النتائج 1 إلى 7 من 7

  1. #1
    عضو فضي
    الصورة الرمزية محمد غربة
    رقم العضوية : 2703
    العمر: 40
    المشاركات : 2,600
    التقييم : 10 Array
    الدولة : فلسطين
    *
    معدل تقييم المستوى
    32

    افتراضي تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا

    تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا


    جنوب شرق آسيا هي الأقاليم بين شبه القارة الهندية وجنوب الصين، فوصل إليها التجار يحملون الإسلام، ومعظم مسلمي هذه الدول يعانون من الحملات التنصيرية والاضطهاد، ومعظمها عانى من الاحتلال، ففي إندونيسيا ظهرت ممالك مسلمة، منها "بنتام" في جاوة الغربية، و"آتشيه" في شمال سومطرة، فاحتلتها البرتغال وهولندا وبريطانيا واليابان، وبعدها أُعْلِنَ عن قيام حكومة إندونيسية، وهي تعاني من ضعف الإنتاج، وارتفاع نسبة الأمية والبطالة.
    وأسلم "أونج" حاكم بروناي على يد السلطان محمد شاه، واتَّسع نفوذها فشملت جزر صولو والفلبين، ثم فرضت إنجلترا الحماية عليها، ودخلتها اليابان ثم انسحبت منها، واتفق سلطانها مع البريطانيين على الانسحاب على أن تبقى إدارتهم المدنية، ولم تنضم بروناي إلى الاتحاد الماليزي، الذي انتشر فيه الإسلام عن طريق أسلام ملك (مالاقا) فصارت مالاقا دولة إسلامية، فاحتلتها البرتغال ثم هولندا، وتابعوا سياستهم في قتل المسلمين، ثم احتلتها بريطانيا، وقامت ثورات في الملايو، منها ثورة الشيخ الهادي، تلميذ الشيخ محمد عبده، ثم احتلتها اليابان؛ ووقع التخريب حتى هزيمة اليابان، فقام اتحاد الملايو، وحُوِّلَتْ مسئوليات الاتحاد إلى المجلس الشعبي، وفي مؤتمر لندن تقرر استقلال اتحاد الملايو.
    وأما فطاني فبدأ الإسلام يتوسَّع فيها عن طريق مالاقا، ثم احتلتها البرتغال وهولندا، وتايلند، وقام انقلاب في تايلند دعمه الفطانيون، وتغيَّر نظام الحكم إلى ملكي دستوري، وبدأ الحكم العسكري في تايلند، ثم دخلها اليابانيون، فعمل الإنجليز على تنظيم المقاومة، وبدأ كفاح الاستعمار والاضطهاد.
    ودخل الإسلام الصين في أسرة "تانج"، التي عاصرت البعثة النبوية، وانتشر الإسلام فيها عن طريق الفتوحات، وظهر القائد "السيد الأجل" فأصبح حاكمًا، فازدهر الإسلام، ثم سيطرت الأسرة "المانشورية" فاضطهدت المسلمين، واحتفظ الكثير منهم بدينهم خفية، أما تركستان فدخلها الإسلام عن طريق الإيجور "ستاتوك بوجرخان"، الذي اعتنق الإسلام قبل أن يتولَّى العرش، واحتلَّها الصينيون، واتَّبعوا سياسة اضطهاد المسلمين، فقامت الثورات.
    وظهرت إمارة "رجا سليمان" المسلمة في الفلبين، وبدأ ماجلان بنشر النصرانية، فتصدى له حاكم جزيرة ماكتنان، ثم احتلتها إسبانيا، باستثناء منطقة "مورو"، وأجرت اتِّفاقًا مع الولايات المتحدة لتتركها لها، فاستمرَّت الثورات، ثم احتَلَّتها اليابان، وحصلت على الاستقلال، وأصبح الحُكم فيها رئاسيًّا، وطالب النصارى بتطبيق القانون المدني على المسلمين؛ فيُمْكِن لهم أن يتزوَّجوا المسلمات، وبدأت حرب الإبادة.
    أما بورما فلم تكن شواطئها محطَّات للسفن؛ فوصل إليها مسلمو الصين والهند، فنشروا الإسلام، واحتلتها إنجلترا، فتجمَّع غالبية المسلمون في أراكان، حتى أصبحت دولة مسلمة مستقلة، ثم احتلتها إنجلترا فاستقلت عنها، وتم ضمها إلى بورما، فبدأ التطهير العرقي ضدَّ المسلمين، وأصدرت السلطات قرارًا بحظر تأسيس مساجد جديدة.
    أما تشامبيا ومنطقة الهند الصينية، التي تشمل: فيتنام، وكمبوديا، ولاوس، فمعظم شعوبها كانت تَدِين بمعتقدات كالبراهمية، فوصل إليها الإسلام في ساحل مملكة أنام مناسبًا لانتشار الإسلام، ويُطْلَقُ في تشامبيا اسم "هوي هوي" على المسلمين، فدخلت في صراع مع الصين وكمبوديا، وغزتها فيتنام، وكان الفيتناميون يَشُنُّون حرب إبادة ضدَّ المسلمين، فترك معظمهم البلاد إلى كمبوديا، ويُطْلَقُ عليهم "خمير إسلام"، أي الكمبوديون المسلمون، وعانت هذه المناطق من الشيوعية، فوقع المسلمون فريسة للجهل الكبير بدينهم، وغَدَت المساجد لا تُفْتَح إلا يومَ الجمعة، ويقوم الأئمة بالعبادات نيابة عن الشعب، وعمَّ الفقر حتى إنهم لا يجدون ما يُكَفِّنُون به موتاهم، ولا ما يسترهم، ويرفض المسلمون إلحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية خوفًا على عقيدتهم.

    قصة عجيبة لانتشار الإسلام في شرق آسيا جنوب شرق آسيا اسم يطلق الآن بصفة عامَّة على الأقاليم الواقعة بين شبه القارة الهندية وجنوب بلاد الصين، والمحاطة من الشرق ببحر الصين والجزء الجنوبي الغربي من المحيط الهادي، ومن الغرب المحيط الهندي وخليج البنغال، وتضمُّ البلدان التالية: إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وبورما، وفيتنام، وكمبوديا، ولاوس، وتايلند، والصين, وتركستان الشرقية، وبروناي، وهذه المنطقة قد تأثَّرت بالطابع الهندي والصيني؛ لكثرة الهجرات إليها من هذين البلدين، وتأثَّرت بثقافَتَيْهما.

    والحقيقة أن قصة انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا تُعَدُّ من أعظم قصص انتشار الإسلام في العالم؛ فالمسلمون لم يذهبوا إلى هذه المناطق الشاسعة المساحة العظيمة السكان بجيوش فاتحة، ولم يخوضوا مع أهلها حروبًا تُذكر، وإنما ذهبوا إليها كتُّجار يحملون أخلاقَ الإسلام، وهَمَّ الدعوة إلى الله، وذلك بالحسنى والمعاملة الحسنة، فحقَّقوا القاعدة الأصيلة التي تؤكد أن الإسلام إنما يغزو القلوب لا الأراضي أو البُلدان.
    فقد حمل التجار المسلمون بضائعهم، ورحلوا من المشرق الإسلامي إلى تلك البلاد النائية عن طريق البحر، وكان لعرب جنوب الجزيرة العربية اليمنيِّين والعُمَانيِّين النصيب الأوفى في ذلك، فأخذوا يبيعون ويبتاعون، ووجد أهل تلك البلاد النائية فيهم الصدق، وعرَفوا فيهم العفَّة والأمانة، ثم علموا أن هذا كله من أثر العقيدة التي يحملونها؛ فحُبِّب الإسلام إلى نفوسهم؛ الأمر الذي لم يظلوا عليه طويلاً حتى باتوا يَدِينُون بالإسلام، وأصبحوا من أبنائه المخلصين.
    وبين يَدَيْ هذه الصفحات نرى قصة وصول الإسلام إلى دول هذه المنطقة، مع التطرُّق إلى أهمِّ أحداثها التاريخية التي مرَّت بها، وأوضاعها الراهنة؛ فإن سكان هذه البُلدان وإنْ نَأَتْ بهم عَنَّا الديارُ إلا أن رابطة الدِين وميثاق الأخوَّة يجعلهم أقرب إلينا من قِيدِ أُنْمُلَةٍ.

    قصة الإسلام في إندونيسيا
    ونبدأ قصتنا بالدول ذات الأكثرية الإسلامية في هذه المنطقة, ومنها إندونيسيا، كبرى البُلدان الإسلامية، تلك التي أطلق عليها المسعودي اسم "جزر المهراج"، أما باقي الكُتَّاب فكانوا يسمُّونها بأسماء جزرها: سومطرة، جاوة، وهكذا. وقيل: إن اسمها يتكون من مقطعين؛ وهما: "إندو" ومعناها: الهند، و"نيسيا" ومعناها الجزر. وهذا ما كانت تُشير إليه كتابات الكُتَّاب والجغرافيين دائمًا بتسميتها بجزر الهند الشرقية، كما أنها تُسمَّى أحيانًا باسم الأرض الخضراء، ومنذ القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي أصبحت تُعْرَف باسم إندونيسيا.
    وتُعَدُّ إندونيسيا جزءًا من أرخبيل الملايو في جنوب شرق آسيا، كما أنها الدولة التي تضمُّ أكبر مجموعة جزر في العالم؛ إذ يبلغ عددها حوالي 17508 جزيرة، المسكون منها حوالي 600 جزيرة، ومنها جزيرة جاوة التي تُعَدُّ من أكثر مناطق العالم ازدحامًا بالسكان، وقد تناقصت نسبة المسلمين فيها من 97% إلى 85%.
    ومن العسير تحديد تاريخ بَدْءِ دخول الإسلام إندونيسيا، وفي ذلك تقول المراجع: إن تجار المسلمين أنشئوا لأنفسهم مراكز تِجاريَّة على سواحل سومطرة وشبه جزيرة الملايو من وقت مبكِّر، ربما من أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريَّين، الثامن والتاسع الميلاديَّين، وقد أتى أوائل التجار من جزيرة العرب من: عُمَان، وحضرموت، والساحل الجنوبي لليمن، واتخذوا مراكزهم الأُولَى على الشاطئ الغربي لسومطرة، وكانوا يسمونها سمدرة، وكانوا أهلَ سُنَّةٍ على المَذْهَب الشَّافِعِيِّ، أمَّا الهنود فقد دخلوا الجُزُر بالمَذْهَب الحَنَفِيِّ، وبعد ذلك وَصَل إلى هذه الجزر تُجَّار المسلمين من الهنود ومن شبه جزيرة الكَجَرَات.
    كما تروي بعض كتب التاريخ أن بعض التجار الإندونيسيِّين قد وصلوا إلى بغداد أيَّام الخليفة العباسي هارون الرشيد، وعندما قَفَلوا راجعين كانوا يحملون بين جوانحهم عقيدة الإسلام، وعندما وَصَلُوا إلى بلادهم قاموا بدعوة واسعة النطاق لها.
    وفي أوائل القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي بدأ الدِّينُ الإسلامي ينتشر بسرعة في أطراف الدولة، وأخذت السلاطين والقبائل المسلمة تُقَاوِم السلطة البوذيَّة في "جاوة"، وكان من أهمِّ تلك السلاطين المسلمة سلاطين "آشِنْ" في أقصى الشمال من جزيرة "سومطرة"، وسلاطين "مَلاكَا" في غربي شبه جزيرة "ملايا"، الذين أسَّسُوا تجارة مستقلَّة عن الدولة مع التُّجَّار المسلمين العرب والفرس والصينيين والهنود، وقد أسلم هؤلاء نتيجة احتكاكهم مع المسلمين العرب والفرس.
    جاوه مركز إشعاع إسلامي
    وقد كان لانتشار الإسلام أثره العميق في قيام ممالك إندونيسية متعددة في تلك الجزر، مثل مملكة "بنتام" التي أسَّسها الملك حسن الدين في جاوة الغربية، ومملكة "متارام" التي أقامها رجل عسكري يُدعى "سنافاني" في شرق جاوة؛ وبذلك أصبحت جزيرة جاوة مركز إشعاع للدِّينِ الإسلامي، وانتقل منها إلى غيرها من الجزر، وكان هناك أيضًا مملكة "آتشيه" في شمال سومطرة، ومملكة "ديماك" في وَسَط جاوة، والتي أقامها رمضان فاطمي عام 832هـ، وكذلك مملكة "بالمبانغ" في جنوب سومطرة.
    وهكذا نرى أن الإسلام في مسيرته في جزر إندونيسيا قد قفز من مجموعة من الجُزُر إلى أخرى بسلام وبدون أي حرب، وفي هذا الجزء من العالم تقوم الآن جمهورية إندونيسيا، وهي أكبر بلد إسلامي على الأرض.

    الاحتلال البرتغالي لإندونيسيا
    الحقيقة أن جزر إندونيسيا تتمتَّع بموقع ممتاز وأهمية خاصَّة، وبموارد أَوَّلِيَّة ضخمة، وهو ما أطمع فيها الاستعمار بكل أصنافه؛ البرتغالي، والهولندي، والإنجليزي، والإسباني، والأمريكي؛ ففي الوقت الذي بدأ المسلمون يُثَبِّتُون أقدامهم في إندونيسيا كانت مخالب الأوروبيِّين من جهة ثانية تَنْشَب فيها لتَجِدَ لها مركزًا ثابتًا مستَقِرًّا في هذه المنطقة؛ وذلك لحقدهم الصليبي الذي حمل المظهر الاقتصادي بحاجتهم إلى التوابل المرتفعة الثمن في أوروبا.
    وقد كانت البرتغال أُولَى الدول التي احتلَّت إندونيسيا، وقد نَشِبَتْ معاركُ شديدة بين الإندونيسيِّين من ناحية والبرتغاليِّين من ناحية أخرى، واتَّخذت تلك الحرب شكل الحروب الصليبية، وذلك نظرًا لقرب عهد البرتغاليين بمحاربة المسلمين والقضاء عليهم في الأندلس، ولقد كان من أهمِّ الدوافع التي حثَّت البرتغاليين على القيام بالحركة الكَشْفِيَّة – على رأيهم - هو ضَرْبُ اقتصاديَّات المسلمين، والسيطرة على تجارتهم، ومحاولةُ نَشْرِ النصرانية بالتعاون مع الأحباش، ولحقدهم على الإسلام استخدموا كافَّة وسائل الإرهاب والقمع الوحشي ضدَّ المسلمين، وقد توالت حملات البرتغاليِّين على هذه البلاد، ونجحوا في اتخاذ أتباعٍ ومؤيِّدين لسياستهم الاستعمارية في تلك البلاد، وكثُر وجود تجار أوروبا في إندونيسيا منذ ذلك الوقت.
    وقد قاوم المسلمون في إندونيسيا الاحتلال البرتغالي، وقاموا بثورات متعدِّدة ضدَّ النصرانية، وخاصَّة بعد أن قُتِل أحد ملوك إندونيسيا غدرًا عام (978هـ= 1570م)، وهو هارون سلطان "ترنات"، والذي كانت سلطته تمتدُّ حتى الفلبين.
    الاحتلال الهولندي لإندونيسيا
    وظلَّ البرتغاليُّون يحتكرون نقل تجارة التوابل إلى أوروبا حتى عام (988هـ= 1580م)؛ حيث استولت إسبانيا على البرتغال، وآلت إليها الأخيرة بكلِّ ما لها من ممتلكات، ونظرًا لتحطُّم أسطول إسبانيا في معركة الأرمادا البحرية مع إنجلترا عام (997هـ= 1588م) لم تستطع أن تحُلَّ محلَّ البرتغاليِّين في إندونيسيا بالتقدُّم لاحتلال إندونيسيا.
    وبعد أن حصلت هولندا على استقلالها لم تَعُدْ تخشى أسطول إسبانيا، وأصبحت تنتقل في تلك البحار دون خوف من مُنَازعٍ قويٍّ، وخرج أوَّل أسطول هولنديٌّ إلى الهند سنة 1590م، وبلغ الجزائر الإندونيسيَّة ثم عاد إلى هولندا، وكان هذا سببًا في تأسيس شركة الهند الشرقيَّة الهولنديَّة 1602م، التي أعلنت في بادئ الأمر أن غرضها ليس إلا التجارة، ولكنها ما لبثت أن أخذت تحتكر الغلاَّت والمنتجات الزراعية، وتمتلك الأراضي مقابل دخل تدفعه الشركة للسلاطين.
    وقد أخذ الهولنديون يبسطون سلطانهم، وأَخَذَ نفوذهم يتغلغل في أنحاء البلاد، ولما اشتدَّ ساعدهم لَجَئُوا إلى فرض سلطانهم بالقوَّة؛ فقاوم السكان المسلمون ذلك الوضع، وتدخَّلت الحكومة الهولندية لمواجهة هذه الثورة العارمة.
    ولم يكن البرتغاليون والهولنديون وحدهم هم الذين حاولوا استعمار إندونيسيا، بل انضمَّت بريطانيا إليهم؛ فأقامت قلعة لها في (بان كولن) على الشاطئ الغربي لسومطرة في سنة 1714م وظلَّت هناك حتى سنة 1825م.
    فسقطت إندونيسيا بذلك تحت حكم الشركة البريطانية للهند الشرقية في الفترة (1811- 1816م) أثناء حرب نابليون التي تَمَكَّن فيها من احتلال هولندا، ولكن بريطانيا وهولندا عقدتا معاهدة في لندن في 13 أغسطس سنة 1814م قَضَتْ بإعادة المستعمرات إلى هولندا عام 1803م، وبذلك استردَّت هولندا الجزر الإندونيسية من بريطانيا.

    الاحتلال الياباني لإندونيسيا
    وظلَّت هولندا وحدها في إندونيسيا منذ مطلع القرن السادس عشر؛ تستنزف خيراتها وتستولي على مُقَدَّرَاتها، وتقف حجر عَثْرَة في سبيل تقدُّمها ورُقِيِّها، حتى احْتَلَّت القوات اليابانية إندونيسيا في مارس 1942م بعد استسلام الجيش الهولندي أمام اليابان.
    ولم يمضِ شهر على الاحتلال الياباني حتى صدر مرسوم بِحَلِّ الأحزاب السياسية جميعها، بل والمنظمات الأخرى، ومنعها من الاستمرار في نشاطها، وقد قام الإندونيسيون بحركات داخل بلادهم ضدَّ هذا الاحتلال، وبعد إلقاء القنبلة الذرية (1364هـ= 1645م) استسلمت اليابان، وبعد يومين فقط أُعْلِنَ عن قيام حكومة إندونيسية برئاسة أحمد سوكانو ونائبه محمد حتا.

    إندونيسيا بين الفقر والتنصير
    أما واقع إندونيسيا اليوم فإنها تعاني مشكلات متعددة، تتمثَّل في ضعف الإنتاج مقارنة بالإمكانات الطبيعية والمساحات الهائلة والأعداد الكبيرة من السكان، وكذلك ارتفاع نسبة الأمية والبطالة، حتى إن إندونيسيا، نتيجة البطالة العالية وازدياد الفقر وانخفاض مستوى المعيشة، صارت في العقود الأخيرة من أكبر المصدِّرين للعمالة البشرية الرخيصة إلى الدول الأخرى، حتى في أبسط الأعمال والمهن.
    وقد أغرى هذا الوضع المُزْرِي الحركات التنصيرية في العالم، فنشطت منذ منتصف القرن العشرين للعمل الحثيث من أجل تنصير إندونيسيا، حيث تمتلك الحركات التنصيرية إمكانيات تفوق ميزانيات كثير من الدول، وقنوات تلفزيونية، وعشرات الصحف والمجلات، وقد بدأت هذه الجهود تؤتي أكلها؛ حيث انخفضت نسبة المسلمين من 97% إلى 85%، فوقعت كثير من المناطق في قبضة التنصيريين، مثل نوسا تنجار الشرقية، التي أصبحت نسبة المسلمين فيها 9.12 %، وهي تتكون من 111 جزيرة أكبرها تيمور، وأغلب السكان فيها صاروا نصارى.

    إمارة بروناي الإسلامية
    أما بروناي، فهي دولة صغيرة لا تَزِيد مساحتها على 5770كم2، وتقع في شمالي جزيرة "بورنيو"، وتحتلُّ شريطها من الساحل الشمالي على شكل قوسين تتداخل بينهما أراضي "ساراواك" من اتحاد ماليزيا، وتبلغ نسبة المسلمين 76%.
    وفي بروناي تأسَّست إمارة إسلامية مبكِّرة؛ فقد سافر حاكمها "أونج ألاك بتاتا" في عام 828هـ إلى مالاقا لزيارة السلطان محمد شاه، وهناك اعتنق الإسلام، كما جاء من البلاد العربية دعاة للإسلام أقبل الناس عليهم، وشجَّعهم أميرهم على ذلك، وهكذا قامت إمارة إسلامية في بروناي، واتَّسع نفوذها فشملت جزر صولو والفلبين.
    وعندما مكَّنت إنجلترا نفوذها في المنطقة اتَّجهت نحو بروناي، واستطاعت تقليص نفوذها، ففي عام (1264هـ= 1848م) عقد سلطان بروناي اتفاقية مع إنجلترا لمقاومة القرصنة وتطوير العَلاقات التِّجاريَّة، إلاَّ أن إنجلترا فرضت الحماية عليها عام (1306هـ= 1888م)، واستمرَّت حتى اجتاحت اليابان المنطقة كلها أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم انسحبت منها قبل مرور أربع سنوات.

    وقد عُرِضَ على بروناي في عام (1383هـ= 1963م) أن تشترك في اتحاد الولايات الماليزية فرفضت وبقيت دولة منفصلة يحكمها "عمر علي" سيفُ الإسلام، وترى ماليزيا ضرورة وجود بروناي ضمن الاتحاد حتى تشمل أراضي الاتحاد ماليزيا شمالي جزيرة بورنيو كلها، ويستفيد الاتحاد من البترول والغاز الطبيعي في بروناي، كما أن انضمام بروناي إلى الاتحاد الماليزي يُجَنِّبُها خطر الابتلاع من دول أخرى أكبر، من المنطقة أو خارجها.
    وفي سنة 1983م اتفق سلطان بروناي "حسن بلقيا معز الدين" مع البريطانيين على الانسحاب من بروناي على أن تبقى الإدارة المدنية البريطانية، ولا يزال سلطان بروناي يرفض الانضمام إلى اتحاد ماليزيا؛ نظرًا لمواردها البترولية الغنية.


    ماليزيا.. قصة كفاح

    أما ماليزيا التي تُعَدُّ من الدول الإسلامية الكبرى في جنوب شرق آسيا من حيث الأغلبية المسلمة, حيث تصل نسبة المسلمين فيها إلى 60% من عدد السكان، فتقع في المحيط الهندي، ويَحُدُّها من الشمال تايلند، ومن الجنوب إندونيسيا.
    وقد وصل الإسلام إلى ماليزيا في القرن السابع الهجري، وإن كنا لا نستطيع أن نُحَدِّد بالضبط السنة التي انتشر فيها؛ وقد كانت روابط شبه الجزيرة الملايو (ماليزيا) متينة مع جزيرة سومطرة المواجهة من ناحية الغرب، والتي وصل إليها الإسلام كذلك؛ لأن أطرافها الشمالية أقرب إلى الغرب، حيث كانت تمخر السفن الإسلامية، وتتحكَّم تلك السفن في طرق المحيط الهندي البحرية، وفي موانئه وقواعده ومراكزه وبحاره، وينتقل المسلمون التجار والدعاة على السواحل يحملون مع بضائعهم العقيدة الإسلامية، التي تتلاءم والفطرة البشرية، وتعطي معاملتهم وسلوكهم وأخلاقهم صفةً تختلف عمَّا يتَّصِف به بقية التجار؛ بل كان كلُّ تصرف ينبع من تلك العقيدة، وكثيرًا ما كان الدعاة يتَّخذون التجارة وسيلة ليتَّصلوا مع السكان، وليدعوهم إلى الإسلام.
    وفي سنة 676هـ أسلم ملك جزيرة (مالاقا) على يَدِ تجار مسلمين قادمين من جدة، وأطلق على نفسه اسم "محمد شاه"، وتبعه شعبه في اعتناق الإسلام، وبذا قامت أوَّل دولة إسلامية تعمل على نشر الإسلام فيمن جاورها من الجُزُر، وفي غضون نصف قرن أصبحت (مالاقا) مركزًا يَشُعُّ الإسلام على المناطق المجاورة، فأسلمت جزيرة (باهانغ) وجنوبي الملايو.
    الاستعمار البرتغالي لمالاقا
    ثم بدأ الاستعمار يحدو صوب ماليزيا حيث وصل البرتغاليون إلى مالاقا عام (915هـ= 1509م) منطلقين من قاعدتهم "غوا" على سواحل الهند الغربية، وقاموا بهجوم على مالاقا، لكنه باء بالفشل، وبعد عامين أعادوا الكَرَّة، وقاموا بهجومهم الثاني، ولكن قبل الهجوم ألقى قائدهم البوركرك خطابًا جاء فيه: "الأمر الأوَّل هو الخدمة الكبرى التي سنُقدِّمها للربِّ عندما نَطْرُد المسلمين من هذه البلاد، ونَارَ هذه الطائفة المحمدية، حتى لا تعود للظهور بعد ذلك أبدًا... وإذا استطعنا الوصول إليها فسيترك المسلمون الهند كلها، إن غالبية المسلمين وربما كلهم يعيشون على تجارة هذه البلاد، ولقد اغتنوا، وأصبحوا أصحاب ثروات ضخمة، و"مالاقا" هي مركزهم الرئيسي، فمنها ينقلون كل عام التوابل والأدوية إلى بلادهم دون أن نستطيع منعهم، فإذا تمكَّنَّا من حرمانهم من هذه السوق القديمة لا يبقى لهم ميناء واحد أو محطة واحدة مناسبة في كل هذه المنطقة ليستمرُّوا في تجارتهم، وأُؤَكِّد لكم أنه إذا استطعنا تخليص مالاقا من أيديهم فستنهار القاهرة، وبعدها مكة نهائيًّا". وبعد أن سقطت المدينة بأيديهم دقَّتْ أجراس الكنائس في روما ابتهاجًا، وعمل البرتغاليون على محاربة المسلمين والكيد لهم بكل وسيلة ملكوها، فقتلوا وفتكوا بأعداد الأهالي.
    الاستعمار الهولندي لمالاقا
    وفي سنة (1051هـ= 1641م) حلَّ الهولنديون محل البرتغاليين، وتابعوا سياستهم في قتل المسلمين وملاحقتهم، وقد اتَّبع الهولنديون نظام الإقراض الرِّبَوِيِّ، فتهيَّأ لهم لذلك انتزاع الأملاك من أيدي مُلاَّكِها في مالاقا وغيرها، ولما قاوم السكان ذلك أُخْمِدَت مقاومتهم بالقوَّة، وبذلك تحطَّم نظام مالاقا الاقتصادي، وذاق أهلها الفَاقَةَ والذِّلَّة، وبدأ أهل الملايو في صراعهم مع هولندا فهاجموا المراكز والمنشآت الهولندية، ولكن هذه المقاومة كانت أقلَّ من قوَّة المستَعْمِر الذي يستعمل أحدث الأسلحة، وعَيَّن الهولنديون حاكمًا على مالاقا تابعًا للحاكم العامِّ في جاكرتا بإندونيسيا.
    ونتيجة التنافس بين الصليبيِّين والاتفاقات التي حدثت بينهم لتوزيع مناطق النفوذ أصبحت المنطقة ضمن نفوذ بريطانيا منذ عام (1201هـ= 1786م)، واستأجرت شركة الهند الشرقية البريطانية جزيرة (بينانغ) من سلطان (قدح)، ومع دخول الإنجليز اتَّجهت أعداد من الصينيين والهنود نحو ماليزيا للعمل، وفتحت بريطانيا لهم الطريق، وسهَّلت لهم القدوم للعمل على تقليل نسبة المسلمين.
    الاستعمار الإنجليزي للملايو
    وفي سنة 1824م عُقِدَت معاهدةُ تسويةٍ بين إنجلترا وهولندا، تسلَّمت إنجلترا بموجبها مستعمرات هولندا في الملايو، وسلَّمت إنجلترا إلى هولندا مستعمراتها في جاوة وجميع جزر إندونيسيا، وركَّزت بريطانيا نشاطها البحري والتجاري في سنغافورة، ثم استولت بريطانيا على الجزء الشمالي لجزيرة (بورنيو)، وقسمته إلى ثلاثة أقسام هي: سراواك، صباح، بدني، وهذه المناطق أصبحت مراكز تِجارية وعسكرية مُهِمَّة لبريطانيا، وتَكَوَّنَ منها فيما بَعْدُ الجزء الشرقي من ماليزيا.
    وقامت ثورات في كثير من الأماكن في الملايو ضدَّ الإنجليز، وكانت هذه الثورات إنذارًا لبريطانيا، وانضمَّ بعض سلاطين الملايو إلى الشعب في هذه الثورات، ولم يَنْعَم الإنجليز بالاستقرار، وقد شهد مطلع القرن العشرين ثورة عارمة قام بها المجاهد المعروف بالشيخ الهادي، والذي كان قد تتلمذ بمصر على يد الشيخ محمد عبده، وعند عودته إلى الملايو أصدر مجلة سُمِّيَت مجلة الإمام تيمُّنًا بالإمام محمد عبده، وكان لها أثر كبير في ربط حركات الاستقلال بالملايو بالنهضة الإسلامية في الشرق العربي، وكانت هذه الحركات الجهاديَّة التي أتعبت المحتلِّين من الإنجليز ممهِّدة لزحف اليابان على الملايو في بداية الحرب العالمية الثانية.
    "الإنجليز واليابانيون" وتخريب أرض الملايو
    فقد كانت "بورمنيو"، وشبه جزيرة الملايو من بين ما احتلته اليابان في جنوب شرق آسيا، وذلك سنة (1360هـ= 1941م)، وقد وُضِعَت البلاد تحت الإدارة العسكرية اليابانية، وتمَّ تعيين رؤساء يابانيين لمختلَف دوائر الدولة، غير أن مهمَّتهم كانت الإشراف فقط، بينما كان الموظَّفون الملايويون يقومون بأعمال الإدارة المحلية الفعلية، مما أكسبهم المهارة والثقة بالنفس والتي كانوا قد فقدوها خلال الاحتلال البريطاني.
    وكان الاستعمار الياباني أقسى وأعنف من الاستعمار الإنجليزي؛ فقد أساء اليابانيون معاملة الأهالي، رغم ما رفعوه من شعارات برَّاقة، وحاولوا فرض لُغتهم على الأماكن التي احتلُّوها، ووقع الشعب الماليزي تحت وَطْأَة التخريب المتبادَل بين القوات البريطانية والقوات اليابانية؛ لأن الإنجليز حاولوا تخريب البلاد قبل الاستسلام؛ فهدموا كثيرًا من الكباري، ودمَّروا المباني، وأتلفوا ما تركوه من أسلحة، ولم يكتفوا بذلك؛ وإنما أتلفوا مزارع المطَّاط والأرز، وأحرقوا كَمِّيَّات هائلة من البترول.
    وبعد انتهاء الحرب العالمية وهزيمة اليابان مع دول المحور، اضطرَّت اليابان للانسحاب من المناطق التي دخلتها، ومن بينها دول الملايو، الأمر الذي أعاد إنجلترا إلى قواعدها السابقة، لتحل محلَّ اليابانيين الذين غادروا المنطقة.
    وبعد عودة الإنجليز اقترحوا أن يقوم اتحاد بين المحميات البريطانية التسع في الملايو، ونشأت منطقة الملايو الوطنية المتَّحدة للإعداد لهذا المشروع، وفي عام (1367هـ= 1948م) تأسَّس اتحاد الملايو، وتمتَّعت كل ولاية بحكمها الذاتي، ولكن تحت إشراف حكومة مركزية، وظلَّ الحكَّام يتمتعون بسيادتهم في الإمارات المختلفة عدا (مالاقا، وبيانغ) اللَّتَيْنِ بَقِيَتَا مستعْمَرَتين بريطانيتين.
    الاستقلال والاتحاد
    وفي عام (1375هـ= 1955م) وُضِعَ دستور جديد للملايو، حيث حُوِّلَتْ أكثر مسئوليات الحكومة الاتحادية إلى المجلس التمثيلي للشعب، وجَرَت انتخابات عامَّة فاز فيها التحالف برئاسة "تنكو عبد الرحمن"، حيث حصل على 51 مَقعَدًا من أصل 52.
    وفي مؤتمر لندن عام (1376هـ= 1956م) تقرر استقلال اتحاد الملايو الذاتي في الشئون الداخلية، وبعد عام تمَّ الاستقلال الذاتي ضمن رابطة الشعوب البريطانية، وفي الوقت نفسه حصلت سنغافورة على الاستقلال الذاتي، وحصل قتال في سنغافورة عام (1380هـ= 19960م)؛ فأعلنت حالة الطوارئ، وبعدها بعامين جَرَت مفاوضات ليقوم اتحاد بين الملايو وسنغافورة وشمال بورنيو، وقد تمَّ فعلاً في 1963م، إلاَّ أنَّ بورنيو رغبت في البقاء وحدها، غير أن الاتحاد الذي أُطْلِقَ عليه اتحاد ماليزيا قد لقي معارضة شديدة وخاصَّة من إندونيسيا، كما لقي معارضة من الفلبين التي ترى من جهتها أن شمالي بورنيو كان دولة واحدة من جزر مولو التي هي جزء منها، ولكن اعترفت الدولتان بالأمر الواقع مع مرور الزمن، وفي عام (1385هـ= 1965م) خرجت سنغافورة من دولة الاتحاد، وأصبحت ماليزيا دولة مستقلَّة.
    وهناك مجموعة من الدول في جنوب شرق آسيا بها أقليات إسلامية, يعاني فيها المسلمون من ظروف قاسية, وتضييق شديد على ممارساتهم الدينية والحياتية, وبلاد أخرى بها أكثرية إسلامية ولكنها تعاني من احتلال لأراضيها مثل ما يحدث لمسلمي فطاني, وتركستان الشرقية.
    المسلمون في تايلند ومن هذه الدول "تايلند" التي تقع في جنوب شرق آسيا، ويحدُّها من الشرق لاوس وكمبوديا، ومن الجنوب خليج تايلند وماليزيا، ومن الغرب بحر أندمان وميانمار "بورما"، وكانت "تايلند" تُعرف في الماضي باسم "سيام" وتبلغ نسبة المسلمين في تايلند 25%.
    وقد طرق الإسلام الأرض التايلندية منذ فترة مبكرة، مثلها مثل بقية دول شرق وجنوب شرق آسيا، فأثَّر تأثيرًا لا بأس به بين أهالي سيام "تايلند" من البوذيين، وأُطلق على الذين اعْتَنَقوا منهم الإسلام اسم "السمسم - Samsams"، وأقبلت بعض القبائل أيضًا التي تعيش في هذه المنطقة على اعتناق الإسلام، ويُذْكر أيضًا أن التجار العرب والفرس المسلمين هم الذين أدخلوا الإسلام إلى تلك المناطق منذ القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي، ولكن يُعزى أهمُّ توسُّع لهذا الدين إلى هجرات أهل الملايو (ماليزيا الآن) التي بدأت في القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي.
    وتُعتبر تايلند في حكم الدولة المحتلة المستعمرة لأرض فطاني التي كانت بلدًا مسلمًا لفترة طويلة؛ لذلك فإن أساليب تايلند في محاربة المسلمين لا تختلف كثيرًا عن أساليب الاستعمار الصليبي في أفريقيا وآسيا والدول المسلمة.


    فطاني


    (فطاني) هي بلد إسلامي يقع في جنوب شرقي آسيا، يجاور في الجنوب ماليزيا، وفي الشمال تايلند، ويطلُّ في الشرق على بحر الصين الجنوبي، وفي الغرب على المحيط الهندي، ومساحته صغيرة، ولكنه غني بالمحصولات الزراعية والمعادن، وتبلغ نسبة المسلمين 80%.
    وقد دخل الإسلام إلى فطاني عن طريق التجارة في فترة النشاط التجاري الإسلامي، مثله مثل غيره من مناطق جنوب شرق آسيا.
    وبدأ الإسلام يتوسَّع في منطقة "فطاني" منذ النصف الثاني من القرن الثامن الهجري عن طريق مالاقا، التي أخضع سلطانها "فطاني" إلى حكمه عام 865هـ.
    ولما وصل البرتغاليون إلى المنطقة واحتلوا مالاقا عام (917هـ= 1511م) احتلوا أيضًا المناطق الشمالية منها، وكانت فطاني من بينها، ثم جاء الهولنديون وكانت لهم علاقات تِجاريَّة مع فطاني منذ عام (1018هـ= 1609م)، ثم مع الإنكليز عام (1021هـ= 1615م)، وقد أقاموا مراكز تِجاريَّة لهم.
    ثم استطاع التايلنديون الاستيلاء على فطاني عام (1201هـ 1786م) بعد محاولات كثيرة استمرَّت أكثر من قرنين؛ إذ قاموا بهجومهم عليها عام 1012هـ، و 1042هـ، و 1043هـ ولكنهم باءوا بالخسران في كل محاولة، ونقلوا منها 4000 أسير إلى منطقة بانكوك، كما قسموا المنطقة إلى سبع ولايات لإضعاف المقاومة، إلا أن الفطانيين قاموا بثورة بعد عام من الاحتلال التايلندي، وقادهم (تنكولميدين)، غير أن هذه الثورة قد فشلت، وقُتل قائدهم، وقامت ثورة أخرى عام (1223هـ= 1808م)، لقيت الفشل أيضًا، وهذا ما جعل التايلنديين يعملون على تقسيم المنطقة إلى ولايات صغيرة، ويُشرِّدون الزعماء، ويضعون بجانب كلِّ أمير فطاني أحدَ التايلنديين إضافة إلى فرض ضريبة.
    وفي عام (1247هـ= 1841م) قام ولي عهد ملك (قدح) بثورة، فاشترك معه الفطانيون، ولكن فشلت هذه الثورة ودخل التايلنديون الأرض الفطانية فنهبوها، وعاثوا فيها الفساد، ونقلوا أربعين ألفًا حملوهم إلى منطقة بانكوك.
    وفي عام (1320هـ= 1902م) ربط التايلنديون الفطانيين ببانكوك، وجعلوا عليهم حاكمًا تايلنديًّا، فقام عبد القادر قمر الدين بثورة، ولكنه هُزم وأُسر، وحُمل إلى بانكوك، وطُلِب منه توقيع وثيقة يتنازل فيها عن حقِّه في الإمارة، ولكنه رفض ذلك، وأصرَّ على موقفه، وفي عام (1321هـ= 1903م) عمَّت البلاد الفوضى، ونُفِيَ الأمير عبد القادر، وتولَّى الإمارة مكانة ابنه محيي الدين، وأُرسل إلى لندن للدراسة.
    وفي عام (1327هـ= 1909م) اتَّفقت إنجلترا وتايلند، فأخذت إنجلترا بعض الولايات الملاوية، وأخذت تايلند المقاطعات الفطانية.
    وفي عام (1351هـ= 1932م) حصل انقلاب في تايلند دعمه الفطانيون فكُتِبَ له النجاح، وتغيَّر نظام الحكم من ملكي مطلق إلى ملكي دستوري، واختار الفطانيون محمود محيي الدين أصغر أبناء السلطان عبد القادر قمر الدين، الذي يعيش في المنفى؛ ليكون حاكمًا لهم.
    وقد جرَّ مجيء العسكريين إلى حكم تايلند وبالاً كبيرًا على الشعب الفطاني؛ لأنهم حملوا فكرة القومية السياميَّة، والتي حاربها الفطانيون؛ لأنهم يَدِينون بالإسلام، ويتكلَّمون لغة ملايوية تُكتب بالحرف العربي.
    وكان هدف تايلند منذ عام (1351هـ= 1932م) تحويل الملايونيين في فطاني إلى تايلنديين بإجبارهم على الزيِّ التايلندي، واستعمال اللغة التايلندية، وقَبُول الثقافة التايلندية، واتِّخاذ أسماء تايلندية، وترك العقيدة الإسلامية.
    وزاد الضغط على الفطانيين منذ عام (1357هـ= 1938م) إذ حُرِم المسلمون خاصة من وظائف الدولة، وأُجْبر الطلاب، ومَن يعمل بالمؤسسات الثقافية أن يتسمَّى بأسماء تايلندية، وأُغلقت المدارس الدينية والمساجد، كما أُجبر المسلمون على دخول المعابد البوذية.
    وقد قامت الحرب العالمية الثانية ودخل اليابانيون البلاد، وعمل الإنجليز على تنظيم المقاومة، وقد اعتمدوا على السلطان محمود محيي الدين، ووعدوه بالحصول على الاستقلال بعد انتصار الحلفاء، وعندما انتهت الحرب أخلفوا الوعد، حتى وُضِعَ اقتصاد البلاد تحت تصرف إنجلترا.
    وفي عام (1367هـ= 1948م) قام الحاج محمد سولونغ رئيس الهيئة التنفيذية لأحكام الشريعة الإسلامية بتقديم مطالب الشعب الفطاني، وتقدَّمت المطالب إلى الأمم المتحدة فكانت النتيجة أن قُبِضَ على محمد سولونغ ورفاقه، وأُودِعوا السجن، وحُكِم عليهم بالسجن ثلاث سنوات، ثمَّ أُفْرِج عنهم، ثم اعتُقِلوا ثانية، وقُتِلوا سرًّا عام (1374هـ= 1954م).
    ووقع انقلاب عسكري في تايلندا عام (1366هـ= 1947م)، وفي عام (1357هـ= 1955م) وقع انقلاب آخر، وكان كلُّ انقلاب يعمل على إذابة الشخصية الفطانية، ووقفت الدول الكبرى بجانب تايلند، وظنَّ المستعمرون أن أمر فطاني قد انتهى.
    وفي عام (1378هـ= 1958م) تشكَّلت عدَّة منظَّمات وأحزاب لمواصلة الكفاح، ولكن تعدُّد القيادات كان له الأثر السيئ، ثم توحَّدت المنظمات وتغيَّرت فكرة المقاومة السلمية إلى فكرة الجهاد؛ لإعادة الحقوق المسلوبة.

    قصة الإسلام في الصين

    أما الصين؛ فتقع في الجزء الشرقي من قارة آسيا، وعلى الساحل الغربي من المحيط الأطلنطي، وتشترك الصين في حدودها مع عدة دول هي: أفغانستان، بوتان، ميانمار (بورما)، مازخستان، فرعيزستان، لاوس، منغوليا، النبيال، وكوريا الشمالية، وباكستان، وروسيا، وطاجاكستان، وفيتنام.
    وتذكر التواريخ الصينية أن أول دخول الإسلام في الصين كان في أيام أسرة "تانج"، التي عاصرت البعثة النبوية، وعصر الراشدين، وعصر الخلافة الأُموية، وكان القادمون إلى الصين من المسلمين تجارًا دخلوا بلاد الصين من الجنوب أيام الخلافة الأموية، واستقرُّوا في "كانتون"، حيث أنشئوا لأنفسهم جالية زاهرة، واتخذوا المساجد، وأطلق عليهم الصين لقب "هوي هوي".


  2.  

  3. #2
    عضو فضي
    الصورة الرمزية محمد غربة
    رقم العضوية : 2703
    العمر: 40
    المشاركات : 2,600
    التقييم : 10 Array
    الدولة : فلسطين
    *
    معدل تقييم المستوى
    32

    افتراضي رد: تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا

    متى دخل الإسلام الصين؟
    ويَذْكر مرجع صيني قديم يُسمَّى "التاريخ القديم لأسرة تانج" أنه في السنة الأولى لحكم الإمبراطور يوانج – واي (31هـ= 651م) وفد على بلاط هذا الإمبراطور وفد من المسلمين حاملين هدايا للإمبراطور، وقالوا: إن دولة الإسلام قامت منذ إحدى وثلاثين سنة. ويقول الصينيون من المسلمين: إن هذه كانت أوَّل مرَّة يدخل فيها الإسلام إلى الصين. ويقول المرجع نفسه: إن إمبراطور الصين استفهم عن أمر الإسلام وسأل عنه، فسمع خيرًا، وأذن للمسلمين في بناء مسجد في العاصمة تشانج – آن، وما زال هذا المسجد قائمًا في ذلك البلد الذي يُسمَّى الآن شيان.
    وفي أيام الوليد بن عبد الملك (86- 96هـ) عَبَر قتيبة بن مسلم نهر سيحون، وتخطى الحدود الغربية لدولة الصين، ودخل كشغر، وضمَّ جزءًا من ولاية سنكاينج إلى دولة الإسلام.
    وفي سنة 726م أوفد الخليفة هشام بن عبد الملك (105-125هـ) سفيرًا يُسمَّى سليمان إلى الإمبراطور هزوان تونج، وانعقدت أواصر الصداقة بينه وبين المسلمين.
    وعندما قامت ثورة على هذا الإمبراطور قادها ابنه سور تسونج سنة (756م) وطرد أباه من العرش، استنجد الإمبراطور المعزول بالخليفة العباسي "المنصور" (136-158هـ)، فأنجده بقوَّة من الرجال أعادته إلى عرشه، ولم تَعُدْ هذه القوَّة إلى بلادها، بل استقرَّت في الصين، وتزوَّج أفرادها من الصينيات، وانضمُّوا إلى إخوانهم أعضاء جالية كانتون، فكثُر عددها، وحاول حاكم البلد إخراجها من البلد بالقوَّة، ولكنه عجز.
    عوامل انتشار الإسلام في الصين
    ودخل الإسلام إلى شمال الصين بواسطة الترك في عهد جنكيزخان وخلفائه؛ حيث لم يعبأ جنكيزخان بالدين، وكان يجمع حوله من جميع المِلَلِ، ودخل في جنده كثير من الترك، والأفغان، والباتان، والفرس، وكل هؤلاء مسلمون، فنشروا الإسلام في الصين.
    وهناك مجموعة من العوامل ساعدت على سهولة وسرعة انتشار الإسلام في الصين، من هذه العوامل: المعاملات التجارية التي قام بها المسلمون، وكذلك الفتوحات الإسلامية للمناطق المحيطة بالصين، وتناسل المسلمين وكثرتهم، والاختلاط بينهم وبين أهالي البلاد الأصليين، ومن هذه العوامل أيضًا شراء المسلمين لأولاد الصينيين الوثنيين وتربيتهم على الإسلام، فيصيرون متمسِّكين بالدين الإسلامي، وكذلك لجوء مسلمي الصين إلى الزواج بالصينيات؛ رغبة أن يشرح الله صدورهن للإسلام.
    وقد تمتَّع الإسلام في الصين بقَبول حَسَن، ولقي المسلمون معاملة طيبة طَوَال عصر أسرة "تانج"، التي انتهت سنة (349هـ = 690م)، ولما خلفتها أسرة "سونج" ازدادت التجارة، وتزايد توافد المسلمين على الصين، وأصبحت كلُّ تجارة الصين مع بقية بلاد الشرق وأوروبا في أيدي المسلمين؛ فعرفت أوروبا حرير الصين، وخزفها، وتحفها، وصناعاتها الدقيقة عن طريقهم، وحملوا إليها متاجر أوروبا وغرب أسيا، وكبرت جاليات المسلمين في بلاد الصين، وانتشر الإسلام أكثر وأكثر، ونظرًا لما امتاز به المسلمون من خُلُق طيِّب وأمانة والتزام بالقوانين فقد احترمهم الشعب الصيني، وزاد انتشار الإسلام تَبَعًا لذلك.
    السيد الأجل ناشر الإسلام
    وكان أكبر الموظَّفين المسلمين في بلاد الصين رجلاً ذا كفاية عظيمة وقدرات متعددة، وهو "السيد الأجل"، وقد تدرَّج في المناصب حتى أصبح القائد الأعلى للقوات العسكرية المنغولية في "ششوان"، ثم أصبح حاكمًا لتلك الولاية في سنة (671هـ= 1372م)، وبعد سنتين تولَّى حكومة ولاية يونان، وبفضل كفايته انتشرت الثقافة الإسلامية في بلاد الشمال الغربي، وكان السيد الأجل يحكم بعدلٍ وإنصاف تامَّيْنِ، ولا يُفَرِّق بين مسلم وغير مسلم، ويقول المؤرِّخ رشيد الدين فضل الله في كتابه "جامع التواريخ" في عصر الأسرة المغولية كانت الصين مقسَّمة إلى اثنتي عشرة ولاية، لكل منها حاكم، وإن ثمانية من بين الحكام كانوا مسلمين، وهذا يدلُّ على القوَّة التي وصل إليها المسلمون في عصر أسرة "يوان"، وقد دامت أسرة يوان حوالي 90 سنة تقريبًا (770 - 1054هـ = 1368 – 1644م)، وفي عهد هذه الأسرة ازداد الإسلام، حتى أصبح من أديان الصين الكبرى.



    بداية اضطهاد المسلمين
    ورغم استمرار انتشار الإسلام وحسن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في الصين، إلا أنه عندما سيطرت الأسرة "المانشورية" على الحكم خلال ثلاثة قرون ( 1644 – 1911م)، اضطهدت المسلمين، فصادرت أملاكهم، وأخذت أموالهم، وانتهكت حُرُماتهم، مما جعل الثورات تندلع في كل مكان من قِبَلِ المسلمين، والتي بدأت عام 1856م بعدما ساعد الولاة الصينيون الوثنيين في مهاجمة المسلمين والوقيعة بهم، إضافة إلى دسِّ الدسائس، وعمل الحِيَلِ لقصم عُرَى المسلمين.
    وتَبَعًا لسياسة الشيوعية تغيَّرت عقيدة بعض مسلمي الصين تحت تأثير الضغط أحيانًا، وخاصَّة بالنسبة إلى النشء الجديد، وتارة من أجل الوظائف والمناصب، وتارة بسبب ضعف الإيمان، ورغم ذلك نجد أن الكثير من المسلمين تمسَّكوا بعقيدتهم واحتفظوا بدينهم أشدَّ الاحتفاظ، وإن كانوا قد تواروا في عبادتهم عن الأنظار، وابتعدوا في صلواتهم عن العيون؛ تجنبًا لما اتَّبعه النظام الشيوعي من سياسة اقتصادية تقوم على اغتصاب أموال الناس باسم القانون، وسياسة اجتماعية حطمت الروابط بين الأفراد والأسر.

    تركستان الشرقية والاحتلال الشيوعي


    تحتل الصين الآن تركستان الشرقية "سنكاينج"، والتي تقع في وسط آسيا الوسطى، ويحدُّها من الشمال روسيا، ومن الغرب قازاخستان وقرغيزيا وطاجكستان، ومن الجنوب باكستان والهند، ومن الشرق الصين، ومن الشمال الشرقي منغوليا, وتبلغ نسبة المسلمين فيها 95%.
    وقد دخل الإسلام تركستان الشرقية عام 934م عن طريق الإيجور "ستاتوك بوجرخان"، الذي اعتنق الإسلام قبل أن يتولَّى العرش ويصبح حاكم ولاية أوجور، وبعد أن أصبح حاكمًا اتخذ لنفسه اسمًا مسلمًا هو "عبد الكريم ستاتوك"، وبإسلامه أسلم معظم التركمان من السكان وسكان وسط آسيا؛ لتصبح تركستان بعد ذلك مركزًا رئيسًا من مراكز الإسلام في آسيا.

    وقد احتلَّ الشيوعيون الصينيون تركستان الشرقية، واتَّبعوا سياسة الاضطهاد المستمرِّ ضدَّ المسلمين، رغم التظاهر بالإصلاح الثقافي؛ فألغى الشيوعيون الصينيون الكتابة العربية التقليدية، وتحت شعار "مخلفات الماضي" أُتلف 730 ألف كتاب باللغة العربية، بما في ذلك من نُسَخ من القرآن الكريم، وكتب الحديث، والكتب الدينية.
    وكان عدد المسلمين بتركستان الشرقية عندما سيطر الشيوعيون عليها حوالي 2.3 مليون مسلم، وعدد المساجد يزيد على الألفي مسجد، وقد بدأ الشيوعيون منذ احتلالهم بارتكاب مذابح رهيبة، أعقبها استقدام مهاجرين صينيين بأعداد ضخمة في عملية احتلال استيطاني واسع؛ وذلك للتقليل من عدد أهل البلاد المسلمين، وألغى الصينيون المِلْكِيَّة الفرديَّة، واسترقُّوا الشعب المسلم، وأعلنوا رسميًّا أن الإسلام خارجٌ على القانون، ويُعاقَب كلُّ مَن يَعْمَل به، ومَنَعوا خروج التركستانيين الشرقيين خارج البلاد، كما مَنَعوا دخول أي أجنبي إليهم، وألغَوا المؤسَّسات الدينية، وهدموا أبنيتها، واتخذوا المساجد أندية لجنودهم، وغيَّروا الأبجدية الوطنية بحروف أجنبية، وجعلوا اللغة الصينية اللغة الرسمية، واستبدلوا بالتاريخ الإسلامي تعاليم "ماوتسي تونج"، وأرغموا المسلمات على الزواج من الصينيين، ولم يتوقف هذا الحقد الأسود الدفين تجاه المسلمين الذين تعرَّضوا لجهود دولة كبرى لاسترقاقهم، وطمس الإيمان في قلوبهم، فلما قامت الثورة الثقافية في الصين زاد الأمر سوءًا، وزادت حدَّة اضطهاد المسلمين، وكان ضمن شعارات الثورة: "ألغوا تعاليم القرآن".


    ورغم هذا الكبت والاضطهاد فقد استمرَّت ثورات المسلمين العنيفة التي تعمل الصين على إخفاء أنبائها عن العالم، ومنها ثورة (1386هـ= 1966م) في مدينة "كاشغر"، التي حاول فيها المسلمون أداء صلاة عيد الأضحى داخل أحد المساجد، فاعترضتهم القوات الصينية، وارتكبت في حقِّهم مذبحة بشعة، وانتشرت الثورة في الإقليم، وقام المسلمون بحرب عصابات ضد الصينيين، واستُشْهِد في هذه الثورة - خلال أحد شهورها - حوالي 75 ألف شهيد، ولا تَكُفُّ الأخبار عن تناقل أنباء انتفاضات للمسلمين في تركستان الشرقية ضدَّ الاحتلال الصيني الدموي اللاإنساني.
    ونتيجة لذلك اشتدَّت حملات الاعتقال والمحاكمات الصورية غير العادلة في جميع المناطق ذات الأغلبية الأيغورية في تركستان الشرقية، وتُشير الإحصاءات إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف أيغوري قد تمَّ اعتقالهم من قِبَلِ السلطات الصينية في فترة لا تزيد على شهرين بعد أحداث 11 سبتمبر، وذلك بتُهَمٍ سياسية مزعومة، كما عُقِدَت تسع محاكمات علنية متتالية في كل من مدن غولجا، آقسو، كاشغر وخوتان وقضاء شاهيار واوجتورفان وانسو؛ حيث تمَّ في تلك المحاكمات الحكم بالإعدام على 13 أيغوريًّا، وتمَّ تنفيذ الحكم رميًا بالرصاص في نفس اليوم.

    قصة الإسلام في الفلبين


    أما الفلبين؛ التي تقع إلى الجنوب الشرقي من شواطئ الصين الجنوبية، وتمتدُّ من جزيرة تايوان الصينية حتى تصل تقريبًا إلى جزر الملوكا الإندونيسية؛ فهي تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من قارة آسيا، حيث يحدُّها شمالاً جزيرة "فرموزا"، وجنوبًا جزيرة "بورنيو" إحدى جزر إندونيسيا، وغربًا بحر الصين، وشرقًا المحيط الهادي، وكان اسم الفلبين في الماضي "مانبولاس"، حتى غزاها الإسبان وأطلقوا عليها الاسم الحالي، نسبة إلى فيليب الثاني ملك إسبانيا، وتتكوَّن الفلبين من حوالي 7107 جزيرة، بل إن عدد هذه الجزر يَزيد وينقص حسب حركة المدِّ والجَزْر، وهو ما يجعل عددًا كبيرًا من هذه الجُزُر غيرَ مأْهُولٍ بالسكان, وتبلغ نسبة المسلمين 25% أما نسبتهم في جزيرتي مندناو وصولو فتبلغ 85%.
    وقد وصل الإسلام إلى الفلبين عن طريق التجارة التي كانت تتمُّ عن طريق الملايو وإندونيسيا، وربما كان وصول أوائل المسلمين إلى تلك الجهات يعود إلى عام 270 هـ، ولمَّا وَجَدوا الأرض بكرًا وصالحة للدعوة بدأ الدعاة يَفِدون إليها، ثم انتقلوا إلى الجُزُر الوسطى في القرن الخامس، وبُني أوَّل مسجد في جُزُر صولو عام 679، وازداد إقبال الناس على الإسلام، ورافق ذلك زيادة في قدوم الدعاة، وكان الدعاة والتجار عربًا وهنودًا وماليزيين وإندونيسيين، ولم يأتِ القرن العاشر حتى كانت الجُزُر كلها تحت سيطرة إمارات مسلمة، أشهرها في الشمال إمارة "رجا سليمان"، التي كانت قاعدتها في مانيلا عاصمة البلاد الحالية، وهذا رغم قلَّة أعداد المسلمين في الشمال، أما في الجنوب فكان الحُكَّام المحلِّيُّون من المسلمين أيضًا، ويَتْبَعون سلطنة "صولو".
    الصليبيون أعداء الإسلام
    وفي عام (927 هـ= 1521م) وصلت طلائع الصليبيين إلى تلك الجُزُر قادمة من الشرق بإمرة "ماجلان"، في محاولة لتطويق العالم الإسلامي.
    فما أن وصل ماجلان حتى بدأ يعمل للنصرانية متَّخذًا طريق القوَّة أحيانًا بما يملك من أسلحة غير معروفة هناك، ومستعْمِلاً طريق الإغراء أحيانًا أخرى، وقد توصَّل إلى اتِّفاق مع "هومابون" حاكم جزيرة "سيبو" على أن يدخل هذا الحاكم في الديانة النصرانية الكاثوليكية مقابل أن يكون ملكًا على جميع الجُزُر تحت سلطة التاج الإسباني، ثم أخذ يتنقَّل إلى بقية الجزر للتمكين لصديقه أهومابون، وللدعوة للنصرانية.
    فوصل إلى جزيرة صغيرة، هي جزيرة ماكتنان التي يحكمها حاكم مسلم يُدعى "لابو لابو"، فاستعمل الإسبان طريق الإرهاب؛ إذ أضرجوا النار في أكواخ السكان، وسطَوْا على الأرزاق والأموال، وطاردوا النساء.. فقاوم "لابو لابو" هذه الأعمال، وأخذته الحميَّة فرفض الاستسلام لماجلان، وحرَّض بقية الجُزُر على الغزاة، فهجم عليه "لابو لابو" وقَتَله، ورفض تسليم جثته للإسبان.
    وبعد مقتل "ماجلان" أرسلت إسبانيا أربع حملات متتابعة باءت كلها بالفشل.
    الاحتلال الإسباني للفلبين
    وبعد إبادة هذه الحملات المتكرِّرة بدأ الغزو الإسباني (973هـ 1565م) فكانت حملة كبيرة استقرَّت في جزيرة "سيو"، حيث شُيِّدت قلعة حصينة لحماية الجند، وكانت تلك الجزيرة قاعدة لغزو بقية الجُزُر الأخرى، حتى استطاع أن يستولي على مملكة (راجا سليمان)، بعد قتل مرير عام (979هـ= 1571م)، وتهدَّمت مدينة مانيلا فأعاد الإسبان بناءها على أُسُس نصرانية.
    وقد توالت الحملات الإسبانية على الجزر الشمالية والوسطى، فتساقطت الجُزُر واحدة تلو الأخرى بفعل الأسلحة الحديثة، التي لم تكن في يَدِ سكان هذه الجُزُر، واستمرَّت الحروب إلى آخر يوم انتهى فيها الحكم الإسباني عام 1898م للجزر الفلبينية، باستثناء منطقة "مورو"، التي أبت أن يحكمها التاج الإسباني ولو يومًا واحدًا طَوَال هذه الحِقبة الطويلة من الزمن، حوالي 333 عامًا قضاها هذا الشعب البطل في الدفاع عن سيادته وحُرِّيَّته وعقيدته.
    الاحتلال الأمريكي للفلبين
    وبعد أن دُمِّر الأسطول الإسباني في خليج "مانيلا" جرى اتِّفاق سرِّيٌّ بين الولايات المتحدة وإسبانيا، يَقْضِي بانسحاب إسبانيا من تلك الجُزُر مقابل خمسة ملايين دولار تدفعها الولايات المتحدة لها، وانسحبت إسبانيا من الجُزُر بعد معارك تمثيلية، وعاد الحاكم العامُّ الإسباني من "هونغ كونغ"، وهو الجنرال " غويثالدو" ليعلن استقلال الفلبين عن إسبانيا، وقد تمَّت هذه الاتِّفاقية في باريس، ولما رفضها السكان، ورفضوا حُكْم الولايات المتحدة من خلال ثورة قاموا بها (1319 هـ= 1901م)، قضت أمريكا على الثورة، وعَدَّت البلاد إحدى ولاياتها.
    واستمرَّت الحروب بين شعب المورو المسلم وبين أمريكا أربعين عامًا، ابتداءً من عام 1899م، ولم تنتهِ هذه الحروب حتى حقَّقت لأمريكا مأربها من فرض السيطرة الكاملة على بلاد المورو، ولكنها توقَّفت بوقوع البلاد ضمن الحرب العالمية الثانية.
    استقلال الفلبين
    في أثناء الحرب العالمية الثانية احتَلَّت اليابان الفلبين عام (1360هـ= 1941م)، وطَرَدَت القوات الأمريكية منها، وتشكَّلت في البلاد فِرَق لحرب العصابات، وتَمكَّن الجنرال ( مالك أرثر) من العودة إلى الفلبين عام (1363هـ= 1944م)، وقاتل معه أبناءُ البلاد، واستطاعوا طَرْدَ اليابانيين عام (1364هـ= 1945م)، وهُزِمت اليابان في الحرب العالمية الثانية، وقاتل المسلمون اليابانيُّون قتالاً عنيفًا، واشتركوا في كل مراحل النضال.
    حصلت الفلبين على الاستقلال عام (1365هـ= 1946م)، وأصبح الحُكم فيها رئاسيًّا، يشبه الحكم في الولايات المتحدة، وكان مجلس النواب يضم 102 عضوًا، يُنتخَبون حسب نظام المناطق، ويضمُّ هذا المجلس عضوين مسلمين فقط، وهم بذلك لا يحصلون إلا على خُمس حقِّهم؛ إذ يجب أن يكون لهم أحدَ عشرَ عضوًا حسب نسبتهم المئوية.
    حقد صليبي يتجدد
    وقد شهدت البلاد بعد الاستقلال نهضة إسلامية، يرعاها اتِّحاد مسلمي الفلبين، وقد نظَّم ثلاثة مؤتمرات لبحث شئون المسلمين في الفلبين، وحضرها ممثلون عن أكثر الدول الإسلامية، وبدأت هذه النهضة تثمر، فحرَّكت الحقد الصليبي، فبدأ العمل ضدَّ المسلمين، واتَّخذ وسيلة شقِّ الصفوف، والاستيلاء على الأراضي، وتشكَّلت عصابة نصرانية أُطلق عليها اسم الفئران، أسسها رئيس الجمهورية، ومهمَّتها الهجوم على المسلمين والتنكيل بهم، وقَتْل مَن تستطيع منهم، لكي يُغادِروا أرضهم؛ ليستولوا عليها، وكذلك وُجِدَت منظمة أخرى تُسمَّى الأخطبوط لها نفس المهمَّة.
    وقد أوجد النصارى أسبابًا للهجوم على المسلمين، إذ طالبوا بتطبيق القانون المدني على المسلمين؛ إذ به يُمْكِن للنصارى أن يتزوَّجوا من المسلمات، وقد رفض المسلمون تطبيق هذا القانون، وهذا ما دعا إلى مصادرة أراضيهم والاستيلاء عليها، وبالتالي جرَّ المسلمين إلى قتالٍ وهُمْ غيرُ مستعدين له.
    وقد بدأ الزحف النصراني من الشمال، وبدأ الاستيلاء على الأراضي بمساحات محدَّدة ومنتقاة، وبدأت الدولة تسجيل هذه الأراضي المستولَّى عليها بأسماء مغتصبيها، على حين رفضت من قبلها تسجيلها المسلمين، وبدأ الإرهاب مع الاستيلاء على الأراضي: اغتيالات، حرق مزارع، اختطاف، إلقاء السم بآبار مياه الشرب، قتل الحيوانات، هتك أعراض، وبذا شُرِّد ستُّون ألف أسرة مسلمة، التجأت إلى الغابات والجبال.
    وبدأت حرب الإبادة تارة بجمع الشباب في معسكرات باسم التدريب ثم إبادتهم، وتارة من المساجد أثناء تأدية صلاة الجمعة، وثالثة بالإغارة على المدن والعمل بإبادة الموجودين في الأسواق وأماكن تجمُّع السكان.


    مسلمو الفلبين الآن
    وتسلَّح المسلمون أمام هذه الحوادث؛ للدفاع عن النفس، فعَدَّ الحكم هذا تمرُّدًا، وهذا حُجَّة للقضاء على المسلمين، وتحرَّك الجيش النظامي نحو الجنوب.
    رفع المسلمون شعار الوَحدة الإسلامية، وطالبوا بفصل المناطق الإسلامية، كما طالبوا العالم الإسلامي والأمم المتحدة بالدفاع عنهم وحمايتهم، وبدأت المعارك بين الطرفين، وتمكَّن المسلمون من الصمود والمقاومة، واضطرت الحكومة للتفاوض، وتقرَّر في هذه المفاوضات إعطاء المسلمين الحكم الذاتي في جنوب الفلبين، وكان ذلك في مطلع عام (1397هـ= 1977م)، إلا أن هذه المفاوضات والاتفاقية لم تكن إلا لتُتِيح الفرصة أمام (ماركوس) لتنظيم قوَّاته من جديد، والاستعداد للدخول ثانية في معركة حاسمة تقضي على المسلمين، إضافة إلى استغلال الدول للحصول على النفط والدعم المادي، وقد تمَّ هذا، وبعد أربعة أشهر من توقيع الاتِّفاقية أعلنت حكومة (ماركوس) عن تخلِّيها عن جميع التزاماتها السابقة، وعادت العمليات العسكرية من جديد، بل لم تتوقَّف من الأصل إلا عدَّة أيام.
    والآن يعيش المسلمون في الفلبين ظروفًا صعبة للغاية؛ فهم يُعانون من عدم استقرار في جميع الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، والثقافية، والتعليمية، فضلاً عن أنهم لا يتمتَّعون بأي حقٍّ من الحقوق الإنسانية المشروعة لأي إنسان، فالتخلُّف في التعليم سمة موجودة في جميع المستويات، كما أن الوضع الاقتصادي متأزِّم، وهم يعانون من تمييع هُوِيَّتهم الإسلامية؛ بسبب التيارات التغريبية المؤثِّرة داخليًّا وخارجيًّا.
    قصة الإسلام في بورما
    أما بورما؛ فإنها تقع في الجزء الشمالي الغربي من منطقة الهند الصينية، تحدُّها الصين من الشرق، وبنجلاديش من الشمال الغربي، ولاوس وتايلند من الجنوب الشرقي، وخليج البنغال غربًا، وكانت تُعْرَف بهذا الاسم حتى عام 1989م، وبعده سُمِّيَت: "ميانمار", وتبلغ نسبة المسلمين 20%.
    وقد وصل الإسلام إلى "بورما" أيضًا عن طريق التجارة، إذ كان بعض العرب المسلمين يحطُّون رحالهم على الشواطئ، ولكن يبدو أن انتشار الإسلام عن هذه الطريق كان قليلاً؛ لأن شواطئ بورما لم تكن محطَّات للسفن؛ لأن السفن كثيرًا ما كانت تختصر الطريق بالتجارة نحو مالاقا وجنوب شرقي آسيا؛ لذا فإن انتشار الإسلام عن طريق التجارة كان واسعًا في جنوب بورما وفي بلاد فطاني والملايو.
    وغزا التتار المسلمين بورما عن طريق الصين عام 686هـ، فانتشر الإسلام، وقد خلع المسلمون الملكَ الطاغيةَ، ونصبوا مكانه آخر أقل منه ظلمًا. وكذلك وصل الإسلام عن طريق الهند، ففي القرن الحاديَ عشرَ الهجري حكم الهند "أورنكزيب" واختلف مع أخيه "سوجا"، فانتقل الأخير إلى بورما مع عدد من أتباعه المسلمين، وتوغَّلوا في الداخل، وتعايشوا مع السكان، ونشروا دينهم هناك، كما وصل إلى بورما عدد من مسلمي الصين والهند، وعاشوا فيها.
    وقد لقي المسلمون في بورما اضطهادًا من الاستعمار الإنجليزي فكان حائلاً بينهم وبين المناصب والوظائف، بل والأعمال، وقد زاد هذا الاضطهاد بعد الاستقلال، وقد تعرَّضوا في الآونة الأخيرة لحرب إبادة ذهب ضحيتها الكثير، وأُجبر الكثير على مغادرة البلاد، فانتقلت أعداد كبيرة منهم إلى البُلدان المجاورة وخاصَّة بنجلاديش.
    ويتجمَّع غالبية المسلمين في منطقة واحدة هي منطقة أراكان، التي تقع في الشمال الغربي من بورما الخليفة العباسي هارون الرشيد (170 – 193هـ) أيضًا عن طريق تُجَّار العرب، حتى أصبحت دولة مستقلة حَكَمَها 48 ملكًا مسلمًا على التوالي، أولهم السلطان سليمان شاه، واستمرَّت كذلك لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، أي ما بين عامي (834 هـ= 1430م) – (1198هـ= 1784م).، وكان قد وصلها الإسلام في عهد
    وفي عام 1784م وبعدما ضعفت سيطرة المسلمين على السلطة، احتلت بورما البوذية أراكان الإسلامية، وامتدَّ احتلالها إلى أن استعمرها البريطانيون في عام 1822م، وعند رحيل البريطانيين عام 1948م ومَنْحِهم بورما الاستقلال التامَّ ألحقوا بها "أراكان" ضد رغبة شعبها المسلم "الروهنجيا"، ومنذ ذلك اليوم يقوم البورميون بحملات تطهير عرقي ضدَّ المسلمين الروهنجيا شبيهة بتلك التي تُنَفَّذ في البوسنة، وكشمير، والشيشان، والأماكن الأخرى من العالم، من أجل تفريغ الأرض من سكانها المسلمين، وخَلْقِ ولاية بوذية تخلو من المسلمين تمامًا.
    وبعد الاحتلال البورمي لأراكان تم تهجير أكثر من مليوني مسلم بسبب الممارسات القمعية التي قامت بها السلطات البورمية، حيث يوجد معظم لاجئي أراكان الآن في بنجلاديش وباكستان، وكذا المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي، إضافة إلى مجموعات قليلة في دول جنوب شرق آسيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا، وتمت عمليات التهجير الجماعي عبر أربع مراحل، كانت الأولى عام 1938م إبان الاحتلال البريطاني، والثانية عام 1948م مع بَدْءِ الاحتلال البورمي، والثالثة عام 1978م حيث اشتدَّ الصراع بين الحكومة البوذية والمسلمين، ونتج عن ذلك فرار حوالي ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنجلاديش وباكستان، وأما عملية التهجير الأخيرة فكانت عام 1991م.
    أما التطهير العرقي والديني والإبادة الجماعية للمسلمين فهي مستمرَّة ولم تنقطع، في ظلِّ عُزلة الإقليم عن العالم بالإضافة إلى أن جميع حُكَّام المناطق التابعة للإقليم من البوذيين، أما مَن تبقى من المسلمين فإنه يُتَّبَع ضِدَّهم سياسة الاستئصال عن طريق برامج إبادة الجنس وتحديد النسل فيما بين المسلمين.
    هذا إضافةً إلى عمليات الاغتصاب وهتك العرض في صفوف المسلمات اللاتي يموت بعضهن بسبب الاغتصاب، كما يتمُّ إجبار المسلمين على العمل بنظام السخرة في معسكرات الاحتلال، وتمَّ نقل مئات المسلمين من وظائفهم، ويُمْنَع أي مسلم من دخول الجامعات والكليات.
    كما أصدرت السلطات قرارًا بحظر تأسيس مساجد جديدة، وعدم إصلاح وترميم المساجد القديمة، وتدمير المساجد التي تمَّ بناؤها أو إصلاحها خلال عشر سنوات منصرمة في الإقليم، وبموجب هذا القرار فإن السلطة هدمت إلى الآن أكثر من 72 مسجدًا، و4 مراكز دينية، واعتقلت 210 من علماء الدين وطلبة العلم، وقتلت 220 مسلمًا.
    وفي ظلِّ عدم وجود دولة إسلامية مجاورة قويَّة تتبنَّى قضية مسلمي أراكان يستغل النظام البورمي الفرصة بين الحين والآخر لتشريد المسلمين، ونهب ثرواتهم وممتلكاتهم في أراكان، مما يضطرهم للهجرة.
    قصة الإسلام في سنغافورة
    أما سنغافورة؛ فهي إحدى جزر الملايو، وتقع جنوب ماليزيا، فتتكوَّن من حوالي أربعين جزيرة متقاربة، وتتراوح نسبة المسلمين فيها من 14% إلى 15% من إجمالي عدد السكان، وسنغافورة ميناء بحري وجوي عظيم، ويقال: إن ميناءها البحري رابع موانئ العالم الكبرى. ومدينة سنغافورة العاصمة مدينة مفتوحة لها تجارة رابحة عظيمة.
    وسكان سنغافورة خليط من عناصر بشرية مختلفة، يمثِّل الصينيون 75%، بينما الماليزيون 14%، و9% هنود وباكستانيون، ثم إندونيسيون.
    وقد وصل الإسلام إلى سنغافورة في الوقت الذي وصل فيه إلى جُزُر الهند الشرقية، فانتشر الإسلام عن طريق التجارة بعد انتشاره في مالاقا، وكما ذكرنا كان التاجر المسلم بسلوكه الإسلامي المتَّصف بالصدق، والأمانة، والسماحة، خير وسيلة للدعوة الإسلامية وانتشار الإسلام.
    وقد بلغت الأجيال السابقة من المسلمين حظًّا كبيرًا في النجاح في التجارة، وكوَّن بعضهم ثروات واسعة، ولا أَدَلُّ على ذلك مِن أن عددًا من الشوارع المهمَّة في سنغافورة سُمِّيَ باسم شخصيات عربية إسلامية.
    كما أن هناك شارعًا تِجاريًّا كبيرًا ومهمًّا في سنغافورة يسمى "شارع العرب"، وقد أضفى الملايويون على العرب المسلمين قدرًا كبيرًا من الاحترام والتمجيد فيما مضى، وعدُّوهم طبقة فوق أنفسهم، وقد تجلَّى ذلك في الأسلوب الذي كانوا يخاطبونهم به، وكان من مظاهر تميُّزهم الترحيب بهم في الزواج، فيتزوج العربي المسلم من أشرف الأسر وأمجدها.
    ويُعَدُّ تاريخ سنغافورة جزءًا من تاريخ شبه جزيرة الملايو (ماليزيا)، ولكنها غَدَت إثر الحرب العالمية الثانية مستعْمَرَة بريطانية منفصلة عن بقية ولايات الملايو، وعند قيام اتحاد الملايو عام (1383هـ= 1963م) كانت سنغافورة إحدى ولاياته، ثم عادت فانفصلت منه بعد عامين من قيامه.
    وقد حدث صراع دموي قبل الانفصال في سنغافورة بين المسلمين الملايويين وبين الصينيين من سكان سنغافورة، والذي تمَّ على أثره الاتفاق على خروج سنغافورة من الاتحاد، وقد نتج عن الانفصال أن المسلمين أصبحوا أقلِّيَّة وَسَطَ الصينيين في قُطْر غير إسلامي.
    ومِن بعدها لم يستطع المسلمون الاحتفاظ بما كان لهم من مميِّزات طبقيَّة اجتماعيَّة، وتبدَّل هذا التبجيل بنوع من المشاعر العنصريَّة، ومِن ثَمَّ ترى الكثير من المسلمين العرب يحاولون أن يندمجوا في الشعب، وأن ينتحلوا شخصية الملايوي كاملة؛ حتى لا يُنْظَرَ إليهم على أنهم دخلاء.
    وبالنسبة لنشاطهم في الدعوة إلى الله فقد حاول المسلمون – نظرًا لوجود نشاط تَبْشِيرِيٍّ كثيف – إنشاء توازنٍ في مجال الدعوة إلى الإسلام حتى يواجهوا جهود المُنَصِّرِين، فأنشئوا "الجمعية الخيريَّة الإسلامية"، كما تمَّ إنشاء "دار الأرقم" للتمرين على الوعظ والإرشاد، والجمعية الخيريَّة الإسلامية الآن صَرْحٌ مَشِيدٌ يلفت نظر الزائرين للملايو وسنغافورة.
    الهند الصينية
    وعند الحديث عن منطقة الهند الصينية، والتي تشمل: فيتنام، وكمبوديا، ولاوس، فإن لها قصة مشابهة لما يحدث مع الأقليات في هذه المنطقة؛ فمعظم شعوبها تَدِين منذ عصور قديمة بالنظريات والمعتقدات المختلفة، ومنها البراهمية التي وصلت إليها من الهند وعَمَّت المنطقة عدا "أنام" شمال فيتنام، والتي أثَّرت فيها نظرية كونفوشيوس التي وَحَّدت الصين، ثم وصلت إليها البوذية وعَمَّت شعوب المنطقة.
    وقد وصل الإسلام إلى الهند الصينية في القرن الرابع الهجري، أو قبل ذلك بقليل عن طريق التجار، الذين عملوا في الدعوة إلى الإسلام، وكان هؤلاء التجار ينزلون على السواحل البارزة في البحر، أو التي تكون محطات إجبارية للسفن؛ لذلك فقد كان ساحل مملكة أنام مجالاً لتَوَافُد التجار المسلمين، الأمر الذي أدَّى إلى انتشار الإسلام هناك وبين شعب تشامبا، وكان يُطْلَقُ عليهم اسم "هوي هوي"، وهو الاسم الذي يُطْلِقه الصينيون على المسلمين حتى الآن!!.
    وقد ازدهر الإسلام في تشامبا في القرن الثامن الهجري عندما توطَّدت العَلاقة بين مملكة تشامبا وسلطان المسلمين في الجزر الإندونيسية، وتعود مملكة تشامبا في تاريخها إلى عام 420 قبل الهجرة، وقد دخلت في صراع مع جيرانها الصينيين والكمبوديين، ولعلَّ هذه الدول هي أقدم دولة أسَّستها الأقوام الملايوية، وكانت تعتمد في حياتها على التجارة، ولم ينتشر الإسلام في الهند الصينية في غير هذه المنطقة، وذلك لتراجع السواحل التي تؤلِّف خلجانًا واسعة، مثل خليج "سيام" في الجنوب، وخليج "طونكين" في الشمال.
    ومنذ القرن الثامن الهجري أصبحت "تشامبا" إمارة إسلامية، وبلغ أقصى امتداد لها عام (875هـ= 1470م)؛ إذ وصلت حدودها الشمالية إلى مشارف "طونكين" عند مدينة "دونغ هوي" الحالية، التي تضمُّ الجزء الجنوبي ما يُعْرَف اليوم باسم فيتنام الشمالية، أما حدودها الجنوبية فقد وصلت إلى إقليم "كوشانشين"، وذلك على بُعْد 75 كم تقريبًا شمال "سياغون" الحالية، وبذا شملت دولة تشامبا الإسلامية أكثر أجزاء فيتنام الجنوبية، وجنوبي فيتنام الشمالية، وكانت تضمُّ خمس ولايات.
    كانت صلة "تشامبيا" قويَّة مع المسلمين في كل بلادهم، فلما ضعف شأن المسلمين وضعفت قوتهم ضعفت معهم "تشامبيا"؛ الأمر الذي أطمع فيها جيرانها وبدءوا بغزوها، فقَدِمَتْ فيتنام التي كانت تضمُّ أرضُها منطقة "طونكين" على ضفاف النهر الأحمر من الشمال وذلك عام 875هـ.
    واستمرَّ الغزو الفيتنامي ما يقرب من أربعة قرون (875- 1338هـ)، (1470 – 1823م) وكان يتقدَّم تدريجيًّا من الشمال حتى قضى على الدولة نهائيًّا، فقد كان الفيتناميون يَشُنُّون حرب إبادة تامَّة ضدَّ المسلمين التشامبيِّين، وعندما سقطت "فيجابا" عاصمة تشامبا بأيدي الفيتناميين قَتَلَ الغزاةُ ستِّين ألفًا من السكان، وأَسَرُوا ثلاثين ألفًا إلى "هانوي" عاصمة فيتنام.
    ثم بدأ الفيتناميون الاستيطان في تشامبا حتى أصبح شعب تشامبا غريبًا في بلده، ولما رأى الملك ذلك وهو لا يملك من الأمر شيئًا ترك البلاد، ولجأ إلى كمبوديا، ومن هنا بدأ الوجود الإسلامي في كمبوديا عام (1237هـ= 1823م)، ولا يزال هؤلاء التشامبيون يُقِيمُون في كمبوديا حتى الآن، ويُطْلَقُ عليهم "خمير إسلام"، أي الكمبوديون المسلمون، كما انطلق جزء آخر من التشامبيين إلى ماليزيا وإندونيسيا


  4.  

  5. #3
    عضو فضي
    الصورة الرمزية محمد غربة
    رقم العضوية : 2703
    العمر: 40
    المشاركات : 2,600
    التقييم : 10 Array
    الدولة : فلسطين
    *
    معدل تقييم المستوى
    32

    افتراضي رد: تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا

    المسلمون في فيتنام
    أما فيتنام هذه فهي دولة من دول منطقة جنوب شرقي آسيا أيضًا، تمتدُّ إلى الجنوب من الصين في شكل منحنًى ضيِّق وطويل مائل للحرف اللاتيني S، محاطة من الجهة الغربية بكلٍّ من دولتي لاوس وكمبوديا، وعاصمتها (هانوي)، وأكبر المدن (هوشي منه) وكانت عاصمة فيتنام الشمالية قَبْل وَحْدَةِ فيتنام.
    وقد وصل الإسلام إليها مع وصوله إلى هذه المنطقة، وذلك في القرن الرابع الهجري عن طريق التجار مثل أغلب المناطق في جنوب شرق آسيا.
    وفي العصر الحديث يعيش المسلمون في فيتنام تحت ظروف قاسية؛ حيث يُمنَعون من المناصب العليا ومِن الالتحاق بالجيش، وزاد الأمر سوءًا بعدما استولى الشيوعيون على مقاليد الحكم في فيتنام سنة 1395هـ، فزاد الأمر على المسلمين؛ حيث إن الفيتناميين أصلاً حاقدون على الإسلام، إضافة لكونهم أصبحوا شيوعيين، فتضاعفت العداوة ضد المسلمين وتضاعفت معها المذابح والاضطهادات.
    ففي مدينة هوى قام الشيوعيون بمذبحة مروعة حيث أمضوا عشرين يومًا في دفن الآلاف من المسلمين وغيرهم وهم أحياء؛ مما أرعب الناس فخرجوا وهم مئات الألوف حذر المذابح المروعة من ديارهم إلى البلدان الأخرى فتناقص عدد المسلمين جدًّا.
    وقد لجأ الشيوعيون بعد إحكام قبضتهم على البلاد لأسلوب مُرَوِّع؛ إذ أقاموا سبعين سجنًا ضخمًا موزَّعة في أنحاء البلاد، وأطلقوا عليها اسم "مراكز الإصلاح والتكوين"، وزجُّوا فيها بالآلاف، وكانوا يُطلِقون سراح ضحيَّتهم بعد أن يتأكَّدوا أنها لن تعيش أكثر من عدَّة أيام؛ ليُهَيِّئ أهلها لها جنازتها حسب تقاليدهم المحلِّيَّة.
    واستولى الشيوعيون على المساجد والمدارس الإسلامية، وحوَّلوها إلى وَحْدَات صحِّيَّة وإدارات محلِّيَّة، وأبقَوُا المسجد الجامع بسايجون ليُصَلِّيَ فيه رجال السياسة الزائرون للبلد وذرًا للرماد بوجود حرية دينية بالبلاد، في حين لا يسمحون للمسلمين بأداء صلواتهم بشكل عادي، فقد اشترطوا عليهم ألا تقام صلاة الجمعة في الجامع إلا بعد الحصول على تصريح مسبق من الشرطة وتسجيل أسماء الذين سيحضرون الصلاة وعنوانيهم، وهذا التصريح يجب الحصول عليه أسبوعيًّا, وقد قاموا بالقبض على أئمة المساجد؛ بحجة أنهم رفضوا رفع صورة الزعيم الصين "هوتش منيه" في مساجدهم، وقاموا بقتلهم جميعًا.
    ونتيجة عهود متتابعة من الاضطهاد والتنكيل بالمسلمين في العهدين الملكي والشيوعي تَرَدَّى وضع المسلمين للغاية وزالت دولتهم "تشامبا" تمامًا، وخرجت من ذاكرة التاريخ، وانقطعت الصلة بين المسلمين داخل فيتنام فيما بينهم لتَعَمُّد الشيوعيين ذلك، هذا فضلاً عن انقطاع أخبارهم عن سائر المسلمين بالعالم؛ للسياسة الشيوعية المعروفة في حجب المعلومات عن الوضع الداخلي في بلادهم المنكوبة بحكمهم.
    وكانت النتيجة الحتمية لهذه السياسات أن وقع المسلمون هناك فريسة للجهل الكبير بدينهم، وغَدَت المساجد لا تُفْتَح إلا يومَ الجمعة، ويُصَلِّي فيها الأئمة نيابة عن الشعب، كما أنهم يصومون شهر رمضان عنهم، وعندهم بعض السور القصيرة من القرآن مكتوبة، وهذا بالنسبة للكبار، أما الذين تربَّوْا تربيةً عصريَّة فلا يظنُّون بالدين ولا يعرفون عنه إلا ما يقوله الشيوعيون أنه تقاليد الأقدمين وأفيون الشعوب.
    أما عن المستوى الاجتماعي فلقد عمَّ الفقر على المسلمين هناك، وأطبق عليهم بصورة مَهُولَة، حتى إن المسلمين لا يجدون ما يُكَفِّنُون به موتاهم، والنساء لا يجدْنَ ما يسترهنَّ، ويُقِيم كثير من المسلمين في أماكن لا تُقِيم في مثلها البهائم, ويرفض المسلمون إلحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية؛ لمَا يَعْلَمُونه من سياسة طمس الهُوَيَّة والعقيدة المتَّبَعَة بها، فيَفضلون الجهل على الكفر والإلحاد الذي هو نتيجة حتمية لمن سيلتحق بتلك المدارس.


    قصة الإسلام في كمبوديا
    أما كمبوديا؛ فإنها تحتلُّ جزءًا من شبه جزيرة الهند الصينية في الجنوب الشرقي لقارة آسيا؛ حيث يحدُّها من الشمال الشرقي لاوس، ومن الشرق ومن الجنوب الشرقي فيتنام، ومن الجنوب الغربي خليج تايلند، ويحدُّها من الغرب والشمال الغربي تايلند، وتبلغ مساحتها 182.000كم2.
    وقد بدأ وجود المسلمين في كمبوديا عام (1237هـ= 1823م) بعد وصول التشامبيين الهاربين من بلادهم إليها، ولم يكن فيها من قَبْلُ مسلمون، وتبلغ نسبة المسلمين 15% من مجموع سكان البلاد، وإن كانت الحكومة لا تعترف بهذا أبدًا، وتعطي إحصائيات متناقضة عنهم، كما تمنع المسلمين من الخروج، سواء أكان ذلك لأداء فريضة الحجِّ أم للدراسة في الدُّول الإسلامية، وذلك ليبقى خبرهم مجهولاً.
    وقد عاش التشامبيون المسلمون في كمبوديا في قُرًى خاصَّة بهم؛ لاختلافهم عن المجتمع الذي يعيشون معه في العقيدة واللغة والعادات، وكان يقال لهذه القرى: قرى التشام. وفي كل قرية مسجد، وهناك قُرًى ليست فيها مساجد، وهي أكثر القرى التشامبية، ولا يتمُّ الزواج بين التشامبيين (المسلمين) والكمبوديين إلا على نطاقٍ ضيِّق وفي حالة إسلام الكمبودي أو الكمبودية ممن يُريد الزواج من المسلمين - وهذا قليل - لذا فإن عدد المسلمين من أبناء كمبوديا قليل، ويُشْرِف على كلِّ قرية تشامبية حاكم عامٌّ يُساعده رجل أو اثنان.
    ويُشْرِف الحاكم العام على أحوال المسلمين التي تتعلَّق بالعبادات والأحوال الشخصية، كما يُعَيِّن الإمام والخطيب والمؤذن، وتخضع القرى التشامبية كلها للَّجنة العُليا لشئون المسلمين، وتتألف من إمام ونائبين ومستشارين له، وتخضع هذه لإشراف وزارة الدِّين البوذية في الحكومة الكمبودية.
    وفي عام (1390هـ=1970م) ظهرت في البلاد جمعيتان إسلاميَّتان، وهما:
    1. الجمعية الإسلامية المركزية في كمبوديا؛ وتُشْرِف على أوضاع المسلمين الثقافية والاجتماعية.
    2. جمعية الشبان المسلمين في كمبوديا؛ والهدف منها الإشراف على حلِّ مشكِلات الطلاب التعليمية والاجتماعية والدينية، وتأمين السكن للطلاب الفقراء، الذين يأتون للدراسة في العاصمة أو المدن الأخرى، وقد كان لهذه الجمعية دور أثناء الحرب؛ إذ آوى إلى العاصمة الكثير من المسلمين الفارِّين من المناطق التي اجتاحتها الحرب.
    ورغم ذلك فإن الجهل يسود بين المسلمين؛ إذ يرفضون إرسال أبنائهم إلى المدارس الحكومية خوفًا على عقيدتهم، ويكتفون بتعليمهم في الكتاتيب مبادئَ القراءة والحساب وتلاوة القرآن، وأكثر ما تكون هذه الكتاتيب في المساجد، ويعمل أكثر المسلمين في الصيد، وخاصَّة صيد السمك وزراعة الأرز، ويَستَخدِمون الأدوات القديمة في أعمالهم، سواء أكانت صيدًا أم زراعة أم صناعة، وقَلَّ مَن يعمل منهم في التجارة.
    أما في العمل السياسي فنصيبهم قليل؛ ففي العهد الملكي كان يوجد مساعد مسلم لوزير الدين البوذي، كما يوجد مسلم آخر يعمل مستشارًا لشئون المسلمين في الديوان الملكي، وهذا كل ما يناله المسلمون من مناصب سياسية في الدولة، أما بعد عام (1390هـ= 1970م)، حيث حلَّ النظام الجمهوري، فقد زادت مناصب المسلمين السياسية زيادة طفيفة؛ إذ أصبح أحدهم عضوًا في مجلس الشيوخ وأربعة أعضاء في مجلس النواب، وعُيِّنَ مسلِمٌ أيضًا وكيلاً للأمانة العامَّة لشئون الدولة، كما عُيِّنَ خمسة مسلمين في وزارة الخارجية.
    وقد دافع المسلمون عن كمبوديا ضدَّ الغزو الشيوعي؛ فذاقوا لذلك الويلات، ودُفِنَ بعضهم أحياء، وأُبِيدَتْ جماعات منهم، وتعرَّضوا للقتل الجماعي، وأُخِذَت مساجدهم، وقُبِض على أئمة المساجد والعلماء والأساتذة وحُكَّام القرى المسلمة، وذلك بعد سيطرة الشيوعيين على كمبوديا عام (1395هـ= 1975م)، كما انتُهِكَت الأعراض، وحدث ما تقشعرُّ له الأبدان، وأعلن المسلمون الجهاد لرفع الظلم، وإعادة المسلمين الفارِّين من القهر الشيوعي إلى بلادهم.


    المسلمون في لاوس
    أما لاوس؛ فاسمها جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية، وهي تجاور الصين من شمالها، وفيتنام من شرقها، وتايلند من غربها، وكمبوديا من جنوبها, وعاصمتها فيانتيان، وتبلغ نسبة المسلمين فيها حوالي 0.5%.
    وقد وصل الإسلام إلى لاوس عند وصوله إلى منطقة الهند الصينية - والتي هي جزء منها، وذلك في القرن الرابع الهجري أو قبل ذلك بقليل - أيضًا عن طريق التجار الذين عَمِلوا في الدعوة إلى الإسلام، كما سبق أن ذكرنا.
    كما زاد التواجد الإسلامي في لاوس عندما لجأ المسلمون التشامبيون - المسلمون الأوائل لمجموعة جزر الهند الصينية - إلى لاوس قبل لجوئهم إلى كمبوديا واستوطنوا هناك, ولكن مرَّ عليهم زمن طويل لم يتلقَّوا فيه أمورَ دينِهم, وكلُّ ما تعلَّموه قراءة القرآن الكريم دون فَهْمِ معانيه؛ الأمر الذي جعلهم يَفْقِدُون حقيقة دينهم, وتعرُّض الأبناء فيما بعدُ لحملات التنصير؛ فتأثَّر بها بعضهم, وارتدَّ بعضهم عن دينه، كما ساهم التجار المسلمون الصينيون في نقل الإسلام إلى لاوس منذ مئات السنين.
    ووقعت لاوس تحت سيطرة سيام "تايلند"، منذ أواخر القرن الثامنَ عشرَ إلى أوائل القرن التاسعَ عشرَ الميلادي، عندما أصبحت بموجب معاهدة فرانكو - سيامية عام 1907م جزءًا من مستعْمَرَة فرنسيَّة صينيَّة, وكانت حتى ذلك الحين تحت حكم ملكي إلى أن قامت حكومة باذيت لاو الشيوعية بالسيطرة على الحكم عام 1975م, وبذلك أنهت ستة قرون من الحكم الملكي.
    ويوجد في لاوس مسجدان؛ أحدهما يخصُّ المسلمين من أصل باكستاني, والآخر للمسلمين ذوي الأصول الهندية, وهناك المسجد الجامع الكبير في العاصمة، وهو يمثِّل المركز الإسلامي، ومعه مدرسة افتُتِحَت منذ فترة قصيرة في الأول من يونيو عام 2005م, إلى جانب الجمعية الإسلامية، والجدير بالذكر أن عدد المسلمين في "لاوس" أخذ في التناقص على مرِّ السنين؛ وذلك لعدم وجود أية هيئة تُشرِف على حياتهم الدينية؛ فتفرقوا حسب ظروف المعيشة, وكذلك للحروب المتتالية منذ 1940م حتى 1975م, والتي أدَّت إلى تهجير كثير من المسلمين داخل البلاد وبعضهم ترك لاوس, وأصبح الكثير منهم حتى اليوم يَهِيمُون على وجوههم في أرض الله, يموتون بشكل فردي أو جماعي, أو يعيشون في ظلمات السجون, حتى أصبح عددهم لا يتجاوز بضعة آلاف، بما فيهم الهنود والباكستانيون, وليس لهم من مسجد في تلك الآونة, بل هناك أماكن مخصَّصة لصلاة الجُمُعة فقط.




    مراجع الدراسة
    [1] محمود قمر: الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا
    [2] حسين مؤنس: أطلس تاريخ الإسلام
    [3] محمود شاكر: التاريخ الإسلامي
    [4] فايز صالح أبو جابر: الاستعمار في جنوب شرقي آسيا
    [5] إسماعيل أحمد ياغي ومحمود شاكر: تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر
    [6] مصطفى رمضان: الإسلام والمسلمون في جنوب شرق أسيا،
    [7] محمود السيد: تاريخ دول جنوب شرق آسيا،
    [8] توماس آرنولد: الدعوة إلى الإسلام ، وانظر أيضًا: محمود قمر: الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا
    [9] حسين مؤنس: الإسلام الفاتح
    [10] رأفت غنيمي وآخرون: تاريخ آسيا الحديث والمعاصر.
    [11] رأفت عيسى الشيخ وآخرون: تاريخ آسيا الحديث والمعاصر .
    [12]الدكتور شوقي أبو خليل: أطلس دول العالم الإسلامي .
    [13] فايز صالح أبو جابر: الاستعمار في جنوب شرقي آسيا ، ومحمود قمر: الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا .
    [14] العالم الإسلامي الحديث والمعاصر 1/360.
    [15] طالع الرابط التالي من موقع إسلام أون لاين:
    http://www.islamonline.net/livedialogue/arabic/Browse.asp?hGuestID=2hD8qI
    [16] انظر إبراهيم عبد الفتاح: العالم الإسلامي في مطلع القرن الخامس عشر الهجري 1/69.


    توقيع محمد غربة
    يا قدس يا مدينة الشرائع .. يا طفلة جميلة محروقة الأصابع
    يا واحة ظليلة مر بها الرسول .. حزينة حجارة الشوارع .. حزينة مآذن الجوامع

  6.  

  7. #4
    عضو برونزي
    رقم العضوية : 4451
    العمر: 49
    المشاركات : 1,235
    التقييم : 10 Array
    الدولة : سيجر
    *
    معدل تقييم المستوى
    18

    افتراضي رد: تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا

    [align=center]
    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
    موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
    [/align]


  8.  

  9. #5
    عضو
    رقم العضوية : 31011
    المشاركات : 63
    التقييم : 10 Array
    *
    معدل تقييم المستوى
    5

    افتراضي رد: تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد غربة مشاهدة المشاركة
    تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا





    جنوب شرق آسيا هي الأقاليم بين شبه القارة الهندية وجنوب الصين، فوصل إليها التجار يحملون الإسلام، ومعظم مسلمي هذه الدول يعانون من الحملات التنصيرية والاضطهاد، ومعظمها عانى من الاحتلال، ففي إندونيسيا ظهرت ممالك مسلمة، منها "بنتام" في جاوة الغربية، و"آتشيه" في شمال سومطرة، فاحتلتها البرتغال وهولندا وبريطانيا واليابان، وبعدها أُعْلِنَ عن قيام حكومة إندونيسية، وهي تعاني من ضعف الإنتاج، وارتفاع نسبة الأمية والبطالة.
    وأسلم "أونج" حاكم بروناي على يد السلطان محمد شاه، واتَّسع نفوذها فشملت جزر صولو والفلبين، ثم فرضت إنجلترا الحماية عليها، ودخلتها اليابان ثم انسحبت منها، واتفق سلطانها مع البريطانيين على الانسحاب على أن تبقى إدارتهم المدنية، ولم تنضم بروناي إلى الاتحاد الماليزي، الذي انتشر فيه الإسلام عن طريق أسلام ملك (مالاقا) فصارت مالاقا دولة إسلامية، فاحتلتها البرتغال ثم هولندا، وتابعوا سياستهم في قتل المسلمين، ثم احتلتها بريطانيا، وقامت ثورات في الملايو، منها ثورة الشيخ الهادي، تلميذ الشيخ محمد عبده، ثم احتلتها اليابان؛ ووقع التخريب حتى هزيمة اليابان، فقام اتحاد الملايو، وحُوِّلَتْ مسئوليات الاتحاد إلى المجلس الشعبي، وفي مؤتمر لندن تقرر استقلال اتحاد الملايو.
    وأما فطاني فبدأ الإسلام يتوسَّع فيها عن طريق مالاقا، ثم احتلتها البرتغال وهولندا، وتايلند، وقام انقلاب في تايلند دعمه الفطانيون، وتغيَّر نظام الحكم إلى ملكي دستوري، وبدأ الحكم العسكري في تايلند، ثم دخلها اليابانيون، فعمل الإنجليز على تنظيم المقاومة، وبدأ كفاح الاستعمار والاضطهاد.
    ودخل الإسلام الصين في أسرة "تانج"، التي عاصرت البعثة النبوية، وانتشر الإسلام فيها عن طريق الفتوحات، وظهر القائد "السيد الأجل" فأصبح حاكمًا، فازدهر الإسلام، ثم سيطرت الأسرة "المانشورية" فاضطهدت المسلمين، واحتفظ الكثير منهم بدينهم خفية، أما تركستان فدخلها الإسلام عن طريق الإيجور "ستاتوك بوجرخان"، الذي اعتنق الإسلام قبل أن يتولَّى العرش، واحتلَّها الصينيون، واتَّبعوا سياسة اضطهاد المسلمين، فقامت الثورات.
    وظهرت إمارة "رجا سليمان" المسلمة في الفلبين، وبدأ ماجلان بنشر النصرانية، فتصدى له حاكم جزيرة ماكتنان، ثم احتلتها إسبانيا، باستثناء منطقة "مورو"، وأجرت اتِّفاقًا مع الولايات المتحدة لتتركها لها، فاستمرَّت الثورات، ثم احتَلَّتها اليابان، وحصلت على الاستقلال، وأصبح الحُكم فيها رئاسيًّا، وطالب النصارى بتطبيق القانون المدني على المسلمين؛ فيُمْكِن لهم أن يتزوَّجوا المسلمات، وبدأت حرب الإبادة.
    أما بورما فلم تكن شواطئها محطَّات للسفن؛ فوصل إليها مسلمو الصين والهند، فنشروا الإسلام، واحتلتها إنجلترا، فتجمَّع غالبية المسلمون في أراكان، حتى أصبحت دولة مسلمة مستقلة، ثم احتلتها إنجلترا فاستقلت عنها، وتم ضمها إلى بورما، فبدأ التطهير العرقي ضدَّ المسلمين، وأصدرت السلطات قرارًا بحظر تأسيس مساجد جديدة.
    أما تشامبيا ومنطقة الهند الصينية، التي تشمل: فيتنام، وكمبوديا، ولاوس، فمعظم شعوبها كانت تَدِين بمعتقدات كالبراهمية، فوصل إليها الإسلام في ساحل مملكة أنام مناسبًا لانتشار الإسلام، ويُطْلَقُ في تشامبيا اسم "هوي هوي" على المسلمين، فدخلت في صراع مع الصين وكمبوديا، وغزتها فيتنام، وكان الفيتناميون يَشُنُّون حرب إبادة ضدَّ المسلمين، فترك معظمهم البلاد إلى كمبوديا، ويُطْلَقُ عليهم "خمير إسلام"، أي الكمبوديون المسلمون، وعانت هذه المناطق من الشيوعية، فوقع المسلمون فريسة للجهل الكبير بدينهم، وغَدَت المساجد لا تُفْتَح إلا يومَ الجمعة، ويقوم الأئمة بالعبادات نيابة عن الشعب، وعمَّ الفقر حتى إنهم لا يجدون ما يُكَفِّنُون به موتاهم، ولا ما يسترهم، ويرفض المسلمون إلحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية خوفًا على عقيدتهم.

    قصة عجيبة لانتشار الإسلام في شرق آسيا جنوب شرق آسيا اسم يطلق الآن بصفة عامَّة على الأقاليم الواقعة بين شبه القارة الهندية وجنوب بلاد الصين، والمحاطة من الشرق ببحر الصين والجزء الجنوبي الغربي من المحيط الهادي، ومن الغرب المحيط الهندي وخليج البنغال، وتضمُّ البلدان التالية: إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وبورما، وفيتنام، وكمبوديا، ولاوس، وتايلند، والصين, وتركستان الشرقية، وبروناي، وهذه المنطقة قد تأثَّرت بالطابع الهندي والصيني؛ لكثرة الهجرات إليها من هذين البلدين، وتأثَّرت بثقافَتَيْهما.

    والحقيقة أن قصة انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا تُعَدُّ من أعظم قصص انتشار الإسلام في العالم؛ فالمسلمون لم يذهبوا إلى هذه المناطق الشاسعة المساحة العظيمة السكان بجيوش فاتحة، ولم يخوضوا مع أهلها حروبًا تُذكر، وإنما ذهبوا إليها كتُّجار يحملون أخلاقَ الإسلام، وهَمَّ الدعوة إلى الله، وذلك بالحسنى والمعاملة الحسنة، فحقَّقوا القاعدة الأصيلة التي تؤكد أن الإسلام إنما يغزو القلوب لا الأراضي أو البُلدان.
    فقد حمل التجار المسلمون بضائعهم، ورحلوا من المشرق الإسلامي إلى تلك البلاد النائية عن طريق البحر، وكان لعرب جنوب الجزيرة العربية اليمنيِّين والعُمَانيِّين النصيب الأوفى في ذلك، فأخذوا يبيعون ويبتاعون، ووجد أهل تلك البلاد النائية فيهم الصدق، وعرَفوا فيهم العفَّة والأمانة، ثم علموا أن هذا كله من أثر العقيدة التي يحملونها؛ فحُبِّب الإسلام إلى نفوسهم؛ الأمر الذي لم يظلوا عليه طويلاً حتى باتوا يَدِينُون بالإسلام، وأصبحوا من أبنائه المخلصين.
    وبين يَدَيْ هذه الصفحات نرى قصة وصول الإسلام إلى دول هذه المنطقة، مع التطرُّق إلى أهمِّ أحداثها التاريخية التي مرَّت بها، وأوضاعها الراهنة؛ فإن سكان هذه البُلدان وإنْ نَأَتْ بهم عَنَّا الديارُ إلا أن رابطة الدِين وميثاق الأخوَّة يجعلهم أقرب إلينا من قِيدِ أُنْمُلَةٍ.

    قصة الإسلام في إندونيسيا
    ونبدأ قصتنا بالدول ذات الأكثرية الإسلامية في هذه المنطقة, ومنها إندونيسيا، كبرى البُلدان الإسلامية، تلك التي أطلق عليها المسعودي اسم "جزر المهراج"، أما باقي الكُتَّاب فكانوا يسمُّونها بأسماء جزرها: سومطرة، جاوة، وهكذا. وقيل: إن اسمها يتكون من مقطعين؛ وهما: "إندو" ومعناها: الهند، و"نيسيا" ومعناها الجزر. وهذا ما كانت تُشير إليه كتابات الكُتَّاب والجغرافيين دائمًا بتسميتها بجزر الهند الشرقية، كما أنها تُسمَّى أحيانًا باسم الأرض الخضراء، ومنذ القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي أصبحت تُعْرَف باسم إندونيسيا.
    وتُعَدُّ إندونيسيا جزءًا من أرخبيل الملايو في جنوب شرق آسيا، كما أنها الدولة التي تضمُّ أكبر مجموعة جزر في العالم؛ إذ يبلغ عددها حوالي 17508 جزيرة، المسكون منها حوالي 600 جزيرة، ومنها جزيرة جاوة التي تُعَدُّ من أكثر مناطق العالم ازدحامًا بالسكان، وقد تناقصت نسبة المسلمين فيها من 97% إلى 85%.
    ومن العسير تحديد تاريخ بَدْءِ دخول الإسلام إندونيسيا، وفي ذلك تقول المراجع: إن تجار المسلمين أنشئوا لأنفسهم مراكز تِجاريَّة على سواحل سومطرة وشبه جزيرة الملايو من وقت مبكِّر، ربما من أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريَّين، الثامن والتاسع الميلاديَّين، وقد أتى أوائل التجار من جزيرة العرب من: عُمَان، وحضرموت، والساحل الجنوبي لليمن، واتخذوا مراكزهم الأُولَى على الشاطئ الغربي لسومطرة، وكانوا يسمونها سمدرة، وكانوا أهلَ سُنَّةٍ على المَذْهَب الشَّافِعِيِّ، أمَّا الهنود فقد دخلوا الجُزُر بالمَذْهَب الحَنَفِيِّ، وبعد ذلك وَصَل إلى هذه الجزر تُجَّار المسلمين من الهنود ومن شبه جزيرة الكَجَرَات.
    كما تروي بعض كتب التاريخ أن بعض التجار الإندونيسيِّين قد وصلوا إلى بغداد أيَّام الخليفة العباسي هارون الرشيد، وعندما قَفَلوا راجعين كانوا يحملون بين جوانحهم عقيدة الإسلام، وعندما وَصَلُوا إلى بلادهم قاموا بدعوة واسعة النطاق لها.
    وفي أوائل القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي بدأ الدِّينُ الإسلامي ينتشر بسرعة في أطراف الدولة، وأخذت السلاطين والقبائل المسلمة تُقَاوِم السلطة البوذيَّة في "جاوة"، وكان من أهمِّ تلك السلاطين المسلمة سلاطين "آشِنْ" في أقصى الشمال من جزيرة "سومطرة"، وسلاطين "مَلاكَا" في غربي شبه جزيرة "ملايا"، الذين أسَّسُوا تجارة مستقلَّة عن الدولة مع التُّجَّار المسلمين العرب والفرس والصينيين والهنود، وقد أسلم هؤلاء نتيجة احتكاكهم مع المسلمين العرب والفرس.
    جاوه مركز إشعاع إسلامي
    وقد كان لانتشار الإسلام أثره العميق في قيام ممالك إندونيسية متعددة في تلك الجزر، مثل مملكة "بنتام" التي أسَّسها الملك حسن الدين في جاوة الغربية، ومملكة "متارام" التي أقامها رجل عسكري يُدعى "سنافاني" في شرق جاوة؛ وبذلك أصبحت جزيرة جاوة مركز إشعاع للدِّينِ الإسلامي، وانتقل منها إلى غيرها من الجزر، وكان هناك أيضًا مملكة "آتشيه" في شمال سومطرة، ومملكة "ديماك" في وَسَط جاوة، والتي أقامها رمضان فاطمي عام 832هـ، وكذلك مملكة "بالمبانغ" في جنوب سومطرة.
    وهكذا نرى أن الإسلام في مسيرته في جزر إندونيسيا قد قفز من مجموعة من الجُزُر إلى أخرى بسلام وبدون أي حرب، وفي هذا الجزء من العالم تقوم الآن جمهورية إندونيسيا، وهي أكبر بلد إسلامي على الأرض.

    الاحتلال البرتغالي لإندونيسيا
    الحقيقة أن جزر إندونيسيا تتمتَّع بموقع ممتاز وأهمية خاصَّة، وبموارد أَوَّلِيَّة ضخمة، وهو ما أطمع فيها الاستعمار بكل أصنافه؛ البرتغالي، والهولندي، والإنجليزي، والإسباني، والأمريكي؛ ففي الوقت الذي بدأ المسلمون يُثَبِّتُون أقدامهم في إندونيسيا كانت مخالب الأوروبيِّين من جهة ثانية تَنْشَب فيها لتَجِدَ لها مركزًا ثابتًا مستَقِرًّا في هذه المنطقة؛ وذلك لحقدهم الصليبي الذي حمل المظهر الاقتصادي بحاجتهم إلى التوابل المرتفعة الثمن في أوروبا.
    وقد كانت البرتغال أُولَى الدول التي احتلَّت إندونيسيا، وقد نَشِبَتْ معاركُ شديدة بين الإندونيسيِّين من ناحية والبرتغاليِّين من ناحية أخرى، واتَّخذت تلك الحرب شكل الحروب الصليبية، وذلك نظرًا لقرب عهد البرتغاليين بمحاربة المسلمين والقضاء عليهم في الأندلس، ولقد كان من أهمِّ الدوافع التي حثَّت البرتغاليين على القيام بالحركة الكَشْفِيَّة – على رأيهم - هو ضَرْبُ اقتصاديَّات المسلمين، والسيطرة على تجارتهم، ومحاولةُ نَشْرِ النصرانية بالتعاون مع الأحباش، ولحقدهم على الإسلام استخدموا كافَّة وسائل الإرهاب والقمع الوحشي ضدَّ المسلمين، وقد توالت حملات البرتغاليِّين على هذه البلاد، ونجحوا في اتخاذ أتباعٍ ومؤيِّدين لسياستهم الاستعمارية في تلك البلاد، وكثُر وجود تجار أوروبا في إندونيسيا منذ ذلك الوقت.
    وقد قاوم المسلمون في إندونيسيا الاحتلال البرتغالي، وقاموا بثورات متعدِّدة ضدَّ النصرانية، وخاصَّة بعد أن قُتِل أحد ملوك إندونيسيا غدرًا عام (978هـ= 1570م)، وهو هارون سلطان "ترنات"، والذي كانت سلطته تمتدُّ حتى الفلبين.
    الاحتلال الهولندي لإندونيسيا
    وظلَّ البرتغاليُّون يحتكرون نقل تجارة التوابل إلى أوروبا حتى عام (988هـ= 1580م)؛ حيث استولت إسبانيا على البرتغال، وآلت إليها الأخيرة بكلِّ ما لها من ممتلكات، ونظرًا لتحطُّم أسطول إسبانيا في معركة الأرمادا البحرية مع إنجلترا عام (997هـ= 1588م) لم تستطع أن تحُلَّ محلَّ البرتغاليِّين في إندونيسيا بالتقدُّم لاحتلال إندونيسيا.
    وبعد أن حصلت هولندا على استقلالها لم تَعُدْ تخشى أسطول إسبانيا، وأصبحت تنتقل في تلك البحار دون خوف من مُنَازعٍ قويٍّ، وخرج أوَّل أسطول هولنديٌّ إلى الهند سنة 1590م، وبلغ الجزائر الإندونيسيَّة ثم عاد إلى هولندا، وكان هذا سببًا في تأسيس شركة الهند الشرقيَّة الهولنديَّة 1602م، التي أعلنت في بادئ الأمر أن غرضها ليس إلا التجارة، ولكنها ما لبثت أن أخذت تحتكر الغلاَّت والمنتجات الزراعية، وتمتلك الأراضي مقابل دخل تدفعه الشركة للسلاطين.
    وقد أخذ الهولنديون يبسطون سلطانهم، وأَخَذَ نفوذهم يتغلغل في أنحاء البلاد، ولما اشتدَّ ساعدهم لَجَئُوا إلى فرض سلطانهم بالقوَّة؛ فقاوم السكان المسلمون ذلك الوضع، وتدخَّلت الحكومة الهولندية لمواجهة هذه الثورة العارمة.
    ولم يكن البرتغاليون والهولنديون وحدهم هم الذين حاولوا استعمار إندونيسيا، بل انضمَّت بريطانيا إليهم؛ فأقامت قلعة لها في (بان كولن) على الشاطئ الغربي لسومطرة في سنة 1714م وظلَّت هناك حتى سنة 1825م.
    فسقطت إندونيسيا بذلك تحت حكم الشركة البريطانية للهند الشرقية في الفترة (1811- 1816م) أثناء حرب نابليون التي تَمَكَّن فيها من احتلال هولندا، ولكن بريطانيا وهولندا عقدتا معاهدة في لندن في 13 أغسطس سنة 1814م قَضَتْ بإعادة المستعمرات إلى هولندا عام 1803م، وبذلك استردَّت هولندا الجزر الإندونيسية من بريطانيا.

    الاحتلال الياباني لإندونيسيا
    وظلَّت هولندا وحدها في إندونيسيا منذ مطلع القرن السادس عشر؛ تستنزف خيراتها وتستولي على مُقَدَّرَاتها، وتقف حجر عَثْرَة في سبيل تقدُّمها ورُقِيِّها، حتى احْتَلَّت القوات اليابانية إندونيسيا في مارس 1942م بعد استسلام الجيش الهولندي أمام اليابان.
    ولم يمضِ شهر على الاحتلال الياباني حتى صدر مرسوم بِحَلِّ الأحزاب السياسية جميعها، بل والمنظمات الأخرى، ومنعها من الاستمرار في نشاطها، وقد قام الإندونيسيون بحركات داخل بلادهم ضدَّ هذا الاحتلال، وبعد إلقاء القنبلة الذرية (1364هـ= 1645م) استسلمت اليابان، وبعد يومين فقط أُعْلِنَ عن قيام حكومة إندونيسية برئاسة أحمد سوكانو ونائبه محمد حتا.

    إندونيسيا بين الفقر والتنصير
    أما واقع إندونيسيا اليوم فإنها تعاني مشكلات متعددة، تتمثَّل في ضعف الإنتاج مقارنة بالإمكانات الطبيعية والمساحات الهائلة والأعداد الكبيرة من السكان، وكذلك ارتفاع نسبة الأمية والبطالة، حتى إن إندونيسيا، نتيجة البطالة العالية وازدياد الفقر وانخفاض مستوى المعيشة، صارت في العقود الأخيرة من أكبر المصدِّرين للعمالة البشرية الرخيصة إلى الدول الأخرى، حتى في أبسط الأعمال والمهن.
    وقد أغرى هذا الوضع المُزْرِي الحركات التنصيرية في العالم، فنشطت منذ منتصف القرن العشرين للعمل الحثيث من أجل تنصير إندونيسيا، حيث تمتلك الحركات التنصيرية إمكانيات تفوق ميزانيات كثير من الدول، وقنوات تلفزيونية، وعشرات الصحف والمجلات، وقد بدأت هذه الجهود تؤتي أكلها؛ حيث انخفضت نسبة المسلمين من 97% إلى 85%، فوقعت كثير من المناطق في قبضة التنصيريين، مثل نوسا تنجار الشرقية، التي أصبحت نسبة المسلمين فيها 9.12 %، وهي تتكون من 111 جزيرة أكبرها تيمور، وأغلب السكان فيها صاروا نصارى.

    إمارة بروناي الإسلامية
    أما بروناي، فهي دولة صغيرة لا تَزِيد مساحتها على 5770كم2، وتقع في شمالي جزيرة "بورنيو"، وتحتلُّ شريطها من الساحل الشمالي على شكل قوسين تتداخل بينهما أراضي "ساراواك" من اتحاد ماليزيا، وتبلغ نسبة المسلمين 76%.
    وفي بروناي تأسَّست إمارة إسلامية مبكِّرة؛ فقد سافر حاكمها "أونج ألاك بتاتا" في عام 828هـ إلى مالاقا لزيارة السلطان محمد شاه، وهناك اعتنق الإسلام، كما جاء من البلاد العربية دعاة للإسلام أقبل الناس عليهم، وشجَّعهم أميرهم على ذلك، وهكذا قامت إمارة إسلامية في بروناي، واتَّسع نفوذها فشملت جزر صولو والفلبين.
    وعندما مكَّنت إنجلترا نفوذها في المنطقة اتَّجهت نحو بروناي، واستطاعت تقليص نفوذها، ففي عام (1264هـ= 1848م) عقد سلطان بروناي اتفاقية مع إنجلترا لمقاومة القرصنة وتطوير العَلاقات التِّجاريَّة، إلاَّ أن إنجلترا فرضت الحماية عليها عام (1306هـ= 1888م)، واستمرَّت حتى اجتاحت اليابان المنطقة كلها أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم انسحبت منها قبل مرور أربع سنوات.

    وقد عُرِضَ على بروناي في عام (1383هـ= 1963م) أن تشترك في اتحاد الولايات الماليزية فرفضت وبقيت دولة منفصلة يحكمها "عمر علي" سيفُ الإسلام، وترى ماليزيا ضرورة وجود بروناي ضمن الاتحاد حتى تشمل أراضي الاتحاد ماليزيا شمالي جزيرة بورنيو كلها، ويستفيد الاتحاد من البترول والغاز الطبيعي في بروناي، كما أن انضمام بروناي إلى الاتحاد الماليزي يُجَنِّبُها خطر الابتلاع من دول أخرى أكبر، من المنطقة أو خارجها.
    وفي سنة 1983م اتفق سلطان بروناي "حسن بلقيا معز الدين" مع البريطانيين على الانسحاب من بروناي على أن تبقى الإدارة المدنية البريطانية، ولا يزال سلطان بروناي يرفض الانضمام إلى اتحاد ماليزيا؛ نظرًا لمواردها البترولية الغنية.


    ماليزيا.. قصة كفاح

    أما ماليزيا التي تُعَدُّ من الدول الإسلامية الكبرى في جنوب شرق آسيا من حيث الأغلبية المسلمة, حيث تصل نسبة المسلمين فيها إلى 60% من عدد السكان، فتقع في المحيط الهندي، ويَحُدُّها من الشمال تايلند، ومن الجنوب إندونيسيا.
    وقد وصل الإسلام إلى ماليزيا في القرن السابع الهجري، وإن كنا لا نستطيع أن نُحَدِّد بالضبط السنة التي انتشر فيها؛ وقد كانت روابط شبه الجزيرة الملايو (ماليزيا) متينة مع جزيرة سومطرة المواجهة من ناحية الغرب، والتي وصل إليها الإسلام كذلك؛ لأن أطرافها الشمالية أقرب إلى الغرب، حيث كانت تمخر السفن الإسلامية، وتتحكَّم تلك السفن في طرق المحيط الهندي البحرية، وفي موانئه وقواعده ومراكزه وبحاره، وينتقل المسلمون التجار والدعاة على السواحل يحملون مع بضائعهم العقيدة الإسلامية، التي تتلاءم والفطرة البشرية، وتعطي معاملتهم وسلوكهم وأخلاقهم صفةً تختلف عمَّا يتَّصِف به بقية التجار؛ بل كان كلُّ تصرف ينبع من تلك العقيدة، وكثيرًا ما كان الدعاة يتَّخذون التجارة وسيلة ليتَّصلوا مع السكان، وليدعوهم إلى الإسلام.
    وفي سنة 676هـ أسلم ملك جزيرة (مالاقا) على يَدِ تجار مسلمين قادمين من جدة، وأطلق على نفسه اسم "محمد شاه"، وتبعه شعبه في اعتناق الإسلام، وبذا قامت أوَّل دولة إسلامية تعمل على نشر الإسلام فيمن جاورها من الجُزُر، وفي غضون نصف قرن أصبحت (مالاقا) مركزًا يَشُعُّ الإسلام على المناطق المجاورة، فأسلمت جزيرة (باهانغ) وجنوبي الملايو.
    الاستعمار البرتغالي لمالاقا
    ثم بدأ الاستعمار يحدو صوب ماليزيا حيث وصل البرتغاليون إلى مالاقا عام (915هـ= 1509م) منطلقين من قاعدتهم "غوا" على سواحل الهند الغربية، وقاموا بهجوم على مالاقا، لكنه باء بالفشل، وبعد عامين أعادوا الكَرَّة، وقاموا بهجومهم الثاني، ولكن قبل الهجوم ألقى قائدهم البوركرك خطابًا جاء فيه: "الأمر الأوَّل هو الخدمة الكبرى التي سنُقدِّمها للربِّ عندما نَطْرُد المسلمين من هذه البلاد، ونَارَ هذه الطائفة المحمدية، حتى لا تعود للظهور بعد ذلك أبدًا... وإذا استطعنا الوصول إليها فسيترك المسلمون الهند كلها، إن غالبية المسلمين وربما كلهم يعيشون على تجارة هذه البلاد، ولقد اغتنوا، وأصبحوا أصحاب ثروات ضخمة، و"مالاقا" هي مركزهم الرئيسي، فمنها ينقلون كل عام التوابل والأدوية إلى بلادهم دون أن نستطيع منعهم، فإذا تمكَّنَّا من حرمانهم من هذه السوق القديمة لا يبقى لهم ميناء واحد أو محطة واحدة مناسبة في كل هذه المنطقة ليستمرُّوا في تجارتهم، وأُؤَكِّد لكم أنه إذا استطعنا تخليص مالاقا من أيديهم فستنهار القاهرة، وبعدها مكة نهائيًّا". وبعد أن سقطت المدينة بأيديهم دقَّتْ أجراس الكنائس في روما ابتهاجًا، وعمل البرتغاليون على محاربة المسلمين والكيد لهم بكل وسيلة ملكوها، فقتلوا وفتكوا بأعداد الأهالي.
    الاستعمار الهولندي لمالاقا
    وفي سنة (1051هـ= 1641م) حلَّ الهولنديون محل البرتغاليين، وتابعوا سياستهم في قتل المسلمين وملاحقتهم، وقد اتَّبع الهولنديون نظام الإقراض الرِّبَوِيِّ، فتهيَّأ لهم لذلك انتزاع الأملاك من أيدي مُلاَّكِها في مالاقا وغيرها، ولما قاوم السكان ذلك أُخْمِدَت مقاومتهم بالقوَّة، وبذلك تحطَّم نظام مالاقا الاقتصادي، وذاق أهلها الفَاقَةَ والذِّلَّة، وبدأ أهل الملايو في صراعهم مع هولندا فهاجموا المراكز والمنشآت الهولندية، ولكن هذه المقاومة كانت أقلَّ من قوَّة المستَعْمِر الذي يستعمل أحدث الأسلحة، وعَيَّن الهولنديون حاكمًا على مالاقا تابعًا للحاكم العامِّ في جاكرتا بإندونيسيا.
    ونتيجة التنافس بين الصليبيِّين والاتفاقات التي حدثت بينهم لتوزيع مناطق النفوذ أصبحت المنطقة ضمن نفوذ بريطانيا منذ عام (1201هـ= 1786م)، واستأجرت شركة الهند الشرقية البريطانية جزيرة (بينانغ) من سلطان (قدح)، ومع دخول الإنجليز اتَّجهت أعداد من الصينيين والهنود نحو ماليزيا للعمل، وفتحت بريطانيا لهم الطريق، وسهَّلت لهم القدوم للعمل على تقليل نسبة المسلمين.
    الاستعمار الإنجليزي للملايو
    وفي سنة 1824م عُقِدَت معاهدةُ تسويةٍ بين إنجلترا وهولندا، تسلَّمت إنجلترا بموجبها مستعمرات هولندا في الملايو، وسلَّمت إنجلترا إلى هولندا مستعمراتها في جاوة وجميع جزر إندونيسيا، وركَّزت بريطانيا نشاطها البحري والتجاري في سنغافورة، ثم استولت بريطانيا على الجزء الشمالي لجزيرة (بورنيو)، وقسمته إلى ثلاثة أقسام هي: سراواك، صباح، بدني، وهذه المناطق أصبحت مراكز تِجارية وعسكرية مُهِمَّة لبريطانيا، وتَكَوَّنَ منها فيما بَعْدُ الجزء الشرقي من ماليزيا.
    وقامت ثورات في كثير من الأماكن في الملايو ضدَّ الإنجليز، وكانت هذه الثورات إنذارًا لبريطانيا، وانضمَّ بعض سلاطين الملايو إلى الشعب في هذه الثورات، ولم يَنْعَم الإنجليز بالاستقرار، وقد شهد مطلع القرن العشرين ثورة عارمة قام بها المجاهد المعروف بالشيخ الهادي، والذي كان قد تتلمذ بمصر على يد الشيخ محمد عبده، وعند عودته إلى الملايو أصدر مجلة سُمِّيَت مجلة الإمام تيمُّنًا بالإمام محمد عبده، وكان لها أثر كبير في ربط حركات الاستقلال بالملايو بالنهضة الإسلامية في الشرق العربي، وكانت هذه الحركات الجهاديَّة التي أتعبت المحتلِّين من الإنجليز ممهِّدة لزحف اليابان على الملايو في بداية الحرب العالمية الثانية.
    "الإنجليز واليابانيون" وتخريب أرض الملايو
    فقد كانت "بورمنيو"، وشبه جزيرة الملايو من بين ما احتلته اليابان في جنوب شرق آسيا، وذلك سنة (1360هـ= 1941م)، وقد وُضِعَت البلاد تحت الإدارة العسكرية اليابانية، وتمَّ تعيين رؤساء يابانيين لمختلَف دوائر الدولة، غير أن مهمَّتهم كانت الإشراف فقط، بينما كان الموظَّفون الملايويون يقومون بأعمال الإدارة المحلية الفعلية، مما أكسبهم المهارة والثقة بالنفس والتي كانوا قد فقدوها خلال الاحتلال البريطاني.
    وكان الاستعمار الياباني أقسى وأعنف من الاستعمار الإنجليزي؛ فقد أساء اليابانيون معاملة الأهالي، رغم ما رفعوه من شعارات برَّاقة، وحاولوا فرض لُغتهم على الأماكن التي احتلُّوها، ووقع الشعب الماليزي تحت وَطْأَة التخريب المتبادَل بين القوات البريطانية والقوات اليابانية؛ لأن الإنجليز حاولوا تخريب البلاد قبل الاستسلام؛ فهدموا كثيرًا من الكباري، ودمَّروا المباني، وأتلفوا ما تركوه من أسلحة، ولم يكتفوا بذلك؛ وإنما أتلفوا مزارع المطَّاط والأرز، وأحرقوا كَمِّيَّات هائلة من البترول.
    وبعد انتهاء الحرب العالمية وهزيمة اليابان مع دول المحور، اضطرَّت اليابان للانسحاب من المناطق التي دخلتها، ومن بينها دول الملايو، الأمر الذي أعاد إنجلترا إلى قواعدها السابقة، لتحل محلَّ اليابانيين الذين غادروا المنطقة.
    وبعد عودة الإنجليز اقترحوا أن يقوم اتحاد بين المحميات البريطانية التسع في الملايو،
    الاستقلال والاتحاد
    وفي عام (1375هـ= 1955م) وُضِعَ دستور جديد للملايو، حيث حُوِّلَتْ أكثر مسئوليات الحكومة الاتحادية إلى المجلس التمثيلي للشعب، وجَرَت انتخابات عامَّة فاز فيها التحالف برئاسة "تنكو عبد الرحمن"، حيث حصل على 51 مَقعَدًا من أصل 52.
    وفي مؤتمر لندن عام (1376هـ= 1956م) تقرر استقلال اتحاد الملايو الذاتي في الشئون الداخلية، وبعد عام تمَّ الاستقلال الذاتي ضمن رابطة الشعوب البريطانية، وفي الوقت نفسه حصلت سنغافورة على الاستقلال الذاتي، وحصل قتال في سنغافورة عام (1380هـ= 19960م)؛ فأعلنت حالة الطوارئ، وبعدها بعامين جَرَت مفاوضات ليقوم اتحاد بين الملايو وسنغافورة وشمال بورنيو، وقد تمَّ فعلاً في 1963م، إلاَّ أنَّ بورنيو رغبت في البقاء وحدها، غير أن الاتحاد الذي أُطْلِقَ عليه اتحاد ماليزيا قد لقي معارضة شديدة وخاصَّة من إندونيسيا، كما لقي معارضة من الفلبين التي ترى من جهتها أن شمالي بورنيو كان دولة واحدة من جزر مولو التي هي جزء منها، ولكن اعترفت الدولتان بالأمر الواقع مع مرور الزمن، وفي عام (1385هـ= 1965م) خرجت سنغافورة من دولة الاتحاد، وأصبحت ماليزيا دولة مستقلَّة.
    وهناك مجموعة من الدول في جنوب شرق آسيا بها أقليات إسلامية, يعاني فيها المسلمون من ظروف قاسية, وتضييق شديد على ممارساتهم الدينية والحياتية, وبلاد أخرى بها أكثرية إسلامية ولكنها تعاني من احتلال لأراضيها مثل ما يحدث لمسلمي فطاني, وتركستان الشرقية.
    المسلمون في تايلند ومن هذه الدول "تايلند" التي تقع في جنوب شرق آسيا، ويحدُّها من الشرق لاوس وكمبوديا، ومن الجنوب خليج تايلند وماليزيا، ومن الغرب بحر أندمان وميانمار "بورما"، وكانت "تايلند" تُعرف في الماضي باسم "سيام" وتبلغ نسبة المسلمين في تايلند 25%.
    وقد طرق الإسلام الأرض التايلندية منذ فترة مبكرة، مثلها مثل بقية دول شرق وجنوب شرق آسيا، فأثَّر تأثيرًا لا بأس به بين أهالي سيام "تايلند" من البوذيين، وأُطلق على الذين اعْتَنَقوا منهم الإسلام اسم "السمسم - samsams"، وأقبلت بعض القبائل أيضًا التي تعيش في هذه المنطقة على اعتناق الإسلام، ويُذْكر أيضًا أن التجار العرب والفرس المسلمين هم الذين أدخلوا الإسلام إلى تلك المناطق منذ القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي، ولكن يُعزى أهمُّ توسُّع لهذا الدين إلى هجرات أهل الملايو (ماليزيا الآن) التي بدأت في القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي.
    وتُعتبر تايلند في حكم الدولة المحتلة المستعمرة لأرض فطاني التي كانت بلدًا مسلمًا لفترة طويلة؛ لذلك فإن أساليب تايلند في محاربة المسلمين لا تختلف كثيرًا عن أساليب الاستعمار الصليبي في أفريقيا وآسيا والدول المسلمة.


    فطاني


    (فطاني) هي بلد إسلامي يقع في جنوب شرقي آسيا، يجاور في الجنوب ماليزيا، وفي الشمال تايلند، ويطلُّ في الشرق على بحر الصين الجنوبي، وفي الغرب على المحيط الهندي، ومساحته صغيرة، ولكنه غني بالمحصولات الزراعية والمعادن، وتبلغ نسبة المسلمين 80%.
    وقد دخل الإسلام إلى فطاني عن طريق التجارة في فترة النشاط التجاري الإسلامي، مثله مثل غيره من مناطق جنوب شرق آسيا.
    وبدأ الإسلام يتوسَّع في منطقة "فطاني" منذ النصف الثاني من القرن الثامن الهجري عن طريق مالاقا، التي أخضع سلطانها "فطاني" إلى حكمه عام 865هـ.
    ولما وصل البرتغاليون إلى المنطقة واحتلوا مالاقا عام (917هـ= 1511م) احتلوا أيضًا المناطق الشمالية منها، وكانت فطاني من بينها، ثم جاء الهولنديون وكانت لهم علاقات تِجاريَّة مع فطاني منذ عام (1018هـ= 1609م)، ثم مع الإنكليز عام (1021هـ= 1615م)، وقد أقاموا مراكز تِجاريَّة لهم.
    ثم استطاع التايلنديون الاستيلاء على فطاني عام (1201هـ 1786م) بعد محاولات كثيرة استمرَّت أكثر من قرنين؛ إذ قاموا بهجومهم عليها عام 1012هـ، و 1042هـ، و 1043هـ ولكنهم باءوا بالخسران في كل محاولة، ونقلوا منها 4000 أسير إلى منطقة بانكوك، كما قسموا المنطقة إلى سبع ولايات لإضعاف المقاومة، إلا أن الفطانيين قاموا بثورة بعد عام من الاحتلال التايلندي، وقادهم (تنكولميدين)، غير أن هذه الثورة قد فشلت، وقُتل قائدهم، وقامت ثورة أخرى عام (1223هـ= 1808م)، لقيت الفشل أيضًا، وهذا ما جعل التايلنديين يعملون على تقسيم المنطقة إلى ولايات صغيرة، ويُشرِّدون الزعماء، ويضعون بجانب كلِّ أمير فطاني أحدَ التايلنديين إضافة إلى فرض ضريبة.
    وفي عام (1247هـ= 1841م) قام ولي عهد ملك (قدح) بثورة، فاشترك معه الفطانيون، ولكن فشلت هذه الثورة ودخل التايلنديون الأرض الفطانية فنهبوها، وعاثوا فيها الفساد، ونقلوا أربعين ألفًا حملوهم إلى منطقة بانكوك.
    وفي عام (1320هـ= 1902م) ربط التايلنديون الفطانيين ببانكوك، وجعلوا عليهم حاكمًا تايلنديًّا، فقام عبد القادر قمر الدين بثورة، ولكنه هُزم وأُسر، وحُمل إلى بانكوك، وطُلِب منه توقيع وثيقة يتنازل فيها عن حقِّه في الإمارة، ولكنه رفض ذلك، وأصرَّ على موقفه، وفي عام (1321هـ= 1903م) عمَّت البلاد الفوضى، ونُفِيَ الأمير عبد القادر، وتولَّى الإمارة مكانة ابنه محيي الدين، وأُرسل إلى لندن للدراسة.
    وفي عام (1327هـ= 1909م) اتَّفقت إنجلترا وتايلند، فأخذت إنجلترا بعض الولايات الملاوية، وأخذت تايلند المقاطعات الفطانية.
    وفي عام (1351هـ= 1932م) حصل انقلاب في تايلند دعمه الفطانيون فكُتِبَ له النجاح، وتغيَّر نظام الحكم من ملكي مطلق إلى ملكي دستوري، واختار الفطانيون محمود محيي الدين أصغر أبناء السلطان عبد القادر قمر الدين، الذي يعيش في المنفى؛ ليكون حاكمًا لهم.
    وقد جرَّ مجيء العسكريين إلى حكم تايلند وبالاً كبيرًا على الشعب الفطاني؛ لأنهم حملوا فكرة القومية السياميَّة، والتي حاربها الفطانيون؛ لأنهم يَدِينون بالإسلام، ويتكلَّمون لغة ملايوية تُكتب بالحرف العربي.
    وكان هدف تايلند منذ عام (1351هـ= 1932م) تحويل الملايونيين في فطاني إلى تايلنديين بإجبارهم على الزيِّ التايلندي، واستعمال اللغة التايلندية، وقَبُول الثقافة التايلندية، واتِّخاذ أسماء تايلندية، وترك العقيدة الإسلامية.
    وزاد الضغط على الفطانيين منذ عام (1357هـ= 1938م) إذ حُرِم المسلمون خاصة من وظائف الدولة، وأُجْبر الطلاب، ومَن يعمل بالمؤسسات الثقافية أن يتسمَّى بأسماء تايلندية، وأُغلقت المدارس الدينية والمساجد، كما أُجبر المسلمون على دخول المعابد البوذية.
    وقد قامت الحرب العالمية الثانية ودخل اليابانيون البلاد، وعمل الإنجليز على تنظيم المقاومة، وقد اعتمدوا على السلطان محمود محيي الدين، ووعدوه بالحصول على الاستقلال بعد انتصار الحلفاء، وعندما انتهت الحرب أخلفوا الوعد، حتى وُضِعَ اقتصاد البلاد تحت تصرف إنجلترا.
    وفي عام (1367هـ= 1948م) قام الحاج محمد سولونغ رئيس الهيئة التنفيذية لأحكام الشريعة الإسلامية بتقديم مطالب الشعب الفطاني، وتقدَّمت المطالب إلى الأمم المتحدة فكانت النتيجة أن قُبِضَ على محمد سولونغ ورفاقه، وأُودِعوا السجن، وحُكِم عليهم بالسجن ثلاث سنوات، ثمَّ أُفْرِج عنهم، ثم اعتُقِلوا ثانية، وقُتِلوا سرًّا عام (1374هـ= 1954م).
    ووقع انقلاب عسكري في تايلندا عام (1366هـ= 1947م)، وفي عام (1357هـ= 1955م) وقع انقلاب آخر، وكان كلُّ انقلاب يعمل على إذابة الشخصية الفطانية، ووقفت الدول الكبرى بجانب تايلند، وظنَّ المستعمرون أن أمر فطاني قد انتهى.
    وفي عام (1378هـ= 1958م) تشكَّلت عدَّة منظَّمات وأحزاب لمواصلة الكفاح، ولكن تعدُّد القيادات كان له الأثر السيئ، ثم توحَّدت المنظمات وتغيَّرت فكرة المقاومة السلمية إلى فكرة الجهاد؛ لإعادة الحقوق المسلوبة.

    قصة الإسلام في الصين

    أما الصين؛ فتقع في الجزء الشرقي من قارة آسيا، وعلى الساحل الغربي من المحيط الأطلنطي، وتشترك الصين في حدودها مع عدة دول هي: أفغانستان، بوتان، ميانمار (بورما)، مازخستان، فرعيزستان، لاوس، منغوليا، النبيال، وكوريا الشمالية، وباكستان، وروسيا، وطاجاكستان، وفيتنام.
    وتذكر التواريخ الصينية أن أول دخول الإسلام في الصين كان في أيام أسرة "تانج"، التي عاصرت البعثة النبوية، وعصر الراشدين، وعصر الخلافة الأُموية، وكان القادمون إلى الصين من المسلمين تجارًا دخلوا بلاد الصين من الجنوب أيام الخلافة الأموية، واستقرُّوا في "كانتون"، حيث أنشئوا لأنفسهم جالية زاهرة، واتخذوا المساجد، وأطلق عليهم الصين لقب "هوي هوي".

    جزاك الله كل خير اخى الغالى على مجهودك وعلى امدادنا بهذه المعلومات

    توقيع ameral3zab
    كل سنه وانتم طيبين بمناسبة العام الجديد http://al3abk.net

  10.  

  11. #6
    مراقب
    رقم العضوية : 4
    العمر: 30
    المشاركات : 5,444
    التقييم : 11 Array
    الدولة : مصر
    *
    معدل تقييم المستوى
    100

    افتراضي رد: تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيك أستاذ محمد على هذا المجهود الممتاز
    أسأل الله عز وجل أن يكون في ميزانك يوم القيامة
    فقلب المسلم ينشرح عندما يسمع مثلً إسلام شخص أو إنتشار الإسلام في بلد معين
    ومن أهم سمات الدين الإسلامي أنه ينتشر بسهولته وموافقته للفطرة
    بارك الله فيك أخي

    توقيع المسلم
    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

  12.  

  13. #7
    عضو فضي
    الصورة الرمزية ali_gh
    رقم العضوية : 47767
    المشاركات : 2,146
    التقييم : 10 Array
    *
    معدل تقييم المستوى
    25

    افتراضي رد: تاريخ الإسلام في جنوب شرق آسيا

    جزاكم الله خيرا


  14.  

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •