها قبل أن تأتي الى هذه الأصقاع؟" فصمت قليلا قبل ان يجيب :" حسنا أيها الصديق .. فإسمي الحقيقي هو تورو " ..وما إن ذكر اسم قريته حتى هب اكر ويامو يقفان وقد تملكتهما دهشة عظيمة عقدت السنتهما وطفقا يطالعان وجه ذلك الجالس كمن يطالع صفحة كتاب قديم طمست حروفها ودرست معالمها .. كادا الا يصدقان لولا ان شيئا ما شد انتباه اكر .. فقد تذكر اثار ذلك الجرح الغائر الذي رآه على ظهر الرجل حينما كان يبترد في ذلك المستنقع .. رددا في وقت واحد :"هل أنت تورو حقاً"؟ .. " نعم أنا تورو ايها الصديقان فهل تعرفانني من قبل:"؟ .. فأجاباه وقد خنقتهما العبرات وانهمرت دموع اعينهما غزيرة :"ألم تعرفنا ياتورو؟ .. فأنا يامو وهذا وهذا أكر .. أبناء قريتك ورفيقا صباك" !!!! عند ذلك هم تورو بالنهوض وهو يصيح غير مصدق :"لا لا .. لا لا .. لايمكن أن يكون ذلك صحيحاً فما الذي اتى بأكر ويامو إلى هذه الأصقاع .. ما أنتما إلا تكذبان"!! وبدأ ان تلك المفاجأة قد انسته علته فحاول النهوض دون الإستناد على عصاه فإختل توازنه وخر على الأرض بقوة.
    تعانق ثلاثتهم طويلاً وبكوا كثيراً وجرفت تلك الدموع كل ما كان راسباً في نفسي أكر وتورو تجاه بعضهما من كره وغيره .. تحدثا معا كأن شيئا لم يكن بينهما من قبل .. قال تورو :"لقد كنت أتوقع حدوث الكثير لكنني ابداً لم أتوقع ان يتم مثل هذا اللقاء "!!.
    ساقهم الحديث إلى متاهات بعيدة.. لم يعد تورو يبالي بالظلام أو ان يتعثر فوق الشوك أو الوحل .. عرف قصة أكر كاملة وعرف ماجرى ليامو من احداث بعد اخر مرة تقابلا فيها .. ثم حكى لهما قصته وفصول مأساته .. لم احسب يا أكر بأنك سوف تأتي في أثر بورا فقد كنت ارى ذلك من قبيل المحال ورأيت في غيابك انني صاحب الحق المطلق ففعلت مافعلت ومضيت في ذلك الطريق أحثّ السير حتى وصل مسامعي لغط وهرج فأنحرفت متخذاً طريقاً آخرا غير أني ماكدت أفعل حتى سمعت أصوات تأمرني بالتوقف ولما التفت ألفيتهم بعض رجال يتقدمون نحوي بخطى سريعة .. وهممت بالمضي في طريقي ومواصلة السير دون الامتثال لأوامرهم ولما اصبحوا أكثر قرباً فكرت في الهرب إلا أنني تراجعت عن ذلك وفضلت مواجهتهم ومعرفة نواياهم وماذا يريدون .. لم أقراً في وجههم إلا الشر وبانت لي حقيقة ذلك .. ولما أبديت مقاومة لحقت بي السياط فاستشطت غضباً واستخدمت يدي في كل صوب حتى سالت الدماء من أنوف وأفواه بعضهم .. ساعتها تكاتفوا معاً ووحدوا صفهم فصاروا يتقاذفونني فيما بينهم حتى اوشكت على السقوط فثارت ثائرتي وانتزعت سوطاً من يد أحدهم وانهلت به على وجه أشدهم قوة .. وليتني لم أفعل فما كان الا ان دخلت المعركة ادوات اخرى غير السياط .. واحسست بشئ صلب يخترق عيني محدثا الما ً مريعا ًوقبل أن استدير هوى فأس على ركبتي ثم على قدمي فظننت من فرط الألم انه الموت ولم اعد اشعر بعد ذلك بشئ الا عند فجر اليوم الثاني حين وجدت نفسي مطروحاً على الأرض..
    كان الألم يسيطر على كافة اعضاء جسدي ووضعت يدي على عيني السليمة فلم أرى الا ظلاما فأيقنت أن عيني الأخرى قد إنطفأ نورها إلى الأبد .. حاولت عبثاً النهوض فباءت جميع محاولاتي بالفشل وكان يخال لي أن رجلي المصابة غير موجودة في مكانها .. ولما وضحت الرؤية أكثر رأيت دمي على الثرى من حولي فكنت في مرقدي ذاك مثل خروف ذبيح .. ظننت انه الهلاك فالله وحده من يعلم متى يأتي إلى تلك الفلاة من يأخذ بيدي ويأتيني بجرعة ماء اطفئ بها ذلك الظمأ الحارق .. لن يأتي الى هذه القفار سوى اولئك الأشرار فان وجدوا بي رمقاً اجهزوا علي .. وليتهم يفعلون فيريحونني من هذه الأوجاع المضنية .. لم يخالجني شك في ان تلك هي خاتمتي .. اموت في هذا العراء ولا أجد من يستر جثتي .. فأغدوا طعاماً للنسور والعقبان وتتناثر أشلائي هنا وهناك و بينما أن على تلك الحال سمعت وقع حوافر قادمة نحوي فحسبت انهم اولئك النفر وقد جاءوا ليتفرجوا على جثتي .. جثة ذلك الثور المغرور .. فأغمضت عيني السليمة واوقفت كل حركة حتى يحسبوا انني قد مت .. سمعت من حولي لغطاً لم أفهم معظمه الا انني قدرت أنهم يتساءلون فيما بينهم ان كنت ميتاً أو مازال بي رمق .. وشعرت باصابع احدهم تتحسس جسدي ثم بالماء ينثر على وجهي ثم تكاتفت ايدي تحملني .. صرخت بأعلى صوتي حين هم الرجال برفعي من على الأرض وامسكوا بقدمي المصابة فقد سرى ألم مريع ذهبت معه في غيبوبة فلم أعد اشعر بما يجري من حولي .. حينما افقت وجدت نفسي تحت شجرة ومن حولي ثلاثة رجال ..كان الوقت ظهراً .. صرت اتنقل بنظري بين الوجوه فقد حسبت للحظة انهم اولئك الأشرار وقد جاءوا ليقضوا على حين تبين لهم اني مازلت حيا ً الا انني رأيت وجوها تبتسم.. القى كبيرهم التحية فرددتها بهز رأسي .. ومال علي وفي يده ابريق ماء صب شيئاً منه في فمي ثم نثر بعضه على وجهي ثم اطعمني مثل مايطعم الطفل الصغير .. احسست بعد ذلك بالحياة تدب في اوصالي شيئا فشيئاً بعد أن فرت عنها حيناً .. فوضعت يدي على عيني السليمة لأختبر عيني المصابة على أمل ان تكون تلك الغمة قد زالت وعاد ابصارها الا ان حسرتي كانت كبيرة فلم أعد ارى غير الظلام فبت على يقين من ان نورها قد مضى دون رجعة .. تألمت لذلك كثيراً وبكيت كثيراً ولكن هل يجدي البكاء شيئاً؟
    في وقت متأخر من مساء ذلك اليوم وصل الركب الى هذه الديار التي ترونها وانزلت في خيمة من خيام ذلك الشيخ الشهم .. لقد كان رجلا كريما رحيما شفوقاً .. كان يأبى الا أن يحضر اليّ الطعام بنفسه ويجلس معي حتى أجهز عليه تماماً .. أتاني بحكيم القرية مرارا حتى اندمل جرحي وجبر كسري وقويت على الوقوف .. كان يعاملني كأني واحد من أبنائه .. سألني عن ماضي حياتي فرويت له كل شئ في صراحة فتألم لما حدث ولعن اولئك الذين يخربون سعادة الآخرين ويستعبدونهم بغير حق .. اقنعني بالبقاء في دياره عزيزاً مكرماً وبعدم التفكير فيما كنت أود عمله .. حدثني عن قسوة أهل تلك الديار التي كنت أنوي التوجه اليها .. حتى آخر لحظة في عمره كان يوصي أبناءه بي خيراً .. فكانوا ومازالوا نعم الأخوة .. لم أحسب ابداً أن يوجد من بين هؤلاء القوم أناس في مثل طيبة هذا الرجل ومثل عشيرته .. لكن الخير والشر متلازمان .. يجلسان بقرب بعضهما في كل مكان وفي كل زمان.
    كان أكر ويامو جالسين لاينطقان بحرف .. يتابعان بإهتمام كل كلمة يتفوه بها صاحبهما .. لم يهتما بمضي الوقت ولعل ثلاثتهم لم ينتبهوا الى ان الشمس قد استقرت تماما في مغيبها .. لقد كان حديث تورو سلساً وحكايته شيقة ولم ينقطع ذلك الحديث الا حينما سمعوا اصوات نداء من خلف الحشائش .. أصوات لعدة اشخاص ولما اصغوا عرف تورو مصدر الأصوات وميزها فرد عليهم بصوت مرتفع من حيث لايراهم ولايرونه قال بأنه هنا مع بعض أقاربه فإذا ثلاثة فتيان من بينهم .. عرفهم تورو بصديقيه وعرفهما بهم .. انهم احفاد ذلك الشيخ الذي تحدث عنه تورو .. جاءوا يبحثون عنه اذ تأخر عن موعد عودته.

  29. #29
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 31 )
    منذ ذلك الحين صار اللقاء بين أكر ويامو وتورو لاينقطع .. يلتقون قرب ذلك المستنقع واحيانا يمضي اكر ويامو الى رفيقهما في مضرب الخيام .. فرّج ذلك عنه الكثير من همومه واحزانه .. ولكي لايرتاب ذلك الشيخ المسن في أمر اكر ويامو فقد اخبراه بأنهما قد لقيا احد اقاربهما في ذلك الحيز لذا فهما يختلفان اليه من حين الى آخر .. كان حديثهم في معظمه عن تلك الأيام السعيدة التى كانوا يقضونها في الحقول وعن مصير اهلهم من بعدهم ومصير رفاقهم الذين تفرقت بهم السبل .. وحتى تلك اللحظة لم يشأ تورو ان يتحدث عن مكان بورا في تلك الأصقاع فقد كان يرى أن المضي في ذلك الطريق هو مضي نحو الهلاك .. حاول ذلك بنفسه وكانت النتيجة واضحة ..اوشك على الموت وهو في أول خطواته في ذلك الطريق فماذا لو تقدم لخطوات آخرى .. ساقهم الحديث الى كرار الزير ذلك الشيخ الماجن .. فوجد اكر الفرصة سانحة ليسأل أين تقع بلدة كرار الزير وما أسمها فقد علم من كارا من قبل ان لدى تورو معلومات عن ذلك .. ذكر تورو اسم القرية وأخبر سائله انها لاتبعد عن هنا كثيراً ربما كانت على مسيرة ثلاثة أو اربعة ايام علي الأقدام.. ولما أدرك مايرمي اليه اكر عرج للحديث عن اهل ذلك الإقليم وعن قسوتهم وحدة طباعهم .. وقال لاكر صراحة :"اياك والتفكير في المضي في ذلك الطريق والا فلن تعود ابداً"!! .. ضحك أكر ضحكة تنم عن استخفافه بما اورده تورو فرد بقوله :"لقد نذرت عمري لذلك الهدف فإما أن اظفر به أو اهلك في سبيله .. لقد لازمت السير في اثره طيلة تلك السنوات التي مرت ولاقيت مالاقيت فكيف انصرف عن ذلك وهاهو الهدف على بعد ثلاثة ليالٍ أو اربع" .. حاول تورو جاهداً ان يثني اكر عن رأيه و اقناعه بالعدول عن ذلك غير انه لم يفلح في مسعاه .. ولما ضاق ذرعاً قال لأكر :"ومن يضمن لك ان بورا مازالت في تلك البلدة بعد هذه الاعوام ؟ ربما تكون هي الأخرى قد فرت الى غيرها أو ربما ارتحلت عن هذه الدنيا !! فلن تجني من ذلك الا حسرات ومآسي .. ثم هب انك وجدتها فكيف تضمن انها مازالت في انتظارك خلال هذه الفترة الطويلة .. قد يكون لها ابناء وبنات" !! هنا عصف غضب جامح بنفس أكر وصرخ في وجه محدثه :"كف عن ذلك .. فلن تتزوج بورا من غيري ابداً .. هنالك عهد بيننا" !! .. ضحك تورو في تهكم ثم اردف يقول :"عهد وزواج .. من لايملك نفسه لايملك عهده .. أمازلت تجهل ياصديقي مثل هذه الاشياء رغم وجودك في هذه الديار منذ سنوات طوال؟ من قال لك أن مثل بورا تملك حق الزواج !؟ فالأرقاء هنا حق مشاع لسادتهم و لغير سادتهم .. وقد استغل هذ الحق منذ أول الطريق .. ألم تر ذلك قد حدث مع فتيات الفوج الذي كنت فيه" .. قال اكر غاضباً :"كلا لم أرَ ذلك مطلقاً فلو كنت قد رأيت مثل ذلك لما صمت حياله .. هل حدث مثل ذلك بالفعل"؟ قال تورو:" بلى .. لقد حدث كثيراً .. ألم يحك لك يامو عن ذلك وعن مافعله ذلك الشيخ القذر ورجاله بالفتيات التي كن في فوجنا .. ألم ترو له ماحدث يا يامو"؟! .. الا أن يامو صمت وطأطأ رأسه .. لم يكن يريد أن يشعل النار .. وصمت أكر عن الحديث وقد احمرت عيناه وارتسمت في مابين حاجبيه تلك الهالة كاملة .. اضرم حديث تورو نارا حامية في دواخله خرج لظاها في زفراته المتكررة .. وحاول تورو ان يخفف عنه فقال له :"لم يكن في استطاعتنا فعل شئ فقد كنا مكتوفي الايدي و ليس في ايدينا ما ندافع به .. فلو ان احدنا قد رفع يده في وجه أي من اولئك الأشرار لما توانوا في قطعها .. لم تكن للشجاعة معنى امام ماكان معهم من سلاح والا لكنا قد عدنا الى ديارنا منذ أن جاء لنجدتنا دلدوم ورجاله .. ولكن حتى دلدوم نفسه لم يتمكن من العودة ومضى إلى الأبد .. هذا قدرنا يا أخي فلا تكن مثلي وتحاول تحدي الأقدار .. لايستطيع احد الفرارمن قدره والا كان مصيره مصير ذلك الثور المغرور الذي ناطح الجبل"!!.
    لقد اتخذ اكر قراره في هذ الشأن منذ فراره من الأكواخ منذ سنوات طوال .. لذا فإن حديث تورو لم يفعل اكثر من انه اجج تلك النار الكامنة بين اضلعه وزادها ضراوة .. لقد ظل يسير لأعوام طوال وراء بورا ولكن دون هدى .. كان سيره تخبطاً .. ذرع أرض الله بطولها وعرضها وهاهو الآن بعد تلك السنوات الطوال على مقربة من الديار التي تقبع فيها بورا دون أن يدري ذلك من قبل .. أما الآن وقد عرف مكانها فلن يثنيه شئ عن الوصول اليها .. ان يكن سيدها قد هتك عرضها واستباح شرفها فهذا امر آخر و له حساب آخر .. أما هي فسوف تظل بورا .. ذلك الحلم الجميل وتلك الذكرى العطرة .. ستبقى كما هي باقية في جوانحه ولم تفعل السنوات الطوال التي مرت الا ان زادته تعلقاً وشوقاً وازداد تبعاً لذلك عزمه واصراره نحو الوصول اليها .. ما زال يحمل تلك الصرة التي حفظت اثرها مثل كنز نفيس وجوهرة لاتقدر بثمن .. ماهو في هذه البقاع الا من اجلها فكيف يعود ادراجه وإلى أي مقر يعود؟ ليس له مقام في هذه الربوع فمقره هنالك في تلك القرية النائمة في احضان التلال .. سيعود اليها في يوم قريب وفي صحبته بورا .. نعم .. سيعود الى ديار قومه ظافراً .. لقد حانت الساعة فهاهي بورا على مقربة منه .. تتنفس ذات الهواء الذي يتنفسه الساعة .. يكاد يشتم رائحتها المميزة .. دقات قلبه تقول له ذلك .. سيجدها قريبا واحساسه ينبئه بأنها كما هي .. مثل مهر جامح لم يمس ظهره بعد .. لن يكون رحمها قد امسك لسواه خلفاً .. يكاد يجزم على ذلك .. ولو حدث ذلك فليكن .. يكفيه ان يراها وتراه وليقدر الله بعد ذلك مايشاء.



    ( 32 )

    مرت الأيام القليلة التي تلت ذلك مثل سنوات طويلة بحساب اكر .. ولولا اصراره على رد جميل ذلك الشخ الكريم لمضى في طريق بورا منذ اللحظة .. ولكن شهامته تصده عن ذلك فمكث الى ان جاء يوم الحصاد فحصد ورفيقه المحصول على عجل وكان وفيراً .. اعجب الشيخ كثيراً بأكر ويامو وأكبر فيها مرؤتهما وعونهما.. وبعد أن جمعاً المحصول وخزناه على النحو الذي اراده الشيخ فاتحه اكر في أمر عزمه ورفيقه على الرحيل .. تنازلا عن كامل حصتهما للرجل واكتفيا ببضع قناديل وقليل من اللحم المجفف لتكون زادهما في ترحالهما .. غادرا دار الشيخ عند الأصيل وعرجا على مقر تورو فالفياه في الطريق عائداً من مكانه قرب تلك البركة فرافقاه وامضيا الليل في خيمته .. اخبراه بما عزما عليه فتألم لذلك كثيراً ..قال لهما :"لقد احسست بعد أن جمعني الله بكما كأني قد عدت إلى أرض التلال و أزال وجودكما بقربي كثيراً مما كنت أحس به من احزان دفينة لم ابح بها لسواكما فما عساي أن افعل من بعدكما وها انتما تزمعان الرحيل عني"!! .. وقبل أن يكمل حديثه طفرت عبراته وانسابت دموعه فشاركاه البكاء .. وساور يامو أحساس جعله يقف حائراً بين المضي مع رفيقه الذي بدأ معه المشوار وبين البقاء مع هذا التعيس الذي هوا في حاجة ماسة للمؤازرة والعطف الا ان اكر يريد المضي في طريق مجهول محفوف بالمخاطر .. يحتاج لمن يشد ازره وهذا البائس تورو في صحبة اناس كرام لن يقصروا في حقه ابداً .. وضع أكر يده على كتف تورو ليهدئ من روعه :"كن على ثقة ياتورو بأننا سوف نعود هنا ثانية فور انجاز مهمتنا .. سنأتي جميعاً انا ويامو وبورا .. وسنأخذك معنا إلى ارض الوطن مهما كان ذلك صعباً .. ستعود الى ديار الأهل مثلما نعود"" ! .. ضحك تورو وهو يغالب دموعه وعبراته : " لقد رضيت يا أخوتي بقدري ونصيبي .. ولن اقبل ان اكون عالة وحملا ثقيلا في مهمة شاقة مثل تلك .. اني لا أطمع الآن في اكثر مما نلت .. فشكراً للسماء ان جمعتني بكما بعد ان ظننت كل الظن اني سوف اموت دون ان اجد من يحدثني بلسان قومي ولو بكلمة واحدة .. اتمنى لكما التوفيق في مهمتكما واوصيكما بالحذر الشديد في كل خطوة تخطوانها في طريقكما"!!وقف تورو في ذلك الصباح الباكر وهو يرقب صاحبيه يمضيان عنه بعيداً .. لقد كانت تلك اللحظات من امرّ ما مرّ به .. ينشج مثل طفل صغير.. تمنى لو ظل على احزانه المدفونة في اعماقه ولم يظهر في حياته هذان الراحلان عنه الساعة .. لقد تناسى في مامضى كل ما يربطه بالماضي ولكن ظهورهما في حياته فجأة احيا الماضي ثانية .. فحسب للحظات انه قد عاد إلى ارض الأكواخ والى تلك الحقول واحس بتلك الأحزان المكبوتة قد تفرقت وتلاشت تماماً في وجودهما .. أما الآن وقد نأيا عنه فقد اجتمعت احزانه القديمة بأحزانه الجديدة واستحالت دواخله بوتقة انصهار .. وقف مستنداً على عصاه ويده الأخرى تكفكف دموعه تارة وتاره تحجب الضياء لتمكنه من متابعة رفيقيه وهما يبتعدان عنه ملتفتان الي الوراء من حين الى اخر الى ان اختفيا عن ناظره تماما .. ظلت دموعه منهمرة طيلة ذلك اليوم .. وحاول جاهدا ان يتغلب على احزانه وهو يمني نفسه بعودتهما اليه ثانية رغم احساسه بأن الأمل في ذلك ضعيف ان لم يكن مفقوداً ولكن لم يبق لديه سوى التمسك بالأمل قوياً كان ام ضعيفاً .. واقعاً كان ام خيالا .. فهوى سلوى البائسين.

  30. #30
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 33 )

    اخذ اكر ويامو طريقهما وقد ترك رحيلهما عن رفيقهما تورو حزناً مختلطاً بالعطف والشفقة في احاسيسهما .. تمنيا ان لو وجداه تورو الذي يعرفانه من قبل .. سليما قوياً .. لكان ساعتها يشاطرهما هذا الزحف ولما سيطر على مشاعرهما هذا الشعور الذي يورقهما الآن .. ما اقسى ان يصبح القوي بين عشية وضحاها ضعيفاً عاجزاً .. مثارا للشفقة والعطف .. ودون هذا الإحساس فقد كانا يسيران بهمة عالية اذ ان تلك ستكون خاتمة المطاف لزحف استمر لأعوام طوال.. عاد ذلك الوجد يحتدم في جوانح اكر وتجمعت جيوش من ذلك العشق القوي توحد صفوفها فلا تبقى بين اضلعه مالم تحكم عليه قبضتها وكأن تلك السنوات الطوال التي فرقت بينهما لم تكن سوى ايام قلائل تحسب على اصابع اليد الواحدة .. كان يراها امامه في كل خطوة يخطوها ويحس بأنفاسها كلما غشيته نسمة هواء .. ليته علم ماعلم من قبل لكان قد وصل اليها قبل الآن بكثير ولكانا الساعة في مهد هواهما في أرض التلال ولكن مازال الوقت متوفرا ً فان اللحظة التي تشهد لقاءهما ستكون هي لحظة مولدهما ومنها ستبدأ حياتهما ويحسب حسابهما .. كان يراود ذهنه بين حين وآخر ماقاله تورو .. ماذا لو كان لدى بورا ما يمنعها من العودة الى ارض التلال .. ابناء واطفال؟ هل ستمضي معه وتتركهم ام أن انها سوف تبقى بجانبهم؟ ولكنه كان يفر بعيداً عن مثل هذه الأفكار معتمداً على احساسه بأن رحم بورا لن يمسك لسواه خلفاً .. يراهن على ذلك فهو وحده من يعلم عن بورا وعن حقيقة حبها له فلئن اغتصبها ذلك المعتدي وفعل بها مافعل فهذا لأنه القوي الأقوى وهي الاسيرة الضعيفة التي لاتملك ماتصد به كيده اما ان ينبت في رحمها مالا تريده فهذا امر لاسلطان له به .
























    إنقضت ثلاثة أيام على رحيل اكر ويامو عن ذلك الحي المنعزل الذي يقطنه تورو.. وهما خلال ذلك يلزمان حذرا بالغاً فكلما بلغ مسامعهما نقر فؤوس أو لغط رعاة حادا بعيداً عن طريقهما فيسلكان آخر يبعدهما عن أي شر محتمل .. ليس لديهما من الوقت مايضيعانه منذ أن عاد للزمن معناه في حسابات أكر فالدخول في شجار قد يقودهم الى المصير الذي آل اليه صاحبهم تورو أو أسوا منه.. لم يقابلا خلال ذلك من يستدلان منه على انهما يتبعان الطريق الصحيح الى القرية التي يقصدانها غير انهما ظلا يسيران على ضوء ما وصفه تورو لهما حتى ظهر اليوم الرابع حيث لاح لهما من على البعد مرأى قرية تسارعت على مشهدها دقات قلب أكر وتداخلت خطواته وكاد الا يقوى على السير .. فهذه دون ريب هي القرية التي آوت بين احضانها هواه المفقود .. هنا تحظى هذه الاكواخ بايواء بورا .. سرت رجفة واضحة في كل اطراف جسده .. ارتجفت شفتاه وصار يتمتم بكلمات لم يفهمها حتى صاحبه كأن لسانه قد شل فجأة أو اصابته علة طارئة .. كان قد هم بدخول تلك القرية مباشرة دون توخي الحذر المعهود الذي درجا على اتباعه في دخول القرى التي مرا بها الا ان يامو استوقفه وقاده ليجلسا في مكان خفي الى حين أن يتدبرا أمر الدخول فجلس على مضض وكأنه على نار حامية وكانت تلك الساعات هي من أطول مامر به منذ أن هجر الاكواخ.. لم يظهر حتى الآن من يدلهما على ان هذه هي القرية التي ينشدانها .. قرية كرار الزير .. وكاد صبر أكر ان ينفذ .. ينهض فجأة من جلسته ثم يعود في ذات اللحظة يجلس .. لائذ بالصمت اذ لم يعد لديه ما يقوله ولاشئ يخرج من بين شفتيه سوى زفرات حارة تعكس مايسود دواخله .. وكم حاول يامو ان يخفف من وطأة هذا القلق المميت ولكن دون جدوى وكاد زمام الامر ان يفلت فيدخل اكر القرية علنا لولا ان رأى يامو امرأتين تسيران على مقربة من مجلسهما تحمل كل منهما حزمة حطب على رأسها منشغلتان بالحديث فيما بينهما دون ان تنتبها الي وجوده ورفيقه .. فلفت نظر صاحبه الى ذلك وهم ّ بسؤالهما لمعرفة ما إذا كانت هذه البلدة هي التي يقصدانها ام غيرها وليته لم يفعل مافعل فما ان ظهر لهما حتى القت كل واحد بحزمتها ثم ولتا الفرار وقد ملئتا منهما رعباً .. تصيحان في أهل المروءة ان يهبوا لنجدتهما .. كان ذلك من اخطر المواقف التي قابلت اكر ويامو في ترحالهما الطويل وتوجب عليهما حينذاك ان يبتعدا عن ذلك المكان باقصى سرعة ممكنة والا جاء رجال القرية وبين ايديهم حجة قوية لانزال اقصى درجات الأذى بهما .. لن يكون عقابهما اقل من الموت فسوف يؤخذان على انهما قاطعا طريق أو من قبيل آكلي لحوم البشر وليس هنالك من يحميهما أو يصد عنهما كيد هؤلاء الرعاع .. انطلقا يسابقان الريح الى ان ابتعدا عن ذلك المكان تماماً وأصبحا في مأمن من ان يدركا .. يالتعاسة اكر .. كلما دنى من هدفه ركله الحظ ركلة اطاحت به بعيداً .. فها هو الآن يقبع في مخبئه ورأسه بين كفيه .. تقتله الحيرة .. ماعساه ان يفعل الآن؟ لم يعد في وسعه ولا في وسع رفيقه دخول تلك القرية ولاحتى الدنو منها والا ابتعدا عنها بعدا لاتقارب بعده .. ما السبيل اذن اليها؟ قضيا ذلك الليل وهما يتفاكران حول كيفية اعادة محاولة الدخول دون ان يصلا الى حل حتى غلبهما النعاس فمضيا في نوم عميق لم يفيقا منه الا بعد ان نزلت عليهما اشعة شمس صباح اليوم التالي.. لاما نفسيهما على افراطهما في النوم فقاما على عجل يغادرا ذلك المكان دون ان يدريا وجهة معينة يسلكانها .. واقترح اكر على يامو معاودة الكرة ومحاولة دخول القرية من جانب آخر الا ان يامو لم يوافقه الرأي في ذلك اذ ان ماحدث من أمر المرأتين سيظل مدار حديث اهل القرية لوقت ليس بالقصير ولاشك في ان رجالها الآن بالمرصاد في انتظار قدومهما ثانية .. وظلا يضربان على غير هدى حتى لاحت امامهما فجأة خيمة منعزلة اعادت الى ذاكرتيهما خيمة ذلك الشيخ الطيب في تلك الفلاة المنعزلة فتريثا قليلاً قبل التقدم نحوها ليقفا على أمر ساكنيها فاذا به شيخ في مثل سن ذلك الشيخ أو اكبر قليلا .. كان ساعتها يحلب شاة فاحسا بشئ من الإطمئنان قبالته وتقدما نحوه يلقيان عليه التحية .. رحب بهما ودعاهما للجلوس فجلسا واكرم وفادتهما بأن قدم اليهما ذلك الاناء الملئ بالحليب ثم اعقبه بآخر .. سألهما عقب ذلك عن وجهتهما فذكرا له اسم القرية التي يقصدانها .. قرية كرار الزير .. وزعما انهما موفدان من قبل سيدهما لينجزا له امراً الا انهما ضلا الطريق الى تلك البلدة .. فهز الشيخ رأسه قائلا ً لهما : "لكنكما قد ابتعدتما عن ذلك كثيراً .. فالبلدة التي تقصدانها بعيدة عن هنا ربما استغرق المسير اليها مدة يومين أو يزيد"!.. قال لهما انهما اذا ما اراد الطريق الصحيح الى البلدة المقصودة فعليهما العودة الى الوراء لمسيرة يوم او نحو ذلك .. أي ان يسلكا ذات الطريق الذي تبعاه اولاً ثم ينحوان بعد ذلك يساراً فيسيران ليوم آخر حتي يصلا الى قرية ذكر لهما اسمها ومن بعدها لا يلزمهما الا السير لسويعات قلائل فيصلان البلدة المنشودة .. كان وصف الشيخ دقيقاً وواضحاً كأنه قد عاد من تلك الجهة لتوه .. انصرفا عن مكان الشيخ في طريقهما الجديد وكان ان اوصاهما بتوخي الحذر في سيرهما فذلك النطاق يعج بالعقارب والأفاعي الفتاكة .. لم يكن مثل ذلك مثار قلق بالنسبة اليهما فهما قد عايشا مثل هذه الاخطار مذا ان جاءا الى هذه الدنيا .. تتخذ الأفاعي مراتعها في سقوف اكواخهم وتنام الذئاب ليلا على اعتاب ابوابها .. كان اكر خلال زحفهما منساقاً تماماً خلف اافكاره وخيالاته ولاترى عيناه سوي بورا .. فهو الآن ولأول مرة يسير على يقين ويمضي في الطريق الصحيح .. فيمضي بعيداً عن صاحبه دون أن يحس بإبتعاده عنه ولما يعود من شروده قليلا يجد انه قد سار بعيدا عن صاحبه.. يرى ان المسافة التي قدرها الشيخ يمكن ان تقل الى النصف اذا ماحثا السير .. فلما لايفعلان ذلك .. وياتي في ذهنه فجأة من خلف تلك الأعوام الطوال حديث أبيه .. العم سايس (على رسلك يابني فإن من يسلك الطريق الصحيح سوف يصل في النهاية الى وجهته مهما بعد الطريق) .. نعم فلما التعجل وهاهما يتبعان الطريق الذي لاريب في صحته؟



    ( 34 )

    انقضى اليوم الأول وقد اجتازا خلاله مسافة اطول من تلك التي قدرها ذلك الشيخ واخذا طريقهما صوب الشمال و مرا بكثير من المعالم التي وصفها الشيخ من تلال رملية واراض يكثر بها الحصى ذاخرة بالعقارب والحيات وجعلهما ذلك يطمئنان انهما يسلكان الطريق الصحيح.
    في عصر اليوم الثاني كانا على مقربة من القرية التي يأخذهما الطريق بعدها الى بلدة كرار الزير .. وضحت لهما معالمها ووصل مسامعهما نباح كلابها ونهيق حميرها .. ولما كانا قد سارا طويلا فقد دلفا الى شجرة ينعمان تحتها بقسط من الراحة ويتناولان شيئا من ما معهما من طعام وبينما هما كذلك سمعا حركة على مقربة من مكان جلوسهما فزحفا نحو مجموعة شجيرات صغيرة ليختبئا خلفها مخافة ان يكون القادم من اولئك الذين لايترددون في النيل من مثلهما .. وجلسا يرقبان مصدر الحركة ليتبينا الأمر ولدهشتهما فقد كان السائر شاباً من دمهما بدأ اصغر سنا منهما .. في مقتبل العمر .. كادا لا يصدقان اعينهما ولكن الحقيقة بدأت واضحة امامهما .. ملامحه ذات ملامحمها .. لم يحس بوجودهما ..متخذاً طريقه صوب تلك القرية.. ورغم الحذر المعهود الا ان اكر لم يتردد في مناداته بلسان اهل التلال فالتفت الرجل الى مصدر النداء مندهشاً اذ لم يكن يتوقع وجود احد في ذلك المكان في تلك الساعة فاذا به يرى اثنان من ابناء جلدته واتسع نطاق دهشته الى مدى اكبر .. فأقبل نحوهما في بشاشة واضحة وعانقهما في حرارة ثم جلس جميعهم يتحادثون .. اسمه (تيا) وكان آتياً من مهمة انجزها لسيده في قرية اخرى .. علما منه انه قد جئ به الى هذه الديار وهو صبي يافع .. ذكرياته عن ماضيه ضعيفة فقد تبدد معظمها مع مرور السنوات الا انه مازال يحتفظ بشئ من لسان قومه .. كان ينظر في شئ من التركيز الى اكر ثم يعود بعد ذلك ينظر بعيداً كمن يحاول استحضار شيء في ذاكرته الى ان قادهم الحديث الى منحنى معين فأدرك كل من اكر وذلك الشاب انهما قد جاءا في فوج واحد .. كان تيا من اولئك الصبية الذين لقوا من اكر عطفا ومؤازرة لاحد لهما خلال الزحف من التلال الى ان وصلا تلك القرية التي بيع فيها اكر وانفصل عن فوجهم .. ولعل ذلك قد اصلح من ذاكرة تيا فعاد واكر يتذاكران اموراً ومواقف شتى .. سأل أكر ويامو عن وجهتهما فذكرا له القرية التي يقصدانها وقالا له ماقالاه لذلك الشيخ .. أي انهما مبعوثان من قبل سيدهما لانجاز مهمة تخصه هنالك واطمئنا الى انهما يسلكان الطريق الصحيح ..قال لهما بأن البلدة غير بعيدة من هنا .. تماما مثل ما أخبرهما الشيخ فهي على بعد سويعات .. اذا ماتحركا الساعة فسوف يصلانها عشاءاً .. عرفا من تيا ان بلدة كرار الزير هي مجمع للقرى وان اهل القرى يذهبون اليها مرة في الأسبوع للتسوق حيث يقام السوق في كل يوم جمعة .. وقد ذهب هو بنفسه لمرات عديدة في رفقة سيده .. سأله اكر ان كان يعرف فيها احداً من رفاق الأسر فأجاب بأنه لم يقابل أحداً ولكنه رأى فيها بعضاً من ابناء التلال مع سادتهم في ذلك السوق غير انه لايستطيع الجزم ان كانوا من قاطني البلدة نفسها ام انهم جاءوا اليها من القرى المجاورة وكان يامو قد ادرك مايرمي اليه رفيقه فسأله ما اذا هنالك بعض من فتيات التلال في قريته هذه ام في القرى المجاورة فأخبره بأن في قريته فتاة واحدة مملوكة لسيده ذكر لهما اسمها أما في القرية التي يقصدانها فهو يعرف واحدة اسمها (بوتا) مملوكة لشقيق سيده الذي يقطن القرية المقصودة فقد ذهب الي هنالك عدة مرات وتعرف عليها منذ زمن .. ذكر لهما اسم قريتها وشيئا مما روته عن نفسها فوفر عليهما بذلك مزيداً من الأسئلة اذ حسب كل منهما للحظة ان تلك قد تكون بورا .. عرفا من تيا اسم شقيق سيده وحفظا ذلك عن ظهر قلب .. ان لم يجدا من يعينهما في امرهما فستكون تلك المدعوة بوتا هي من يقصدانها في ذلك الشأن .. وتبين لهما من خلال حديثهما مع تيا انه غير مرتبط بماضيه مثل ارتباطهما ولم يبد حماساً يشعرهما بالإطمئنان اليه فيكونان معه اكثر وضوحاً لذلك فقد لزما الحذر ولم يخوضا معه في الحديث الى اكثر من الحد الذي وصلاه ولكن اكر وجد له العذر فقد كان ذلك الشاب في سن غضة حين جئ به الى هذه الديار .. لم يكن عمره انذاك اكثر من ستة او سبعة اعوام .. ترعرع مع هؤلاء القوم وعاش بينهم اكثر مما عاش في بيئته السابقة فالذي يعرفه عنهم اكثر من الذي يعرفه عن قومه فلا غرابة في ان يكون ارتباطه بالماضي ضعيفاً لأنه يجهل الكثير عن ذك الماضي .. بقي تيا في صحبتهما الى مابعد غروب الشمس ثم إستأذنهما منصرفا.. ظلا في مكانهما ذلك الى وقت متأخر من الليل وكن قصدهما في ذلك ان يأوي أهل القرية الى مضاجعهم فيكون سيرهما اكثر امنا ويأمنان الا يعترض طريقهما احد .. كان شعور أكر في هذه المرحلة يختلف تماماً عما كان في المراحل السابقة اذ بات الآن على يقين من أنه يسير نحو بورا .. تلك التي سار من اجلها عقداً كاملا من الزمان .. ماهي الا سويعات قلائل فيطأ االثري الذي سارت عليه ويستنشق ذات الهواء الذي تستنشقه .. كان يراوده احساس بأن مايعيشه الآن ماهو الا حلم .. أتقرر هذه السويعات القليلة مالم تقرره الأعوام الطوال فيلقي بورا .. كيف حالها الآن ياترى من بعد هذه الغيبة وكيف تبدو؟ ان اصابها ذبول فما ذلك الا كحال نبته انقطع الماء عنها اما وقد عادت المياه الى مجراها فسوف تعود لتلك النبتة نضارتها فتعود زاهية مخضرة .. انه منذ الساعة يشعر بنبضات قلبه تدق مثل طبول الأكواخ .. ويحس برعشة تسري في كافة اعضاء جسده .. يحس وكأن قدميه قد اصابهما حران اذ عادت ثقيلة متباطئة .. رحماك اللهم ان يتوقف ذلك القلب الذي حمل فوق حمله الكثير .. كان يسير صامتا لايتحدث الا مع تصاوير خياله .. تغمر الفرحة الممزوجة بالخوف والرهبة مشاعره فتحمل شفتاه ابتسامة ما تلبث أن تختفي حين يراوده هاجس غريب .. ذلك ان بورا غير موجودة في القرية التي يسير الساعة نحوها .. ربما فرت هي الأخرى بحثا عنه فيظل كل منهما يسير في أثر الآخر فلا يلتقيا الى ان تقوم الساعة .. لكنه سرعان ما يطرد ذلك الهاجس ويتمسك بالامل القوي الذي كان زاده خلال ما مر من السنوات .. وانقضت السويعات التي كانت أهم وأعظم بل وأطول من جميع مامضى من عمر أكر .. الآن تبدأ حياته فما ان يلج البلدة ويرى بورا حتى يصبح للحياة معنى آخر ورؤية اخرى .. هذه هي الساعة التي كان ينتظر مقدمها ويعمل لها جاهداً .. انفق من عمره الكثير في سبيلها .. عادت تلك الرجفة الى اطرافه وتسارعت نبضات قلبه وسيطرت العلة المؤقتة على لسانه .. يجرجر خطواته التي باتت اكثر عنادا.. هاهما يسمعان الساعة نباح كلاب القرية وصياح ديوكها فلم يعد يفصلهما سوى خطوات لايحسب لها حساب .. كان شغلهما الشاغل في تلك اللحظات هي الكيفية التي تمكنهما من دخول البلدة في سلام .. جلسا في مكان مستتر بين تلين في انتظار بزوغ الفجر يقلبان الرأي حول مسألة الدخول .. كان رأي يامو ان يظلا في مكانهما هذا الى ان يأتي يوم السوق فيدخلان في زمرة الداخلين دون ان يلحظ احد ذلك فهنالك قد يجدان من يدلهما الى مكان بورا او حتى مكان تلك المرأة بوتا التي وصفها لهما تيا .. ولكن كان مابين يوم السوق ويومهما هذا اربعة ايام فأنّى لاكر بتحمل ذلك ثم كيف يضمنان الا يمر بهم خلال هذه المدة من يرتاب في أمرهما فيقعان في مالا يريدان الوقوع فيه .. استبعد اكر هذه الفكرة وتواترت افكار عديدة لكنها كانت في معظمها غير مأمونة الجوانب .. الي ان خطرت في ذهن اكر فكرة لم يكن هنالك بد من قبولها برغم تفاهتها وغرابة اسلوبها .. فقد رأى ان يبقى يامو في هذا المكان المستتر بينما يذهب هو فيدخل القرية في هيئة سائل فيطوف ببيوتها الى ان يهتدي الى دار كرار الزير وان تعذر ذلك فالدار التي توجد بها تلك المسماة بوتا فبهذه الطريقة لن يعترض احد طريقه ولن يرتاب أي من الناس في أمره .. واذا ماوجد بورا فسوف يضع في يدها تميمته فلا تلبث ان تعرف من هو .. سيصف لها مكانهما هذا وما ان تأتي اليهما حتى يشرع ثلاثتهم في طريق العودة بأقصى سرعة ممكنة .. فليس هنالك وقت لغير ذلك .. ومضى اكر نحو القرية مع طلوع الشمس يتوكأ على عصا طويلة في هيئة شحاذ أعرج يحمل مخلاة وابريق ماء .. استطاع ان يتغلب على كل ماكان يخالج مشاعره من اضطراب وحمل محل ذلك تفاؤلا كبيراً واصراراً قوياً .. خطرت في ذهنه فجأة وهو يعرج نحو بيوت القرية فكرة قديمة بل هو عهد قديم .. الا وهي مسألة الانتقام .. لقد اقسم يوما امام الاشهاد بأنه سوف ينتقم شر انتقام ممن كان سبب هذا الشقاء الذي هو فيه وهذه المعاناة التي استنزفت السنوات الطوال ... .. فما عساه الآن ان يفعل !! ان لم يكن انتقامه اليوم فلن يجد فرصة اخرى يبر فيها بقسمه .. لايعرف لماذا واتته هذه الفكرة الآن و في هذا الوقت العصيب ! ان مهمة العثور على بورا ومهمة تخليصها أمران في غاية الصعوبة فكيف يضيف اليها عبئا آخر أكبر منهما وأشد .. يقف الآن امام معادلة صعبة أحد اطرافها انجاز مهمته وطرفها الآخر قسمه .. ألا تكون عدالة السماء قد حملت هذا العبء عنه فيكون ذلك الظالم قد ارتحل عن الدنيا .. الوقت ضيق جدا وينبغي ان يستفيد من كل لحظة تمر .. فكان وهو في تلك الحال ينسى دوره الذي فرضه على نفسه فيمشي سويا وينسى عرجه المتصنع فيعود ثانية يواصل تمثيل ذلك الدور الى ان وصل اخيراً الى قرار في هذا الشأن الا وهو ان يترك مسألة الانتقام في ذمة السماء.. في تلك اللحظات كان أكر قد دخل البلدة ومضى يعرج ويحاول اجادة دوره المرسوم .. كان اول مستقبل له فوج من كلاب القرية انقضت عليه مكشرة عن انيابها .. حاول استخدام عصاه فلم يزدها ذلك الا شراسة ولولا ان جاء من صدها عنه لفتكت به .. فقد في تلك المعركة ابريقه الفخاري .. رباه لاتجعل خسارته اكبر من ذلك فقد خسر عمراً بحاله في معارك الماضي .. تنفس الصعداء اذ خرج من ذلك الهجوم معافى دون اذى .. وما كاد يدخل احد الازقة حتى رأى بعض الصبية قد قطعوا لهوهم واقبلوا نحوه يتصائحون ويرشقونه بوابل من الحجارة و وهو صامت لايفعل اكثر من ان يحاول اتقاء الحجارة المتطائرة نحوه .. ياويل اكر !! كان اول موكب استقبال له هو ذلك الذي لقيه من كلاب القرية وهاهو الموكب الثاني .. صبية اشد شراسة ولؤماً من تلك الكلاب .. ان وجدت الكلاب من يصدها عنه فمن يصد عنه كيد هؤلاء الأشرار الصغار .. ولكن انى له بمثل هذا وهو قد حل بأرض كرار الزير وقبيله.. هل ينجب الشيطان ملاكاً أم هل ينجب الذئب حملاً وديعاً؟!! ولما احتدم أمر الصبية وانهالت عليه حجارتهم لم يجد بدا ً من دخول اقرب دار في الجوار فما كاد يخطو نحو مدخلها حتى رأى الصبية يتراجعون عنه ويفرون بعيداً وهم يتصايحون.. استغرب سر هذا التراجع من قبلهم .. وتقدم الى ان توسط فناء تلك الدار وهو ينادي على اهلها طالباً جودهم ورحمتهم .. وليته لم يفعل اذ انبرت سيدة الدار صارخة في وجهه فكان نباح الكلاب وشقاوة الصبيان اخف وطئاً مما لاقى منها .. شتمته ولعنته وطرته فخرج عن الدار مثلما يخرج الكلب المتسلل .. لام نفسه على تعهده هذا الدور الحقير .. فكيف يلعب دور طالب رحمة علي خشبة مسرح القسوة والظلم !! .. وابتعد عن تلك الدار يلتمس الطريق الى غيرها وهو لايدري ان هذه الدار التي طرد منها الساعة هي الدار التي يسعى اليها .. دار كرار الزير التي آوت بورا .. كان من قبل قد خطر له ان يسأل صبياً من صبية الحي عن دار كرار الزير الا انه عدل عن ذلك لما عرف طباعهم وخلقهم.. ومضى متنقلا من دار الى دار يجود عليه البعض الى ان وصل دارا وقف عند مدخلها يردد مايردده السائلون .. فبدأت له امراة من بني قومه كما بدت وفي يدها شيئا تقدمه له .. تفرس وجهها ملياً فلم يشك في انها من أهل التلال .. لم تقل شيئا سوى ان افرغت محتويات الإناء الذي كانت تحمله في وعائه .. فشكرها في لغة قومه فاذا بها تلتفت اليه بعد ان همت بالانصراف وابدت مزيداً من العطف نحوه حين طلبت منه البقاء الى حين ان تأتيه بمزيد من الصدقة .. بدا له من سيماء وجهها وطريقة تعاملها انها ذات قلب طيب وانها مازالت تحمل حنينا الى قومها وديار قومها وكان يحاول ان يجد مايدعوها للحديث حتى يعرف منها شيئا مما يتوق لمعرفته فإذا بها تجنبه عناء ذلك لما بادرته بسؤالها عن مكان قريته في التلال .. فكان أثر سؤالها له وهو في ذلك الظرف مثل غمام ممطر ادرك مسافراً في هجير بيداء مقفرة اذ انفجرت شفتاه تكشف عن ابتسامة عريضة وبدأت على وجهه آثار ارتياح ورضا لاحد لهما .. فذكر لها دون تحفظ اسم قريته ومكانها في التلال .. فصاحت في دهشة : "انت اذن من قرية بورا .. أتعرف بورا"!!؟.. كاد اكر ان يهوي على الأرض وهو يسمع محدثته تردد اسم بورا .. وداهمته تلك الرجفة فسيطرت على كل اطرافه وكاد ان ينكشف امره في تلك اللحظة لولا انه قهر ذلك الضعف وتجلد قليلاً : "نعم اعرف بورا وأين هي الأن .. هل هي هنا في هذه البلدة"؟! فأشاحت المرأة بنظرها بعيداً ورددت في أسي: "مسكينة بورا .. لعنة السماء والأرض على من كان سبباً في بلواها" !! .. فعلت هذه العبارة في قلب اكر مايفعله النصل الحاد .. وأحس وكأن غمامة سوداء قد تكتلت امام ناظريه وقال في لهجة اشبه بالصراخ :"ماذا ببورا؟ هل اصابها مكروه "!؟ .. ولعل المرأة قد قرأت ما بدا عليه فقالت تهدي من روعه :" لا .. هي بخير .. الا انها لم تعد كما كانت في كامل وعيها .. لقد تركت هذه البلدة منذ امد ليس بالطويل واصبحت تنتقل بين القرى المجاورة".. ومضى اكر يسأل عن اسباب ذلك لعله يستشف من حديث المرأة حقائق اخرى ربما حاولت التستر عليها .. واستغربت بوتا امر هذا السائل الاعرج .. ماشأنه بكل هذا .. ولماذا أبدا ذلك الغضب الذي رأته عليه حينما علم بحال بورا؟ فاعادت اليه السؤال في لهجة غلفها العطف :"هل حقاً تعرف بورا يا ابن امي"؟ فكانت العبارة التي ذيلت بها سؤالها مثل سحر ناجز (ابن امي).. منذ متى لم يسمع مثل هذه الكلمات الرقيقة المليئة بالحنان .. كأنه في تلك اللحظات قد عاد للوراء خمسة عشر عاماً أو اكثر .. اعاد اليه ذلك نوعاً من الإطمئنان تجاه محدثته ولم يعد يبدي تحفظاً فأجابها دون تحفظ : "لن تجدي في هذه الدنيا بأسرها احدا يعرف بورا مثلما اعرفها.. لا بد انك بوتا التي قيل لي عنها"!! .. ودهشت المرأة وهي تسمع اسمها يتردد على لسان هذا الغريب.. ذكر لها اسمه صراحة واخبرها وهو يضع ذلك الحذر جانباً انه ليس بسائل وانما جاء في أثر بورا .. فجعلت تطالع وجهه طويلا كأنها تقارن بين صورة موجودة في ذهنها وبين الصورة الماثلة الآن امامها وقالت له انها تكاد تعرفه من خلال ماروته عنه بورا.. حكت له عن كل ماقاسته خلال وجودها في دار كرار الزير الى ان رحلت عنها .. وذكرت له اسماء القرى التي تتردد الآن بينها .. ثلاثة قرى لا أكثر وجميعها متجاورة ان لم يجدها في الأولى فهي في الثانية وان لم يجدها في الثانية فهي حتماً في الثالثة .. مازالت تسأل عنها كل من يغشى اي من تلك القرى .. قضى اكر مع تلك المرأة بوتا نحو ساعة من الزمان روت له فيها على عجل كل ما يريد معرفته من امر بورا وساعدهما في ذلك انه في تلك الساعة لم يكن في الدار الا سيدتها وهي امرأة عاجزة .. مضى أكر وقد آلمه ماعرفه عن بورا ومدى ماعانته من جور اسيادها .. أحس برغبة قوية في الانتقام منهم الا انه سرعان ماطرد عنه الفكرة .. فامامه الآن مهمة العثور على بورا فاذا ماعثر عليها تدبر امر الخطوة التالية ..شكر بوتا على ما أسدته له من عون فودعها ومضى في عرجه وعلى هيئته التي دخل بها القرية .. وبوتا واقفة على مدخل الدار ترقبه فسمعها تلعن مرة اخرة من تسبب في شقاء بورا فالتفت اليها فرآها تنظر بعيداً وهي تعيد ترديد ذلك مراراً .. فإستوقفته وقد تغير وجهها وظهرت عليه امارات غضب جامح وسورة عارمة :" الا ترى ذلك الرجل علي الحمار الأبيض .. انه كرار الزير .. ذلك الوحش الذي كان سبب شقائنا جميعاً .. فهذه ساعة ذهابه الى حانات الخمور"!! .. فار الدم فجأة في عروق اكر وصمت للحظات وهو يصب نظرات ملتهبة الى حيث اشارت بوتا .. تجمعت جيوش غضبه في نقطة واحدة ورأى في تلك اللحظة بورا وهي تصرخ مستغيثة في الحقول ورآها وهي راسفة في القيود ورآها وهي تصارع هذا الجبار وهو يهتك طهرها ويغتصب شرفها ورآها وهي في بيته خادمة ذليلة ورآها وهي تكوى بالنار على خديها المتوهجين ورآها وهي هائمة على وجهها بين القرى وقد غاب دليلها .. وتحسس ذراعه الأيسر فاذا مديته نائمة في غمدها فربت عليها لمرتين .. وهو يناجيها في سره : "هذه ساعتك ويومك المنشود .. فان تخليت عني اليوم فليس لك مكان في ذراعي من بعد " !! .. وانصرف عن بوتا دون ان يقول شيئا وهو يعرج و يردد مايردده السائلون .

  31. #31
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 35 )
    خرج أكر من ازقة القرية مسرعاً في ذات الإتجاه الذي سلكه كرار الزير ووقف يرقبه حتى تأكد من الدرب الذي سلكه ثم لم يلبث ان اتخذ طريقاً يخرجه من القرية دون ان يلتقي بذلك الذي سار فيه خصمه وما إن ابتعد عن القرية واصبح في مأمن من ان يُرى حتى تخلى عن عرجه واطلق عنان ساقيه وقد غير طريقه باتباع آخر يقوده الى حيث يسير خصمه .. ولما كان كرار الزير يسير بحماره على مهل فلم يستغرق اكر طويلا من الوقت حتى ادركه دون ان يحس به الشيخ الماجن .. ومضى اكر يتعداه حتى وصل الى منحنى في الطريق تحف بجانبيه أشجار فقبع بينها واستل خنجره ثم نظر اليه مليا وماهي الا لحظات معدودة حتى ظهر كرار الزير يمشي الهوينا على حماره .. طالع اكر ذلك الوجه الذي طالما مقته دون ان يراه .. رأى القسوة والفظاظة مكتوبتان بوضوح على قسماته حتى طغتا على معالم الوقار.. احس بشئ من الشفقة اذ رأى شيخاً سارت على وجهه قافلة الزمان طويلاً .. بدأ في سن ابيه العم سايس يوم ان فارقه .. فارتخت يمناه قليلا واحس بها تبدي شيئا من الحران او مايشبه الخزلان الا انه رأى دلدوم يظهر فجأة وهو الذي كان في سن هذا الشيخ .. فيقذفه الوغد بذلك السهم الناري حتى يستقر في صدره فيقع مضرجاً في دمائه .. ورأى تورو يسير في قلب ماسآته بقدم عرجاء وعين واحدة .. وسمع صراخ بورا تتوسل اليه الا يهتك شرفها .. وتعالى صراخ اهل الاكواخ يكاد يصم اذنيه .. "أين قسمك يا أكر .. اين شرف اهلك جميعاً .. اين دماء الأبرياء؟".. فقفذ من بين الشجيرات مندفعا كالنمر وصرخ صرخة اطفأت ناراً ظلت تستعر بين اضلعه منذ امد طويل وقفز عالياً ثم انقض بعدها على صدر الشيخ الوغد يغمد خنجره في اعلاه ثم يهبط به الى أن نزل به الي مابعد سرته .. وبينما سقط الشيخ سابحاً في دمائه مضى حماره يواصل السير في طريقه المعهود الى حيث حانات الخمور .. وقف اكر يتأمل جثة هذا الميت الذي فجع من الأكباد ما لا يحصى وهتك من الأعراض مالا ينسى ونظراته تقول للميت كيف وجدت الموت يارسول الموت؟!! .
    احس اكر وهو يسير نحو المخبأ الذي ينتظره فيه يامو بخفة لم يشعر بمثلها الا عقب خروجه ظافراً من حلبة المصارعة في ايام اعياد الحصاد .. أحس بعودته الى ايام شبابه الغض واحس بخمود ذلك البركان الذي ظل يغلي في اعماقه منذ امد بعيد .. لقد اخذ اليوم بثأر جميع الأبرياء الذين اهدر ارواحهم كرار الزير وبثأر جميع الضحايا الذين استباح شرفهم .. خطر له ان يرجع الى مكان الجثة والتبول على وجه صاحبها ولما كان ذلك ليس من شيم الأقوياء فقد عاف الفكرة ومضى علي عجل ليلحق برفيق دربه ليبدآن فوراً المرحلة التالية فالوقت أصبح يسير في غير مصلحتهما.
    لم يفطن اكر الى انه قد نسي مديته في جسد عدوه وبجانبها مخلاته الا بعد ان اصبح على بضع خطوات من المكان الذي ترك فيه رفيقه .. وهم بالرجوع لإحضارهما ولكنه خشي ان يساور القلق صاحبه فقد غاب عنه طويلاً والمسافة بين مكان الجثة ومكانهما هذا ليست بالقصيرة .. فلتذهب المدية ولتذهب المخلاة فلدى يامو مثلهما .. ولكن لم يكن يامو في ذلك المكان .. بحث اكر عنه هنا وهنالك ونادى عليه في صيحات متفق عليها فلم يجد غير الصدى مجيباً فجلس تقتله الحيرة يقلب افكاره هنا وهناك .. ان كان يامو قد دخل القرية فان مصيبته ستكون كبيرة .. لن يجد من يعينه في سعيه وسيظل يدور في ازقتها الى ان يكتشف امر الجثة وفي احشائها المدية وبجوارها المخلاة ولن يجد اهل البلدة امامهم سوى ذلك المسكين يامو .. فماذا لو حدث مثل ذلك وفقد رفيقه ؟!! .. كيف يكون الأمر اذا ما اصبح ذلك حقيقة وضاع عنه رفيق دربه وسنده الذي ظل في مؤازرته عمراً بحاله .. رباه ماعساه ان يفعل الساعة .. كلما ظن انه قد امسك بأمله يأتيه مالم يكن في حسبانه فتختل موازين الأمور جميعها .. انساه ذلك الموقف نشوة الثأر .. هم بدخول القرية ثانية للبحث عن صاحبه الا انه تراجع عن ذلك على ظنٍ ان يكون صاحبه قد ذهب الى مكان قريب وربما كان الآن عائداً الى مكانهما هذا .. فليصبر الى حين ان تغرب الشمس فان لم يأت صاحبه حتى تلك الساعة فلن يكون امامه الا ان يدخل البلدة تحت جنح الظلام.
    في تلك اللحظات كان يامو يطوف في ازقة القرية دون ان يستدل الى مكان صاحبه وكان قد دخلها في هيئة شحاذ ايضاً ليبحث عن اكر حينما طال غيابه .. اذ قد ظن ان صاحبه لم يفلح في الوصول الى الدار التي يقصدها فخشي عليه ان يقع فريسة عناده لذا فقد ترك ذلك المكان وقصد البلدة ليأخذ بيد رفيقه قبل أن يناله سوء.
    كان جثمان كرار الزير ساعتها محمولا على الأكتاف في الطريق الى القرية فقد وصل حماره الى مكانه المعهود دون سيده فارتاب ندماء الشيخ في الأمر ومضوا يتبعون طريقه المعتاد الى ان وجدوا جثته ملقاة على الثرى تسبح في دمائها والمدية في احشائه دون ان تنتزع وبجانبها مخلاة فيها بقايا طعام وقناديل ذره فحملوا الجثة بين نائح ومتوعد .. وما ان شاع خبر مقتل كرار الزير حتى صاحت البلدة بجميع من فيها وعم الصراخ كافة ارجائها .. سمع يامو الصراخ المنبعث من كل بيت ووقف صامتاً في احد الازقة ليستشف الحقيقة .. فسمع اسم كرار الزير يتردد على الالسن واصطنت لحديث امرأة تحادث اخرى لتخبرها بأن الرجل وجد مقتولا في الخلاء .. فادرك سر تأخر اكر وعدم وجوده الساعة هنا .. لاشك في انه قد فعلها !! عليه اذن ان يغادر القرية فورا وباسرع ما يمكن فيلحق بصاحبه ليبتعدان عن مكانهما ذلك .. فأنسل عبر الأزقة في خطوات سريعة تحولت الى مايشبه الركض عندما اوشك على الخروج من البلدة ثم مالبث أن ضاعف سرعته مما حفز كلاب الحي الى المضي في اثره فاثار ذلك انتباه بعض العائدين الى القرية على صراخ اهلها وظنوا ان هذا الذي تطارده الكلاب من تسبب في هذا الصراخ المنبعث من البيوت فانطلقوا في اثره حتى اصبح محاطاً بهم ثم امسكوا به وجروه عائدين به الى ربوع القرية ليروا ما فعله بأهلها.

  32. #32
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    ( 36 )
    جثم يامو في اصفاده يلقي بنظرات زائغة يائسة فيما حوله و نظرات ملتهبة تأتي من كل صوب تكاد ان تحرقه حرقاً .. علم أهل القرية بما خلفه القاتل بجوار جثة شيخهم واجمع معظمهم على انهم رأوا تلك المخلاة مع هذا الشحاذ الأعرج الذي دخل قريتهم هذا الصباح وأن محتوياتها ماهي الا صدقاتهم التي تصدقوا بها عليه .. لم يكن اعرجاً كما بدأ لهم بل كانت تلك حيلته التي مكنته من النيل من زعيمهم.. كانت عينا يامو تطالع وجوه المحيطين به فلم ير فيها الا ما ينبئه بمصيره المحتوم .. الا انه رأى فجأة من بين الوجوه وجهاً انعكست على قسماته نظراته الزائغة المنكسرة .. فكانت نظرات ذلك الوجه مثل نظراته تماماً حزينة مرتعبة .. انه وجه بوتا .. الوجه الوحيد من بين تلك الوجوه الذي اعلن ليامو ان هنالك من هو حزين لمصيره .. صرخ وهو يرى زمرة من الرجال الأشداء الأقوياء يتقدمون نحوه وفي يد كبيرهم حبل ادرك الغاية منه فحسبه القوم انه يصرخ وجلا وخوفاً من مصيره وهم لايدرون ان تلك الصرخات لم تكن الا شفرات مرسلة من ذلك اليائس الى جهة ما .. صرخ يامو في لسان قومه يخاطب بوتا دون النظر اليها .. وصف لها في كلمات معدودة مكان صاحبه اكر وطلب منها ان تذهب اليه الساعة ودون ابطاء فتأمره بالرحيل فوراً والإبتعاد عن حمى هذه البلدة دون أن تروي شيئاً مما يحدث له بل تخبره بأنه سوف يلحق به.
    يالخسارة اكر في خله الوفي يامو !! .. فقد حمل وزر صاحبه مثل ماحمل همومه واحزانه .. وقبل بالموت في سبيل ان يوفر له الحياة .. حتى وهو في آخر لحظات الحياة يبعث بشفرة تجنب صاحبه الوقوع فيما وقع هو فيه .. رحمة السماء عليك ايها البطل الجسور فقل ان تجود الحياة بمثلك !!
    ولما استقرت الشمس في مغيبها تماماً كان جسد يامو معلقاً على شجرة كبيرة في وسط البلدة .. فقد شنق مثلما يشنق الكلب المسعور .. وقبل ذلك كانت بوتا قد تسللت دون ان يلحظها احد واخذت طريقها الى حيث المكان الذي وصف لها .. تعدو على عجل تلتفت الى الوراء من حين الى اخر مخافة ان يراها احد حتي لاح لها من على البعد شبح سائر لم تستطع تمييزه .. فانزوت خلف شجيرات على جانب طريقها ريثما يتخطاها ذلك القادم واذ تمعنته وهو سائر على مقربة منها ألفته اكر .. فخرجت تنادي عليه من بين الشجيرات وقد نالت منه تلك المفاجأة ما نالت فقفز متحفزاً ..أخبرته على عجل ان امر مقتل كرار الزير قد انكشف وقد وجد ماخلفه القاتل بجوار الجثة وان اهل البلدة يمشطون الآن كل حيز وكل شبر بحثاً عن القاتل صاحب تلك المخلفات وطلبت منه ان يرحل اللحظة عن هذا المكان ويقصد اي من القرى التي قد تكون بورا في احداها .. قائلة له ان يامو في عهدتها في مكان آمن وسوف تمكنه من اللحاق به متى اصبح الوضع آمنا .. ولكن اكر انتهرها في حدة :"أتطلبين مني الفرار دون يامو؟ .. كلا فذلك لن يكون ابداً مهما كلف الأمر "!! .. فردت عليه في لهجة اشد حدة من لهجته :"قلت لك ان الوقت ضيق جدا وليس هنالك مجال لمزيد من الكلام فان اردت الموت لصديقك ولنفسك فابقى على ماعزمت عليه ولتكن نهايتنا جميعاً انا وانت ويامو وبورا"!!.. فاذا بقولها يفعل مايفعله السحر في نفسه اذ اذعن للأمر ورضخ .

    كان اكر يتوسط الطريق الذي وصفته له بوتا .. كان طريقاً ملتوياً تكثر به الشجيرات والصخور في حين انه كان هنالك طريق آخر الين عريكة من هذا الذي يسير فيه الآن الا انه يمر على مقربة من بيوت البلدة الواقعة في الأطراف و التي كانت حينها تغلي مثل مرجل على نار حامية.. كان يسير بهمة فاترة وعزم خائر .. يعوزه ذلك الحماس الذي كان طابعه. تلك هي المرة الاولى التي يسير فيها دون رفيقه منذ سنوات طوال .. ولو كان يامو معه اللحظة لكان لهذه المرحلة من الترحال طعم اخر فهو يسير الآن نحو بورا وفي حوزته مهرها الذي لايدفع لسواها .. الا وهو اخذه بثأرها وثأر جميع ضحايا كرار الزير .. ثم يدع وهو في تلك الحال همومه ليحمل هم بورا وهي في لوثتها هل ستعرفه من بعد هذه الأعوام الطوال ياترى وهل يعود اليها وعيها اذ ماتلاقيا؟ .. فيمني نفسه بأن مابها لا أكثر من غمامة حزن وما ان يظهر في حياتها ثانية حتى تنقشع تلك الغمامة فتعود مثلما كانت .. ان كانت امراة سيدها قد عبثت بجمالها فذلك لايضيره في شئ فهو لن يرى فيها سوى بورا معشوقته الابدية وحلمه الدائم فلم يكن قد نظر اليها بعينيه ابداً بل كان يناظرها من خلال روحه وقلبه.. نعم سيعود رشد بورا اليها لحظة ان تقع في احضانه .. وشيئاً فشيئاً يدب في روحه ذلك الأمل القوي وذلك التفاؤل بعيد المدى .. سيجد بورا وستجده فتجد عقلها وتجد حياتها وسيلحق بهما يامو .. ان لم يكن الساعة فالساعة الآتية فيسلكون جميعاً طريق العودة الى ارض الآباء والأجداد فتأخذهم تلك التلال في احضانها مثلما تحتضن اكواخ اهلهم .. كان في بعض الاحيان يخال له ان يامو يسير بجانبه فيهم بالحديث اليه فتخرج عن شفتيه دون ان يشعر كلمة او جملة .. فتعاوده احزانه وهمومه ويعود للتفكير ثانية في مصير يامو فيراه في مواقف صعبة يغمض حيالها عينيه ثم يرى بوتا خلال ذلك وهي تردد تلك العبارة ذات اللهجة الآمرة فيحس بشئ من الإطمئنان ويمضي في طريقه محاولاً التحرر من مثل تلك الهواجس.



    ( 37 )

    كان نباح الكلاب الواصل من على البعد قد انبأ اكر بأنه على مقربة من مكان آهل .. لم يشك في ان تلك هي واحدة من القرى التي تتردد بينها بورا .. فطفق يبحث عن موضع لقضاء ليلته تلك في حيز يعج بصخور كبيرة ناتئة تخلفت فيما بدا عن جبل عملاق سحقته الأزمان فوجد من بينها مخبأ مناسباً .. ولما كان قد لقي خلاله يومه المنصرم من الاجهاد مازاد عن طاقته فقد استسلم الى النوم دون مقاومة تذكر ولم يستيقظ الا عند الفجر .. فنهض عن مرقده ومضى في طريقه دون تردد ودون ان يفكر في كيفية دخول القرية فكان اول من مر به صبي يقود شويهات الى المرعى فالقى عليه التحية وسأله مباشرة ان كان يعرف المكان الذي تتردد عليه امرأة معتوهة وقبل ان يكمل سؤاله بادره الصبي : "أتقصد عجيبة؟" فقال أكر بعد تردد :"نعم نعم .. إنها هي .. أتعرف أين مكانها؟" فقال الصبي وهو يشير الى عشة تجاور قبور القرية التي بدأت على مقربة من حيث يقفا :" لقد كانت هنالك إلا انني لم أرها منذ عدة ايام فربما تكون قد ارتحلت الى القرية الواقعة خلف هذه القرية كعادتها فهي لاتستقر في مكان حتى تنتقل منه الى آخر"ثم اخبر اكر بأنه اذا اراد الوصول اليها عليه ان يقصد مقابر القرى فهي مكانها المفضل ولاتوجد في سواه الا نادراً .. عرج اكر على ذلك المكان الذي زعم الصبي ان بورا أو عجيبة تأوي اليه .. عشة صغيرة من فروع الاشجار تتوسط القبور .. بحث اكر بين جوانبها حثيثا لعله ان يجد مايثبت ان قاطنتها هي بورا وليست امراة سواها فوجد شيئاً كان انفس من أي جوهرة واثمن من كل نفائس الدنيا .. وما ذلك الا أثر لأقدام بورا .. ذلك الأثر الذي لم تستطع الأعوام الطوال محوه من ذاكرته فهو يستطيع تمييزة من بين الآف الأقدام .. خفق قلبه بشدة وهو يجمع ذلك الأثر بعناية فيرفعه ثم يقبله وتفيض عليه مدامعه مليا فيخرج تلك الصرة من بين ثيابه ليضيف اليها حصيلة اخرى .. نعم انها بورا .. وليست عجيبة أو أي امراة اخرى .. أحس بمزيد من قوة الأمل وعادت تلك الإبتسامة تلازم شفتيه .. كان ما تلقاه أكر من ذلك الصبي كافيا بحيث لم يعد في حاجة الى سؤال الآخرين فقد عرف الآن اين يجد ضالته ومضى في ذلك الطريق يحث خطاه لعله يدرك بورا قبل ان ترحل الى مكان آخر .. وماكاد يتوغل في سيره حتى بدأت امامه معالم القرية الاخرى .. خفق قلبه بشدة وسرت في جسده تلك الرعشة التي انتابته مرارا من قبل .. واحس بتثاقل خطواته واضطراب انفاسه واختلاط افكاره .. أحقاً آنت ساعة اللقاء المنتظر؟ أو َ تجمعه اللحظات القليلة القادمة ببورا فتفعل مالم تفعله السنوات الطوال ؟! .. لا لا .. فهذا لا يعقل !! احساسٌ ما يقول له ان ماهو فيه ليس بأكثر من حلم .. ويعاوده ذلك الهاجس .. انه لن يراها .. فهي بعيدة عن هذه القفار فالورود لاتحيا بين الصخور وفي القبور فذلكما منبت الاشواك والحيات وحدهما .. وليس في هذه القرية سوى الصخور والأشواك .. قرية قاحلة جرداء بيوتها كقبورها وقبورها كبيوتها لاشئ فيها يوحي بالحياة .. كأنها منقطعة عن الدنيا وكأن السماء قد نسيتها منذ قرون خلت .. ولكن هذا الأثر الذي يحمله بين طيات ثيابه لايبقى للشك مجالاً .. وهو أثر حديث لم تمر عليه سوى ايام قلائل فان لم يجدها في هذه القرية التي امامه فهي حتماً في القرية الأخرى تماماً مثل ماقال الصبي وما قالته بوتا .. ذلك ان بورا لاتستقر في مكان واحد فهي متنقلة بين القرى .. وانقطعت افكاره وتوقفت وقد بدأت امامه مقابر القرية في ذلك السهل القاحل المجدب .. يالسخرية الأقدار !! أو يبحث المرء عن حياته في ربوع الموت !؟ بدا له وكأن الشمس قد غم عليها فجأة وهو يرى عشة صغيرة تجاور القبور .. ماج في نفسه اضطراب بالغ وارتعشت فرائصه و اصطكت اسنانه ودارت الأرض من حوله على عجل فبسط ذراعيه ليحفظ توازنه ويمنع نفسه من السقوط .. ثم تجلد قليلا محاولا قهر ذلك الضعف وهو يجر قدميه جرا نحو العشة .. ولكن كانت العشة خاوية لا أحد فيها .. وجد اسمالاً بالية معلقة على جانب من جوانب العشة وحصيرة ممزقة قدر ان تكون مرقد بورا فتناولها وهو يضمها الى صدره بقوة ويشتم رائحتها ملياً ثم يقبلها باكيا .. نعم .. لقد وجد فيها أثر محبوبته الذي لا يميزه سواه .. وماكاد يكف عن ذلك الا حينما سمع وقع خطوات تتقدم نحو مدخل الكوخ فاعتدل في وقفته متأهبا وكأن قوة خفية قد اخذت بكلتا يديه .. نعم انها هي .. قادمة الى وكرها لتجد في انتظارها هذه المرة أليفها الذي تاه عنها عبر الأزمان حينما فرقت بينهما تلك السحابة الكثيفة القاتمة .. لقد حانت ساعة اللقاء بإنقشاع تلك السحابة فليحلقا معاً عالياً فوق هامات السحب في رحلة الإياب إلى ارض الأجداد .. وعزفت في قلبه الطبول .. يملأ ازيزها مسمعيه .. يكاد يميز وقعها .. فقد كان مثل تلك التي سمعها يوماً حينما كان عائداً من قرية عمه برفقة ابيه العم سايس .. ساوره شئ من ذلك الهاجس الغريب .. قد لاتكون بورا .. فينهزم ذلك الإحساس البغيض امام ذلك الأمل القوي الذي ظل متمسكاً به تمسك الغريق بقشة .. ومد ذراعيه وباعد بينهما تأهباً لأخذها في أحضانه ليغسل عنها غبار الأحزان بفيض عينيه فتعود بورا المنقوشة على خلايا روحه وكافة جوانحه .. وانفرجت شفتاه تحمل ابتسامة بلهاء لايعرف كيف ارتسمت ومن أي منطلق اتت .. غير انه تسمر فجأة .. تراجعت شفتاه وتلاشت كل تلك الأحاسيس التي سادت مشاعره .. اذ انبرت على مدخل الكوخ سيدة عجوز .. وقفت مستندة على عصاها تطالع وجه هذا الزائر الغريب .. صمتت لبرهة كأنها كانت تقرأ خلالها ماهو مكتوب عليه .. ثم تساءلت في وداعة :"من تكون يابني"!؟ .. فتلعثم أكر وقد حار فيما يقول :"أنا .. أنا شقيق بورا" .. فقالت السيدة في استغراب :"شقيق من"؟! .. اخذته الحيرة مرة اخرى ورجع الى قاموس مفرداته الفقير .. فلم يجد مايعينه ثم استحث ذاكرته لعله ان يجد فيها ذلك الإسم الغريب .. فاخرجته السيدة من ورطته تلك اذ اعادت سؤالها :"هل أنت شقيق عجيبة حقاً يابني"؟! فاعادت اليه كلماتها شيئا من رباطة جأشه وتماسكه فرد عليها ايجابا فقالت بعد حين :"أين كنت يابني من قبل .. لقد كانت رحمة الله أقرب اليها منا جميعاً اذ ادركتها"!! .. عبرت نظراته الحائرة عن عدم فهمه لما رددته العجوز فاستدركت ذلك دون عناء وقالت وهي تخرج من بين طيات ثيابها شيئا تقدمه له وهي تقول : " لقد جئت بعد فوات الاوان يابني اذ سبقتك الى شقيقتك ارادة السماء فإرتحلت عن هذه الدنياء قبل أيام قلائل"!! .. وبسطت كفها تشير الى عدد الأيام ثم لم تلبث ان قدمت له تميمة وهي تقول:"لقد طلبت مني وهي تحتضر ان اعطي هذه القلادة الي من يأتي في إثرها"! .. امسك اكر بالتميمة التي لم تكن سوى تلك التي اهداها اليها في احد اعياد الحصاد وتأملها للحظات وهو صامت مذهول .. ثم ضمها الى صدره وأصدر انّة كتلك التي تصدر عن ليث اخترق قلبه سهم مُسنن ثم عاد صائده ينتزع ذلك السهم بكل قوته وفي جذبة واحدة .. لم تبح شفتاه من بعد ذلك بغيرها ابداً .. وأحس وهو يقف على قبر بورا بذبول الكون من حوله بشموسه وكواكبه وجميع معالمه وتضاءل حجم الأشياء بقربه فرأى الكون بجميع مافيه يتضاءل شيئاً فشيئاً فينطوي حول نفسه ويتكور فينحصر جميعه في ذلك القبر المسجي امامه .. فأصبح ذلك كل عالمه من بعد ومثلما تعهدت تلك العجوز أمر بورا من قبل عادت تتعهد أمره أيضاً لردح من الزمان.


    تمت،،،

  33. #33
    عضو برونزي
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    1,479
    معدل تقييم المستوى
    19

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    روعة
    تسلم ايدك

    التعديل الأخير تم بواسطة زهراء ; 10-11-2009 الساعة 01:29 PM
    اللهم انا نسألك العفو والعافية فى الدين والدنيا والأخرة

  34. #34
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    56
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي رد: حارس القبر... عش غرام في أحضان الثرى

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة arooy مشاهدة المشاركة
    روعة
    تسلم ايدك
    http://www.youtube.com/yazeedalrajhi
    اشكرك كل الشكر اخي الكريم وسعدنا بمرورك ولكم التحايا وأطيب المني

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. عذاب القبر
    بواسطة siraje في المنتدى خطب ودروس
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-05-2009, 02:14 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •